17 يوليو 2016

 د. محمد محفوظ يكتب : الانقلاب في تركيا بين الحقيقة والمسرحية ؟!

" ينبغي أن يكون لدينا دستور ديني
ولا مكان للعلمانية في هذا الدستور "
إسماعيل كهرمان - رئيس البرلمان التركي
بتاريخ ٢٥ إبريل ٢٠١٦

ما أحلى الانقلاب لو لم يسفر عن إسقاط النظام ، وانما تسبب في ترسيخ وتثبيت دعائمه !!!
وما أروع الانقلاب لو كانت نتائجه هي : تمرير كل السياسات التي تم الانقلاب عليها ، وتدمير المؤسسات التي كان يسعى الانقلاب للحفاظ على بقائها  !!!
وما ألذ الانقلاب لو كانت تتصدى لدباباته ومدرعاته وضباطه وجنوده ؛ قوات الشرطة بطبنجاتها وبنادقها الآلية ورشاشاتها  !!!
وربما يتحسر الملك / فاروق ، ملك مصر الراحل في قبره . لو كان يعلم بأنه كان يمكن لبضعة مئات أو آلاف - من قوات الشرطة وأنصار الملكية والباشوات والبكوات وملاك الأراضي - أن تقبض على حفنة الضباط الأحرار قبل أن يُسقطوا دولة الأسرة العلوية التي أسسها محمد علي .
ولكن ، هكذا صارت الأحداث في تركيا . وصار الانقلاب أشبه بلعبة البوكيمون الإلكترونية ، يتم مطاردة الذين قاموا به في شوارع السلطنة العثمانية الغابرة والسلطنة الأردوغانية المقبلة .
ولهذا سيستمر أردوغان وحزبه وإعلامه في مضغ اللبانة المروجة لأكذوبة مفادها : أن الشعب التركي هو الذي وقف في وجه الانقلاب العسكري ، الذي بدأ ١٥ يوليو ٢٠١٦ ، وفشل ولم يكتمل ومات رضيعا في مهده !!! وسيتم الإلحاح على تكرار مشاهد حصرية ومحدودة لتصدي مجموعات من المواطنين لبعض الضباط والمجندين المشتركين في الانقلاب ، والتعدي عليهم وعلى دباباتهم وآلياتهم .
ولكن الثابت أن الواقع يشهد بعكس ما يريد أردوغان وحزبه الترويج له . فلم تنقل شاشات الفضائيات أي تحركات لحشود جماهيرية كاسحة تفيض بها الشوارع والميادين في مواجهة القوات الانقلابية . وإنما نقلت هذه الشاشات صورا لمجموعات صغيرة متفرقة ، توضح عصبيتها المفرطة أنها من عناصر وكوادر حزب العدالة والتنمية المسلحين بأسلحة شخصية . ورغم أن هؤلاء جزء بالفعل من الشعب ، الا أن ولاءهم هو حصريا لحزب العدالة والتنمية وليس للأمة التركية .
ولهذا تثير الملابسات الغرائبية لهذا الانقلاب الذي يشبه الزوبعة في الفنجان ، تثير الشكوك والوساوس حول مدى تورط أو عدم تورط اردوغان وحزبه وحكومته في التخطيط والتدبير له ، لإطلاق يد حزب العدالة والتنمية في تغيير الهوية العلمانية للدولة التركية ، واستعادة الأيدلوجية العثمانية ، بعد القضاء علي آخر حصون الأيدلوجية الأتاتوركية المتمثلة في الدستور والجيش .
وهذه الشكوك والوساوس لا تنبع من أهواء نفسية أو شطحات عقلية ، وإنما من مقدمات منطقية تردد صداها في وسائل الإعلام الدولية .
