29 أكتوبر 2014

دائرة الإرهاب الملغومة واستراتيجية وتكتيكات وتشريعات المواجهة

د. محمد محفوظ .. يكتب : دائرة الإرهاب الملغومة وإستراتيجية وتكتيكات وتشريعات المواجهة
نشر بتاريخ 29 أكتوبر 2014

يضيف الحادث الإرهابى الذى وقع بسيناء يوم 24 أكتوبر 2014 ؛ تضحيات جديدة على طريق الحرب على الارهاب التى ستستمر مصر فى مواجهتها لفترة ليست بالقصيرة .
والواقع أن وصف المواجهة مع الإرهاب  بالحرب ليس من قبيل المبالغة أو التهويل لاستنهاض الهمم والعزم فى النفوس . وإنما هو وصف لمقتضى الحال فى مواجهة جماعات مسلحة تستهدف الجيش والشرطة والشعب ومؤسسات الدولة والمجتمع ؛ وتتلقى دعماً تمويلياً وتسليحياً وإعلامياً من دول ومنظمات خارجية ؛ وتعتنق أيدلوجية تكفيرية تسعى لتدمير النظام السياسى والاجتماعى والاقتصادى ـ الجاهلى من وجهة نظرهم ـ وإقامة إمارة متأسلمة تتبع دولة الخلافة الإسلامية العالمية المزعومة التى يسعون لإقامتها ؛ بعد أن أعلنت عن نفسها فى العراق وسوريا من خلال تنظيم داعش الإرهابى .
وبالتالى فإن منطق الحرب يقتضى التعامل مع معاركها المتتالية أوالمتباعدة ؛ المتوقعة أو المفاجئة بـ : ( إستراتيجية الأعصاب الباردة ) ؛ وعدم الانجرار لمنزلق ردود الأفعال الانفعالية التى قد تؤدى إلى تشتت الجهود وتفرق مساراتها وعدم بناء خبرات متراكمة ومؤثرة .
وتقتضى إستراتيجية الأعصاب الباردة الالتزام بالآتى :
ـ ضرورة تطبيق تكتيكات عسكرية وأمنية ملائمة على أرض المواجهة .
ـ وضرورة توفر تشريعات فاعلة ومستقرة تساند عمليات الرصد والتحرى أو جلسات التحقيقات والمحاكمات فيما بعد الضبط .
أولاً ـ تكتيكات المواجهة :
تمثل القاعدة المعلوماتية المتجددة وتقنيات الرصد المباشر الظهير الأمثل للنجاح فى إدارة إستراتيجية الأعصاب الباردة بكفاءة ؛ انطلاقاً من غزارة المعلومات التى تساهم فى تقديم صورة واضحة عن حدود مسرح العمليلت وقدرات المجموعات الإرهابية .
ولذلك يصبح من المهم الاعتماد ـ فى منطقة الشريط الحدودى مع غزة والمناطق المتاخمة له ـ على تقنيات الرصد الفضائى من خلال الأقمار الصناعية لمراقبة التحركات والأنشطة الإرهابية عن بعد وعلى مدار الساعة ؛ بما يضمن توفير خريطة واضحة لأوكار المجموعات الإرهابية . ويبرز فى هذا الشأن القمر الصناعى إيجيبت سات 2 الذى تم اطلاقه فى 16 ابريل 2014 بغرض القيام بمهام الاستشعار عن بعد ؛ والذى ينبغى أن يتم تخصيص جانباً من أنشطته للمهام العسكرية لرصد تلك المنطقة الملتهبة من أرض سيناء .
كما يصبح من المهم أيضاً الاعتماد على تقنية الطائرات بدون طيار ؛ للدفع بها لقصف المجموعات الإرهابية التى تم رصدها فضائياً ؛ بما يضمن عدم وقوع خسائر بشرية فى حال استهداف الطائرة بصواريخ مضادة .
ومن ثم فإن التزاوج ما بين الرصد الفضائى والقصف الجوى بالطائرات الموجهة هو أمر يوفر سيطرة جوية تسمح بالمواجهة غير المباشرة مع المجموعات الإرهابية ؛ ويقلص من الخسائر البشرية التى قد تقع عند الاعتماد على طائرات الأباتشى التى يمكن استهدافها صاروخياً ؛ أو الاعتماد على المواجهة بالقوات البرية .
