02 فبراير 2017

د. محمد محفوظ يكتب : التخدير السياسي .. الاسم / سلطة .. والوصف / مزاجنجي


أصبحت انحيازات السلطة في مصر معروفة ومختبرة .
سلطة لا تنحاز للديمقراطية ، ولا تنحاز للحقوق والحريات اقتصادية كانت أم اجتماعية أم سياسية أم مدنية .
بل وتستخدم فزاعة الحرب على الإرهاب وفزاعة المؤامرة الكونية لتبرير حصارها لهذه الحقوق والحريات وتأجيلها ، أو تسطيحها لأي استحقاقات ديمقراطية .

بالمختصر المفيد ، هي سلطة انحيازها لذاتها وليس لشعبها ، وانشغالها ببقائها ونفوذها وليس بالتزامها بمسئولياتها .

ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الانحيازات الكارثية المستمرة المعلنة المشهرة المستقرة باعتبارها ماركة مسجلة ؛ استحقتها هذه السلطة بتجاوزاتها وانتهاكاتها للدستور والقانون .

ومن ثم ، لا يستقيم الانسياق وراء التصور بأن سلطة هذا حالها يمكن - في موجة كرم أو فورة عشم - أن تتبدل كل انحيازاتها .
المنظور السليم يقرر بأن أي " تحولات " تتمثل في صورة ممارسات أو مقولات ، تخرج فيها سلطتنا " ريما " عن عاداتها القديمة ما هي إلا مناورة . نعم مناورة تفرضها تكتيكات الخداع والمحايلة والمسايرة وليس إستراتيجية الرُشد والمراجعة ، ومن ثم سرعان ماتعود ريما بعدها لعاداتها القديمة وسوءاتها المزمنة .

وتتمثل تحولات سلطتنا " ريما " في عدد من الممارسات أو المقولات التالية  :
- الصحوة المفاجئة لهيئة الرقابة الإدارية في كشف قضايا الفساد .
- العفو الرئاسي عن بعض المحبوسين على ذمة قضايا تتعلق بالتظاهر أو حرية الرأي والتعبير .
- المؤتمر الشهري للشباب الذي ينتقل من محافظة لأخرى .
- اللفتات العاطفية للرئيس السيسي التي تبدأ من لمعة العينين بالدموع ، مروراً بتقبيل الرؤوس ، وصولاً إلى تشريب المياه لسيدة مسكينة بالطريق .
- التعديلات الوزارية العبثية التي تستبدل الأسماء والوجوه ، ولا تتغير معها السياسات .
- الفقاعات الهوائية التي تروج لمقولات قد تبدو صريحة على غير العادة ولكنها ممزوجة بإضافات خادعة وخزعبلية مثل : " الحكومة بطيئة كالسلحفاة قياساً بالرئيس الذي ينطلق بسرعة الصاروخ " - " كل اللي حواليه وحشين بس الرئيس كويس " ... وهكذا يتم خلط الأكاذيب المريرة بحقائق مريرة لضمان سهولة تصديقها .

.. ومن نافلة القول أن تلك الممارسات أو المقولات التحولاتية ، تتناقض بصورة حادة مع الممارسات والمقولات الاعتيادية لسلطة لا ترعى حرمة المال العام إهمالاً أو إهداراً أو فساداً . ولا تؤمن بالحقوق والحريات نظرياً أو عملياً . ولا تنم سياساتها الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلا عن قسوة وعنت واستكبار واستهتار . ولا تشير نتائج سياساتها إلا لقدرات عقلية وعملية محدودة ومتواضعة ومتدنية لكل مسئوليها بدون استثناء .

من هذا المنظور ، لا يمكن التعامل مع أي تحولات قد تبدو خارج السياقات المستقرة والمكررة باعتبارها فتح ديمقراطي أو سبق حقوقي حرياتي ، بل ينبغي التعاطي معها بوصفها مجرد مناورات تسعى إلى ما يمكن أن نطلق عليه : التخدير السياسي ، وذلك بهدف امتصاص الغضب المتراكم نتيجة السياسات الفاشلة والإصلاحات الغائبة والأزمات العبثية المتوالية ، التي اكتملت بقرض صندوق النقد الدولي وما رافقه من تعويم للجنيه انخفض بقيمته وارتفع بأسعار كل السلع والخدمات .

ولعل خبرات التاريخ المحزنة تثبت بأن أي سلطة فاشلة لا تبذل جهداً ولا تستنفر عزماً إلا للتغطية على فشلها والتعمية على تدني قدراتها . ولذلك تبدو أساليب " التخدير السياسي " من وجهة نظر هذه السلطة بكل أجهزتها ملائمة جداً لتشتيت موجات الغضب الصاعدة وإبطاء نمو جذور الاحباط الهابطة . 

ورغم أن الكبرياء السياسي يجعل أساليب التخدير السياسي تبدو بالنسبة لكثير من السياسيين والناشطين بمثابة ألاعيب مكشوفة ومماحكات مفضوحة لا ينبغي التهويل من آثارها .
فإن اللامبالاة السياسية لدى قطاع واسع من غير السياسيين تؤدي إلى الاستخفاف بهذه الأساليب التخديرية ، باعتبارها مجرد تعميرة إضافية تُضاف لحجر الشيشة الذي لا يخلو من المخدرات التقليدية .