فبتاريخ ٢١ مارس ٢٠١٦ ، نشر مركز أميركان إنتربرايز إنستيتيوت ، مقالا لمايكل روبن ، الكاتب حاليا والمسئول السابق بوزارة الدفاع الأمريكية . وكان المقال تحت عنوان : هل سيكون هناك انقلاب عسكري ضد أردوغان؟
وفي ٣١ مارس ٢٠١٦ نشرت قيادة الأركان التركية بياناً على موقعها الإلكتروني ، تناولت فيه ما قالت أنه : إدعاءات صحفية تطال المؤسسة العسكرية وتتعلق بمحاولة القيام بانقلاب عسكري ، وبوجود أفراد داخل المؤسسة العسكرية يتبعون لـ " الكيان الموازي " في إشارة إلى حركة "فتح الله جولن " . وقد نفى الجيش في البيان بشكل حازم نيته القيام بانقلاب عسكري في البلاد ، مؤكّداً أنّ الجيش التركي ملتزم بدستور البلاد ، ويعمل تحت إطاره في كل الظروف الصعبة في مختلف أنحاء البلاد من أجل حماية الشعب من المخاطر التي يتعرّض لها . كما أكّد البيان على أنّ الانضباط والطاعة غير المشروطة لعناصره وعلى عمله وفق مبدأ التسلسل القيادي ، هو ما يُمكّن الجيش بأن لا يسمح بأن يتم خرق سلسلة القيادة أو أن تتعرض للخطر .
أنظر : http://www.turkpress.co/node/20542
نحن إذن أمام انقلاب تتحدث وسائل الإعلام والمراكز البحثية عن إشاراته وبوادره . ويتحدث رئيس الأركان عن إستحالة وقوعه لانتفاء مسبباته وبواعثه .
ولكن رغم تلك الإشارات ونفيها ، يقع الانقلاب دون تمكن الأجهزة السيادية التركية أمنيا ومخابراتيا من رصده ، أو ضبط واحد أو اثنين من جنوده أو ضباطه .
والأغرب ، أن تلك القدرة الفذة للانقلابيين على الخداع التكتيكي وتأمين الاتصالات والاتفاقات فيما بينهم - وصولا إلى ساعة الصفر - تقابلها خيبة كبرى لذات الانقلابيين فيما يتعلق بمحدودية عددهم وضعف سيطرتهم وقلة إمكانياتهم وسرعة استسلامهم .
ولهذا ، فإن رفع الحقائق من على الأرض يوضح بأن الانقلاب الفاشل ربما لن يخرج عن مسارين افتراضيين :
المسار الافتراضي الأول : أن الانقلاب تم بعلم مسبق لدى أردوغان ناتج عن معلومات استخبارية تم رصدها والتاكد منها ومتابعتها . واختار أردوغان ترك حبل المؤامرة ممدودا وعدم قطعه ، لكي يلفه حول رقاب الانقلابيين بدلا من وأد الانقلاب قبل ميلاده . الأمر الذي يتيح له استخدام فزاعة الانقلاب ، لإطلاق يده ويد حكومته وحزبه في استكمال عملية تحويل ولاء الجيش التركي كله لحزب العدالة والتنمية ، وإنهاء الدور التاريخي للقوات المسلحة في حماية الهوية العلمانية لتركيا .
المسار الافتراضي الثاني : أن الانقلاب تم بإيعاز وتدبير وتخطيط من أردوغان نفسه وقيادات حكومته وحزبه ، من خلال عناصر تم دسها وسط الجيش لكشف البؤر والعناصر الانقلابية بين صفوفه ، ومن ثم تشجيع هذه العناصر على القيام بالانقلاب ، الذي تم الإيهام بتأكيد نجاحه من خلال الادعاء كذبا بوجود دعم غير محدود بين صفوف الجيش للانضمام للانقلاب حال انطلاقه .
.. والمحصلة ، تأسيسا على الفرض الأول أو الفرض الثاني ، أن انقلابا مثل الزوبعة داخل الفنجان ، سيؤدي إلى تقوية أردوغان وليس إضعافه ، وإكمال مخططه الساعي لأسلمة الدستور بعد عقود من علمنته ، ورئاسية النظام السياسي بعد عقود من برلمنته . ومن ثم استكمال سيطرة حزب العدالة والتنمية علي آخر حصون الأتاتوركية التي تمثلت في الجيش التركي بكل تشكيلاته .
ولكن ، إذا كان لا يجب أن نحبذ الانقلابات العسكرية لتغيير النظم السياسية الديمقراطية وإسقاطها . فإنه وبالمقابل ، لا يجب أن نتغافل عن تلاعب النظم الديكتاتورية بالأدوات الانتخابية لإرتداء أقنعة الديمقراطية ، وممارسة الاستبداد تحت شعاراتها .