أيضاً تقدم التكنولجيا الحلول التى يمكن من خلال الاعتماد عليها تأمين الكمائن والمنشأت المتواجدة على طول مسرح العمليات .
ولذلك لابد من الاعتماد على منظومة متكاملة من كاميرات المراقبة التى توفر رؤية بانورامية شاملة للنطاق المحيط بتلك الكمائن والمنشآت والوحدات العسكرية أو الشرطية . كما ينبغى توفير نطاق آمن حول تلك الأماكن المستهدفة من خلال إحاطتها بحواجز خرسانية تتحدد دائرتها وفقاً للقدرات التفجيرية المتوقعة ؛ والاعتماد على روبوتات وتجهيزات بدون أفراد لكشف المتفجرات توضع عند رأس النطاق الخارجي لتلك النطاقات الآمنة ؛ يتبعها ممر متعرج ( زجزاج ) لتعويق أى عمليات اقتحامية بسيارات مفخخة .
ولكن ينبغى أن يترافق مع الاعتماد على التكنولوجيا ؛ ضرورة وضع معايير فائقة الصرامة لاختيار العناصر البشرية القتالية التى تتواجد على أرض المواجهة . وربما يوضح حادث سيناء الأخير بأن الاعتماد الكبير على المجندين فى مناطق انتشار المجموعات الإرهابية ؛ هو أمر ينبغى مراجعته ؛ واستبداله بالاعتماد على عناصر مدربة على تكتيكات مكافحة الإرهاب ؛ من ضمن ضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة .
إذن فإن الرصد والاستطلاع الفضائى والطائرات بدون طيار فى الجو ؛ وشبكة الكاميرات والروبوتات وتجهيزات كشف المتفجرات والنطاقات الآمنة والحواجز المتعرجة على الأرض .. بالتزاوج مع ما تم الإعلان عنه من إمكانية إقامة منطقة عازلة على الحدود مع غزة وبناء سور عازل بعمق كبير فى الأرض ؛ كل تلك الإجراءات تمثل التكتيكات التى تدعم المهام القتالية على الأرض ؛ بشرط أن يتم الاعتماد على عناصر مدربة على تكتيكات مكافحة الارهاب من الضباط والأفراد دون غيرهم .
ثانياً ـ تشريعات المواجهة :
أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى ؛ عقب الحادث الارهابى الأخير بسيناء ؛ قراراً بقانون بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية ، يخول بموجبه للقوات المسلحة مشاركة جهاز الشرطة فى حماية وتأمين المنشآت العامة والحيوية بالدولة، ويسرى هذا القرار لمدة عامين ، وتحال الجرائم التى ترتكب ضد هذه المنشآت إلى النيابة العسكرية توطئةً لعرضها على القضاء العسكرى للبت فيها. والمقصود بالمنشآت العامة والحيوية للدولة ( محطات وشبكات وأبراج الكهرباء وخطوط الغاز وحقول البترول وخطوط السكك الحديدية وشبكات الطرق والكبارى، وغيرها من المنشآت الحيوية والمرافق والممتلكات العامة، وما فى حكمها ) . بحيث تصبح هذه المنشآت الحيوية فى حكم المنشآت العسكرية طوال فترة تأمينها وحمايتها بمشاركة القوات المسلحة، والتى ستمتد لمدة عامين من تاريخ إصدار القرار .
وربما تحتاج الفترة الراهنة بتداعياتها الإرهابية العصيبة إلى مساندة القوات المسلحة للشرطة فى مهمة حماية المنشآت والمرافق ؛ ولكن تصوير الأمر بأن الفيصل فى وأد الارهاب سيتحقق بمجرد إحالة جرائمه إلى القضاء العسكرى ؛ هو أمر قد يسئ للقضاء العسكرى من خلال تصويره باعتباره قضاء التنكيل والعقوبات المغلظة والمشددة ؛ وقضاء الفصل السريع فى القضايا بدون تدقيق أو تمحيص أو كفالة لحقوق المتهمين .