ولكن رغم كبرياء السياسيين أو لامبالاة غير المسيسين ، فإن ثمة " مضاعفات " تنتج عن أساليب التخدير السياسي ، بما يجعلها تحقق آثارها أو تصيب أهدافها ، أو على أقل تقدير تؤدي إلى تشويش المشهد وتشتيت التركيز لدى أطرافه التي كانت يمكن أن تكون فاعلة . 

وتتمثل هذه " المضاعفات " في المظاهر الآتية :-

١- الاسترخاء أو الركود السياسي : فأساليب التخدير السياسي تنشر بالمجتمع انطباعات كاذبة بضرورة تهدئة وتيرة اللعب السياسي ، رداً على التهدئة الصورية التي تمارسها السلطة . الأمر الذي يؤدي إلى حالة من الاسترخاء أو الارتخاء السياسي ، وسيادة مناخ راكد سياسياً تفقد فيه السياسة حيويتها وتحفزها واستنفارها .

٢- ميوعة الخصومة أو المعارضة : فمع استمرار مناخ الاسترخاء والركود السياسي ، تفقد الخصومة السياسية موجبات حدتها وعلو نبرة صوتها ، وتصيب المعارضة السياسية ميوعة جيلاتينية تنال من هيبتها وتزرع بداخل بنيانها ليونة تعصف بصلابة عودها وثبات مسارها .

٣- تشجيع المتلونين أو المذبذبين : فسرعان ما يؤدي الركود السياسي وميوعة المعارضة إلى تشجيع المتلونين على إظهار جلودهم الحربائية التي تتلون وفقا لأهواء السلطة ، وفتح الطريق للمذبذبين لإعلان تبرؤهم من المعارضة . الأمر الذي يثير الفرقة والانقسام داخل الساحة الحزبية ، ويخلق حالة من التناحر داخل كل حزب تعصف بترابط صفوفه . وبدلاً من الشقاق مع السلطة تنشق المنظمات السياسية على نفسها أو ينشأ الشقاق فيما بينها .

٤- ترسيخ الاستقرار الزائف : حيث تؤدي حالة الاسترخاء السياسي والميوعة السياسية وانشغال القوى السياسية بالتذبذبات والتلونات الحربائية إلى ترسيخ حالة من الاستقرار الزائف المغشوش ، لتختفي مظاهر الغضب وأمارات الانهيار والتردي تحت هذا الغطاء المموه والقناع الكاذب .

٥- ابتزاز الشرعية الدولية : ولذلك سرعان ما يؤدي هذا الاستقرار الزائف إلى ابتزاز النوازع البراجماتية لدى القوى الدولية الباحثة عن مصالحها في لعبة السياسة وكعكة المنافسة الاقتصادية العالمية . الأمر الذي يكتسب بموجبه أي نظام فاشل فاسد مستبد شرعية دولية نتيجة حسابات المصالح وليس حسابات المبادئ والمُثل والقيم الإنسانية العالمية . 

.. تبدو إذن أساليب التخدير السياسي قادرة على تحقيق كل الآثار المترتبة على تعاطي المواد المخدرة طبيعية كانت أم تخليقية .

فبينما يتم تصنيف المواد المخدرة إلى :
مواد مثبطة " مثل الحشيش " - مواد منشطة " مثل الهيروين " - مواد مهلوسة  " مثل " حبوب الفيل الأزرق " .

فإن أساليب التخدير السياسي هي الأخرى وبالمثل تتفاوت آثارها ، بدءاً من الآثار المثبطة التي تؤسس للاسترخاء والركود والميوعة السياسية ، مروراً بالآثار المنشطة التي تحفز  على التلون والتذبذب السياسي ، وصولاً إلى الآثار المهلوسة التي تفجر ضلالات وأوهام الاستقرار الكاذب ، وانتهاءاً بفتح الباب لغسل أموال بارونات المخدرات السياسية في العواصم العالمية لابتزاز وشراء الشرعية الدولية .

وللأسف ، رغم خطورة مضاعفات التخدير السياسي باعتبارها تغلق الباب أمام موجبات التغيير السياسي . إلا أنه لا توجد برامج للعلاج من إدمان المخدرات السياسية ، ولا توجد قوانين لعقاب طباخيها ومروجيها . 

ولذلك لا سبيل لمواجهة التخدير السياسي إلا من خلال يقظة التيارات السياسية المعارضة والنخب الفكرية الرائدة ، لكي تقوم بدورها في ممارسة الكشف والفضح لهذه الأساليب ولا تستسلم لمضاعفاتها ، فتترسخ مناعة لدى المنتسبين لها سياسياً أو فكرياً ولدى الشرائح المختلفة من الشعب ، تحول دون دخولهم في دائرة المسطولين والشمامين والمهلوسين .. سياسياً .

وأما عن أية سلطة تجعل من أساليب التخدير السياسي الوسيلة والاداة المعتبرة لممارسة الحكم ، فمن المشروع سياسياً أن تُدرج في قوائم " المسجلين مخدرات سياسية " ، تحت عنوان : الاسم / سلطة .. والوصف / مزاجنجي .
*****


هناك تعليقان (2):