وإذا كان يجب أن نحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها . فإنه بالمقابل ينبغي أن لا نتهاون مع دعم الدول الديمقراطية لنظم استبدادية ، لمجرد تحقيق مصالح مرحلية أو انتخابية ، سياسية كانت أم اقتصادية .
قد يكون أردوغان نجح من خلال " مسرحية " غير مسلية وفاقدة للحبكة الدرامية ، في تثبيت اسمه داخل سجلات الدولة التركية ، وسجلات السياسة الدولية ، بالإضافة لسجلات الدراما التركية .
ولكنه وبنفس القدر ، نجح في حجز خرابة له داخل مزبلة التاريخ الجهنمية . ليشغل مكانه المستحق بجوار العديد من رؤساء وأمراء وملوك وسلاطين من الأوباش الأوغاد المستبدين ، حُماة الفشل والفساد والإجرام واللصوصية .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

13 يوليو 2016

ماما " الدولة " وخالتي " هيبة " وعمتي " مؤسسات" .. والحاج " أزهر " وأنكل " عسكر " والبت " فردية "

د. محمد محفوظ يكتب : ماما " الدولة " وخالتي " هيبة " وعمتي " مؤسسات" .. والحاج " أزهر " وأنكل " عسكر " والبت " فردية "

تلتبس مشاعري نحو " ماما الدولة " . أحبها ، ولكنني لا أجزع من إمكانية رحيلها حنينا إليها أو إشفاقا عليها  ، وإنما خوفا من الفوضى وقلقا على المستقبل .
وهذا الالتباس في المشاعر ليس وليدا لعقدة نفسية . وإنما هو محصلة لممارسات " ماما الدولة " التي أحاطت نفسها بشلة لا أطمئن لها ولا أرضى عنها .
فقد قررت " ماما الدولة " منذ زمن أن لا تفارقها " خالتي هيبة " حتى صارتا كما يقول المثل المصري الأبيح : ..... في لباس . 
ورغم أن ملامح " ماما الدولة " لا تشي بسماحة أو شدة ، بغضب أو فرح . فإن "خالتي هيبة " لا يفارق وجهها المكتنز الأحمر ؛ العبوس والتجهم والامتعاض والاحساس بالقرف المزمن . 
ولعل طول وعرض " خالتي هيبة " وجسدها الممتلئ بلا ترهل ، وشعرها المشدود للخلف ليُظهر جبهتها العريضة المرتفعة وحاجبيها الملتصقين . كل ذلك يجعلها تبدو كبودي جارد أو فتوة يرافق " ماما الدولة " فينضح عبوسه وتجهمه وقوته عليها . ويضفي عليها سطوة ومكانة ومهابة .
ولكن ، إذا كانت العاطفة الأخوية هي التي جمعت بين " ماما الدولة " و" خالتي هيبة " . فإن ضرورات المصاهرة هي التي جمعت بين " ماما الدولة " و" عمتي مؤسسات " . ولئن كانت العلاقة المتوترة التي تجمع ببن الزوجة وأخت زوجها أو بين الأخت وزوجة أخيها هي عنوان التواصل أو التباعد بين الاثنتين . إلا أن كل منهما كانت تعلم بأنها لا يمكن أن تستغني عن الأخرى . 
فماما الدولة تعلم علم اليقين بأن " عمتي مؤسسات " هي رمز سلسال السلطة الذي امتد لها من " بابا الوطن " . وإنها العروة الوثقى للنسب الذي يجمع الأسر والعائلات والقبائل التي تسكن هذه الأرض . وإنها اليد التي تطلقها في الأنحاء والربوع لتمارس الإشراف والتنظيم والإدارة والرعاية . 
باختصار " ماما الدولة " توظف " عمتي مؤسسات " فيما لا تريد أن تتسخ به يديها ، بينما " عمتي مؤسسات " تلبس القفازات فتستمتع بممارسة السلطة بلا مسئولية . 
ولهذا وبمرور الوقت ، لم تعد " ماما الدولة " تهتم بمدى كفاءة وانضباط " عمتي مؤسسات " في القيام بوظائفها ودورها ، قدر اهتمامها باستمرارها وبقاءها وعدم غيابها . ولذلك مهما بدت الفوضوية والعشوائية في ممارسات " عمتي مؤسسات "  ، فإن " ماما الدولة " تصفح عنها وتغفر لها ، ولا تتطلع إلى استبدالها أو إعادة هيكلتها .