والواقع أن سرعة القضاء العسكرى فى الفصل فى القضايا نظراً لمحدودية عدد القضايا التى ينظرها قياساً بالقضاء المدنى هى مسألة نسبية ؛ لأن إثقال كاهل القضاء العسكرى بعشرات آلاف القضايا التى لم تكن تدخل فى اختصاصه أصلاً نتيجة القرار بقانون السابق الإشارة إليه ؛ سيؤدى به إلى الدخول فى نفس المتاهة الزمنية الممتدة التى يعانى منها القضاء المدنى المصرى .
علاوة على أن القضاء العسكرى لم يعد قضاء الدرجة الواحدة كما هو سائد لدى الرأى العام ؛ بل أصبح اعتباراً من التعديلات التى دخلت على قانونه عام 2007 قضاء الدرجتين . حيث تنص المادتين رقمى 43 و 43 مكرر من قانون القضاء العسكرى على إنشاء ( المحكمة العليا للطعون العسكرية ) التى تختص دون غيرها بنظر الطعون المقدمة من النيابة العسكرية أو من المحكوم عليه فى الأحكام النهائية التى تصدرها كافة المحاكم العسكرية فى جرائم القانون العام على العسكريين أو المدنيين ؛ وتسرى على هذه الطعون القواعد والإجراءات الخاصة بالطعن بالنقض فى المواد الجنائية المنصوص عليها فى القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض وذلك فيما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون وتكون أحكامها باتة دون حاجة لأي إجراء . كما تختص هذه المحكمة دون غيرها بنظر طلبات إعادة النظر التى تقدم فى أحكام المحاكم العسكريةٌ الصادرة فى جرائم القانون العام وذلك طبقا للقواعد والإجراءات الخاصة بطلب إعادة النظر المنصوص عليها فى قانون الإجراءات الجنائية .
وبالتالى فإن السؤال المزمن الذى طال انتظار إجابته هو : لماذا مازالت يد الحكومة مربوطة فيما يتعلق بإصدار قانون لمكافحة الإرهاب ؟ وخصوصاً بعد أن حكمت المحكمة الدستورية العليا فى 2 يونيو 2013م بعدم دستورية ما تضمنه البند 1 من المادة رقم 3 من قانون الطوارئ ؛ من تخويل رئيس الجمهورية الترخيص بالقبض والاعتقال، وبتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية .
مما يوضح بأن المحكمة الدستورية العليا قد غلت يد الأجهزة الأمنية أثناء إعلان حالة الطوارئ عن القيام بأى عمليات اعتقال مطلقاً ؛ أو أى عميات قبض وتفتيش للأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية ؛ باعتبار أن ذلك يتناقض مع أحكام الدستور .
وبالتالى فإن إعلان حالة الطوارئ فى المربع الذى تم تحديده فى شمال سيناء لن يسمح للسلطات العسكرية أو الشرطية باعتقال أى مشتبه فيه بجرائم إرهابية ؛ أو بالقبض أو التفتيش للأشخاص والأماكن دون التقيد بضوابط قانون الإجراءات الجنائية . الأمر الذى يضع أجهزة الأمن والقوات المسلحة فى مأزق ؛ فكيف يمكنها مواجهة مجموعات إرهابية تعتنق عقيدة انتحارية بدون أن يوجد قانون يوفر لها إجراءات استثنائية تتيح لها القدرة على اتخاذ تدابير احترازية لمنع الجرائم الإرهابية قبل وقوعها . لاسيما وأن هذا الأمر معمول به فى كل الدول الديمقراطية ؛ حيث تمتلك أمريكا وروسيا والدول الأوربية وعدد كبير من دول العالم قوانين لمكافحة الإرهاب تتيح للأجهزة الأمنية سلطات إستثنائية خارج الإطار العادى لقوانين الإجراءات الجنائية .   