ولكن ، إذا كانت العلاقة بين " ماما الدولة " و" خالتي هيبة " و" عمتي مؤسسات " تتخللها كل هذه الالتباسات . إلا أنها تظل مفهومة داخل دائرة العلاقة بين مجموعة من النساء ، تجمعهن نون النسوة ، وتؤلبهن على بعضهن البعض تاء التأنيث . 
ولكن الذي لم يكن مفهوما لي أنا شخصيا ، وكان يجعل الفأر يلعب ويقفز داخل " عبي " ، هو العلاقة بين " ماما الدولة " و" الحاج أزهر " و "أنكل عسكر " . فهي علاقة تتعقد سبل فهمها ، أو سبر أغوارها ، أو تحليل مسارها . أو وصفها بأنها علاقة محترمة أم محرمة . 
والشهادة لله ، فإن " الحاج أزهر " كان بالنسبة لي فوق مستوى الشبهات ، برأسه التي تعلوها العمة ، وجسده الذي تكسوه الجبة تحتها القفطان ، ولحيته التي تغطي ذقنه وخديه . ولكن هذا لا ينفي أنني كنت ألمحه في بعض الأحيان ، يختلس ويختطف في هنّات كلمح البصر ، نظرات والهة ومغرمة نحو " ماما الدولة " ، وخصوصا عندما تنزوي به في أحد الأركان وتهمس له بحديث غير مسموع إلا لكليهما ، فيبادلها هو الآخر الهمس . 
إلا أن الغالب على مقام الحاج أزهر في حضرة " ماما الدولة " ، الاقتضاب في الكلام ، والاحتشام في البيان . 
أما علاقة " ماما الدولة " بــ " أنكل عسكر " . فهي العلاقة التي نغصت عليّ مقامي وأرقتني عن منامي . حيث تجاوزت الهمس في أحد الزوايا أو الممرات ، إلى اللمسات والغمزات والاحتكاكات والمماحكات في الجلسات والوقفات والحوارات . وكلما أعلنت لماما الدولة عن غيرتي وغضبي من هذه الجرأة غير المفهومة من " أنكل عسكر " ، كانت تنظر لي بإشفاق وتمرر يدها على شعري وتقول لي : أنت لسه صغير .. لما تكبر حتفهم كل حاجة .
إلى أن جاء اليوم المشئوم ، عندما عدت إلى البيت في غير موعدي . وفي طريقي لغرفتي وجدت " خالتي هيبة " تقف أمام باب غرفة " ماما الدولة " . واكتسى وجهها الأحمر تجهما واصفرارا عندما فوجئت بي . تكهرب الفأر داخل عبي فانحنيت ومررت بسرعة البرق من تحت ذراعها الذي كانت تمسك به مقبض الباب ، ودفعت الباب بكل قوتي . فانفتح على مصراعيه كاشفا السرير في منتصف الغرفة ، ترقد عليه " ماما الدولة " وفوقها " أنكل عسكر " .
أصابني الذهول ، وإذا بأنكل عسكر وهو مازال فوق " ماما الدولة " يمد ذراعه تحت المخدة ، ليُخرج ورقة ناولها لخالتي هيبة ؛ التي أخذت الورقة وسحبتني معها لخارج الغرفة .
كانت الورقة عقد زواج عرفي بين " ماما الدولة " وبين " أنكل عسكر " . وكان الشهود عليه رجل وامرأتان . " الحاج أزهر " ، و" خالتي هيبة " و" عمتي مؤسسات " .
ساءت حالتي بعد علمي بزواج " ماما الدولة " العرفي من " أنكل عسكر " . فهجرت البيت واستأجرت شقة مفروشة في حي شعبي . وتعرفت خلال تلك الفترة على " البت فردية " التي كانت تسكن فوق السطح بمفردها ، بعدما طفشت من منزل زوج أمها الذي كان يراودها عن نفسها . 
كانت " البت فردية " رقيقة ومسالمة . ولكن أكثر ما كان يميزها هو ذكاءها . ولما حكيت لها حكايتي ، أشارت عليّ بضرورة لجوئي إلى " طنط الثورة " الزوجة الاخرى لــ " بابا الوطن " وضرة " ماما الدولة " ، باعتبارها الوحيدة القادرة على ترسيم حدود وحواجز العلاقة بين " ماما الدولة " و" أنكل عسكر " . 
بفضل الله ، تمكنت من إقناع " طنط الثورة " بالعودة إلى المنزل وتطبيع علاقتها مرحليا  مع " ماما الدولة " لإقصاء " أنكل عسكر " عن المشهد . 
ولكنني لسذاجتي ، لم أهتم بحماية وتأمين " طنط الثورة " بعد عودتها ، وتركت الأبواب الخلفية للمنزل بدون حراسة . فتمكن " أنكل عسكر " من الاستعانة بــ " الواد إخوان " ومهد له الطريق ليتصدر المشهد ويتحدث كذبا باسم " طنط الثورة " ، حتى تمكن من تشويه سمعتها ، ثم في غفلة من الزمن أعلن " الواد إخوان " زواجه من " ماما الدولة " .
استشاط " أنكل عسكر " غضبا وغيظا ، وبدأ في مد جسور التواصل معي ومع " طنط الثورة " ، حتى نتوحد معا ونتمكن من التفريق بين " الواد إخوان " و" ماما الدولة " . 
وبالفعل ، نجح اتفاقنا . وتم طرد " الواد إخوان " من المنزل ، وفسخ عقد زواجه من " ماما الدولة " . 
ولكن سرعان ما نكث " أنكل عسكر " بكل وعوده ، وأظهر للعلن ورقة زواجه العرفي من " ماما الدولة " ، وأمر بطرد " طنط الثورة " من المنزل . 
ولم يكتف بذلك ، بل أوعز للجميع بأن علاقتي غير الشرعية بــ " البت فردية " هي السبب الكامن خلف تمردي ، ورفضي لزواجه من " ماما الدولة " ، وتواطئي مع " طنط الثورة " .
ومنذ ذلك الحين ، صارت كل الكوارث والمصائب والتجاوزات والانتهاكات والرشاوى والاختلاسات معلقة في رقبة " البت فردية " . وصرت أنا منبوذا في بيت " بابا الوطن " ، تحاصرني نظرات العتاب من " ماما الدولة " و" خالتي هيبة " و" عمتي مؤسسات " ، ونظرات الاستخفاف من " أنكل عسكر " ، بينما يتجاهلني " الحاج أزهر " . 
ولكن ، تفجرت الأوضاع عندما نشبت ذات يوم مشادة كلامية نارية بيني وبين " ماما الدولة " ، وأعلنت لها عن اشمئزازي من علاقتها بأنكل عسكر ، فهاجت وماجت وألقت في وجهي بقنبلة بيولوجية مفادها : أن " طنط الثورة " هي أمي الحقيقية التي ولدتني إلا أنهم أوهموها فور ولادتي بوفاتي . ثم سلموني رضيعا لماما الدولة التي نسبتني إليها ، وأوهمت " بابا الوطن " بأنها ولدت طفلين توأم ، أنا و" أختي وطنية " .
أصابني الاكتئاب والاحساس بالهوان والضياع ، وقررت مغادرة البيت إلى غير رجعة . ولكن لم تطاوعني نفسي بأن أغادر قبلما نلتقط معا صورة جماعية ، لأتطلع إليها كلما راودني الحنين لذكرياتي العائلية .
اصطفوا جميعا أمام الحائط المعلقة عليه داخل برواز كبير صورة " بابا الوطن " .  في المنتصف ؛ وقفت " طنط الدولة " وعلى يمينها ملتصقا بها " أنكل عسكر " يجاوره " الحاج أزهر " ، وعلى يسارها " طنط هيبة " تجاورها " عمتي مؤسسات " ، وفي أقصى يسار الحائط " البت فردية " محبوسة في قفص الاتهام . بينما ارتكزت أنا على ركبتي أمام " طنط الدولة " مرتديا تي شيرت مطبوعا عليه صورة " ماما الثورة ". 
ابتسم " الواد إخوان " إبتسامته الصفراء اللزجة وهو يصوب نحونا عدسة الكاميرا . ووجه لي الكلام بشماتة وسخرية قائلا : اضحك عشان الصورة تطلع حلوة .
 *****
dr.mmahfouz64@gmail.com