وللأسف ليس صحيحاً ما يردده بعض القانونيين من أن المادة رقم 86 من قانون العقوبات الخاصة بتعريف الجريمة الإرهابية وما يتلوها من مواد عقابية ؛ توفر حلاً قانونياً كافياً لمكافحة الإرهاب ؛ وذلك لأن المادة المشار إليها وما يرتبط بها من مواد ؛ اكتفت فقط بإنشاء إطار عقابي للجريمة الإرهابية ؛ بينما يخلو قانون الإجراءات الجنائية من أى إجراءات للاستدلال والتحقيق تتناسب مع الطبيعة الخاصة لتلك الجريمة ؛ بما يجعل السياسة التى تحكم مواجهة الإرهاب تقوم على رد الفعل تجاه الجرائم التى تقع ؛ وليس المواجهة الاستباقية لمنع الجرائم الإرهابية قبل وقوعها .
إذن وللمرة المليون ؛ نحن فى حاجة إلى قانون لمكافحة الإرهاب ؛ يعطى أجهزة الأمن القدرة على اتخاذ تدابير احترازية فى مجالات الاعتقال والمراقبة والتنصت والتفتيش دون التقيد بضوابط قانون الإجراءات الجنائية عند مواجهة الجرائم الارهابية . كما ينبغى أن ينظم هذا القانون كيفية إعلان الدولة لقوائم بالمنظمات الإرهابية والمنظمات والدول والشخصيات الراعية للإرهاب . كما ينص على منع كل المشتبه فيهم بالتورط فى الإرهاب من مباشرة كافة الحقوق السياسية .
ولقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية وهى دولة عملاقة من حيث المساحة واتساع نطاق المصالح المستهدفة لها على مستوى الداخل والخارج ؛ من التصدى بقوة للمخاطر الإرهابية المحتملة عقب أحداث 11 سبتمبر 2001م ؛ نتيجة إصدار الكونجرس لقانون ( باتريوت ) لمكافحة الإرهاب ؛ ونتيجة إفتتاح معتقل أو معسكر احتجاز جوانتانامو ؛ ونتيجة الصلاحية التى يوفرها القانون لوزارة الخارجية فى إدراج المنظمات والدول والأفراد المشتبه فى علاقتهم بالإرهاب على قوائم المنظمات الارهابية أو الراعية للإرهاب لمدة سنتين قابلتين للتجديد ؛ على أن يقوم الكونجرس بمراجعة المبررات التى استندت لها الوزارة فى ذلك ؛ كما تقوم المحاكم بالرقابة القضائية على تلك القرارات لإلغائها أو إقرار نفاذها .
وبالتالى فإن المساندة التشريعية للحرب على الإرهاب لن تصبح ناجحة إلا بإصدار قانون خاص لمكافحة الإرهاب ؛ يقنن عمليات الرصد والتحرى والاعتقال وينظم إجراءات جلسات التحقيقات والمحاكمات فيما بعد الضبط .
الجانب الثانى من المواجهة التشريعية يتمثل فى ضرورة تفعيل بعض التشريعات القائمة ؛ لتجفيف منابع دعم الإرهاب تمويليا أو تسليحيا أو إعلامياً .
وبالتالى فإن الأسئلة الملحة التى تطرح نفسها فى هذا المجال تتمثل فى الآتى :
ـ لماذا لم يتم وقف بث قنوات الجزيرة على النايل سات ؛ رغم ارتكاب تلك القنوات لجرائم تحريضية واضحة ضد الشعب المصرى وكافة مؤسساته السيادية ( جيش وشرطة وقضاء ) ؟!
ـ ولماذا لم يتم طرد الدبلوماسيين الأتراك والقطريين المتورطين فى تقديم الدعم المالى والتسليحى لجماعات الإرهاب فى مصر ؟!
ـ ولماذا لم يتم حل الأحزاب التى تنتمى لأيدلوجية الإسلام السياسى ؛ باعتبارها خلايا نائمة تنتظر الوقت المناسب لترويع المجتمع بإرهابها ؟!
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
إن إستراتيجية الأعصاب الباردة المعتمدة على التكتيكات القائمة على التكنولجيا الفائقة والتحصينات الحامية والكوادر المدربة ؛ والمستندة إلى ظهير تشريعى يوفر المواجهة الاستباقية للإرهاب والمحاكمات الناجزة لجرائمه ؛ هى القبة الحديدية التى يمكن أن تحاصر الإرهاب فى الأرض والجو ؛ ومن ثم تؤدى إلى تصفية كوادره وتجفيف منابعه .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق