13 أكتوبر 2016

د. محمد محفوظ يكتب : منقوع السياسة .. لمنزوعي السياسة

.. ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا ..
سورة آل عمران - الآية ١٨٨

رغم أن السياسة  قد تبدو كلمة مألوفة ودارجة في إشارتها إلى السلطة والحكم .
إلا أنها تبدو مستغلقة وغامضة وحمالة أوجه وأقنعة .. عند إشارتها لكل من :
- مهام السلطة والحكم .
- كيفية ممارسة مهام السلطة والحكم .
- الأخلاقيات المُساندة لممارسة مهام السلطة والحكم .

فالمهام السياسية ، والممارسات السياسية ، والأخلاقيات السياسية ، هي العناوين العريضة في كتاب السياسة ؛ التي تتفرع من تحتها عناوين فرعية لازمة وواجبة .

ولكن البعض يتعامل مع السياسة باعتبارها : نجاسة وخباثة ، أتامة وغلاسة ، مرقعة في بعض الأحيان ومياصة ، بلطجة ونخاسة ، قراقوشية ميكافيلية هتلرية موسولينية ستالينية دستورها الأسود الترخص والتدني والشراسة .

وأولئك البعض والعياذ بالله هم : منزوعو السياسة .

ويعاني منزوعو السياسة من مرض نزع السياسة المكتسب ، فيما يمكن الاصطلاح عليه تجاوزاً بـ : الأيدز السياسي . ولذلك هم ينشرون العدوى في أي مجتمع يشاء له حظه العاثر أن يتسلطوا عليه أو يحكموه ، فيتولوا تجريف تربته وتبوير أرضه من لازمة ينبغي أن تكون ماثلة وشاخصة هي :  السياسية .

ومنزوعو السياسة فئة يتناسب وجودها عكسياً في أي مجتمع مع درجة التطور الديمقراطي ، حيث تزداد نسبتهم كلما بغت الدولة واستبدت وتجبرت ، بينما يندر وجودهم كلما دمقرطت الدولة وعدلت وترشدت .

ويرى منزوعو السياسة أن السياسة ليست مهنة تحتاج إلى موهبة واستعداد أولاً ، ثم إعداد وتأهيل وتدريب ثانياً ،  وإنما هي مجرد نشاط جانبي يضاف للمهنة الأصلية والوظيفة الأساسية . 

ولذلك ، بينما تبدو " المهام السياسية " بالنسبة لمنزوعي السياسة مجرد مسالة تسيير أعمال وتوقيع أوراق ، أو مراسم وبروتوكولات ، أو افتتاحات وقص شرائط وتشريفات ، أو افتكاسات وشطحات لإثبات الذات والتكويش على كل السلطات.

فإن " الممارسات السياسية " هي - وفقاً لمنطق منزوعي السياسة - مجرد تفتيح مخ وفهلوة ، وحيل شيطانية ، ومقصات حرامية .

في حين يتعامل منزوعو السياسة مع " الأخلاقيات السياسية " باعتبارها سذاجة ومثالية ، يمكن استخدامها كشعارات لاتغادر الميكروفونات أو اللافتات ، ولا مجال لتطبيقها في الساحة العملية .

ولذلك يتشرف منزوعو السياسة بالمناصب السياسية ومخصصاتها وامتيازاتها ، بينما تشقى وتتجرس بهم هذه المناصب لغياب أعباءها ومسئولياتها عن عقولهم وأذهانهم وأدمغتهم .

فالمناصب السياسية بالنسبة لمنزوعي السياسة أشبه بمكافأة نهاية الخدمة في المسيرة الوظيفية ، أو مثل الوسام أو النيشان يتم تعليق أي منهما على الجدار أو الجاكت كمسوغ لنيل التوقير والاحترام ، أو وسيلة لكسب النفوذ والقوة والسيطرة ، بل وربما البلطجة ولكن من تحت أردية الدولة وبموجب مستنداتها الرسمية .

وتُعتبر الأحزاب هي مصانع إنتاج السياسة ، ومراكز إعداد وتأهيل وتجريب السياسيين ودفعهم للحياة العامة .

وأينما توجد الأحزاب الراسخة أو الأحزاب البازغة بقوة الأصوات الانتخابية وليس بمؤامرات واختراقات الأجهزة السرية ؛ فإن السياسة لا تغيب شمسها ولا تنطفئ نيرانها.

وحيثما تغيب الأحزاب أو تحاصرها قيود الاستبداد والديكتاتورية ، أو تعبث بمقدراتها ألاعيب الديمقراطية الصورية الشكلية ، فإن السياسة تفقد قوتها وتأثيرها وتفسد رائحتها ويتغير طعمها .

ويترعرع منزوعو السياسة كحشائش ضارة أو نباتات متسلقة أو آفات مهلكة في أرض المجتمع الذي غيبوا عنه الساسة والسياسة . فيتحدثون تحت لافتة السياسة وهم لا يعرفون لغتها ، ويمارسون صلاحياتها وسلطاتها بينما تغيب عنهم أعباؤها ومسئولياتها .

ولكن ، إذا كان ما سبق هو وصف وكسم ورسم منزوعي السياسة .

فما هي إذن .. مهام وممارسات وأخلاقيات السياسة ؟؟

تتلخص " المهام السياسية " في رباعية خالدة تتمثل في : 
- " الإدارة " .
- " التنظيم " .
- " الرعاية " .
- " الحماية " .

بينما تتوزع " الممارسات السياسية " في صورة ثنائية شائكة تتمثل في : 
- " الرؤية " .
- " البرنامج " .

في حين تنقسم " الأخلاقيات السياسية " إلى مزدوجين مربكين يتمثلا في :
- " المصلحة في مقابل الولاء " . 
- " المسئولية في مقابل الانتهازية " .

ولنستعرض ذلك بشيء من التفصيل غير الممل ، وقدر من التلخيص غير المخل .

أولاً - المهام السياسية : 
رغم أن " المهام السياسية " تبدو كأركان ثابتة ومستقرة في جسد الدولة سواء أكانت قديمة أم معاصرة ، إلا أن تعقد المجتمعات الحديثة وزيادة درجة التشابك وسهولة الاتصال والتواصل بين مناطقها وسكانها ؛ كل ذلك قد جسم هذه المهام وأكد على ضرورة التكامل والتوازن فيما بينها ، والتزام أقصى درجات الكفاءة المتاحة في القيام بسلطاتها ومسئولياتها . 

وتتلخص " المهام السياسية " في الآتي :

- إدارة الأصول والموارد الوطنية : 
حيث تعني الأصول والموارد الموجودات التي تمتلكها الدولة نيابة عن الشعب . وبينما تشير الأصول إلى الثروات المتولدة عن الأنشطة الإنسانية ، فإن الموارد تشير إلى الثروات المكتسبة من الخصائص الجغرافية والجيولوجية والبيولوجية .. إلخ  .

- تنظيم المجتمعات المحلية : 
يبدو التنظيم صفة ملازمة للمجتمعات الإنسانية . لذلك يحتاج المجتمع إلى إمدادات المياه والطاقة والغذاء ، والقانون والنظم ، والأمن والعدالة ، والصحة والتعليم ، والاتصالات والطرق والنقل البري والبحري والجوي ، والأسواق ، ودور العبادة ، والتراخيص والضرائب والرسوم .. إلخ .

- رعاية المصالح على المستويات الإقليمية والدولية : 
بينما تقف سيادة الدولة عند حدودها البرية ومياهها الإقليمية والاقتصادية ومجالها الجوي . فإن مصالحها تمتد لكل نطاق الكرة الأرضية . بما يقتضي ضرورة رعاية هذه المصالح من خلال البعثات الدبلوماسية بالقنصليات والسفارات والمكاتب التجارية .. إلخ .

- حماية الأمن القومي والأجواء والحدود والسواحل والمياه الإقليمية : 
وذلك من خلال القوات المسلحة أو أجهزة الاستخبارات وجمع المعلومات . وكل هذه القوات والأجهزة - عسكرية كانت أم أمنية - تخضع للساسة باعتبار مجال عملها من مهام السياسة ، بحسبان أن السياسة هي التي تمتلك زمام توجيهها والتحكم في قوتها وبأسها .

ثانياً - ممارسة المهام السياسية :

تتم ممارسة المهام السياسية من خلال " الرؤية السياسية " التي تفضي إلى " البرنامج السياسي " ، فالعمل السياسي لا ينطلق لأرض الواقع إلا من خلال رؤية سياسية ينتج عنها برنامج سياسي . 

وبينما تعني الرؤية السياسية : إدراك الحقائق الكائنة على الأرض ؛ فإن البرنامج السياسى يعني : تطوير هذه الحقائق الكائنة على الأرض أو إنشاء حقائق جديدة على ذات الأرض . 

وبالتالي ؛ فحيثما تغيب الرؤية السياسية نتيجة عدم القدرة على أو الرغبة في إدراك الحقائق ، فإن البرنامج السياسي يصبح نبتاً شيطانياً مفارقاً للواقع ومعاكساً للمستقبل .

ثالثاً - الأخلاقيات المُساندة لممارسة المهام السياسية :

المزدوج الأخلاقي الأول - المصلحة السياسية في مقابل الولاء السياسي : فالواقع يثبت بأنه لا توجد فى دائرة الفعل السياسي صداقات دائمة أو عداءات دائمة ؛ وإنما صداقات مرحلية وعداءات مرحلية . فحيثما تكون المصلحة الوطنية وليس الشخصية أو الحزبية يكون الولاء ؛ فالمصلحة فى المنظور السياسي هي الإستراتيجية ؛ بينما الولاء هو التكتيك . 
ولهذا ، فإن الإدارة السياسية للمصالح الوطنية تقرر بأن : عدو الأمس يمكن أن يكون صديق اليوم ، وصديق اليوم يمكن أن يكون عدو الغد .

المزدوج الأخلاقي الثاني - المسئولية السياسية في مقابل الانتهازية السياسية : 
فبينما تعني المسئولية السياسية القدرة على تعطيل أو تفعيل البرنامج السياسي بما يلبي المصالح الوطنية أو الإقليمية أو العالمية في فترة تاريخية معينة . 
فإن الانتهازية السياسية تعني القدرة على تعطيل أو تفعيل البرنامج السياسي بما يلبي المصالح الحزبية أو الأيدلوجية الضيقة . 
ولذلك ، كلما لم يتفاعل البرنامج السياسي مع المصلحة الوطنية في ظل المراحل التاريخية الدقيقة ؛ فإنه يفتقر إلى " المسئولية السياسية " ويسقط في خطيئة " الانتهازية السياسية " .

..........

ولعل ما سبق عرضه من : مهام السياسة ، وكيفية ممارستها ، والأخلاقيات المساندة لها ، يوضح بأن الفشل الملازم لمنزوعي السياسة في القيام بالمهام السياسية ؛ هو نتيجة طبيعية مترتبة على عدم امتلاكهم الاستعداد لكيفية ممارسة هذه المهام ، ناهيك عن افتقارهم إلى الأخلاقيات المساندة لهذه الممارسة .

فغياب الرؤية السياسية ينفي إمكانية وجود برنامج سياسي بما يجعل المهام السياسية مفرغة من مضمونها وتضل الطريق إلى كفائتها وانضباطها . 

ففي الدول التي يحكمها منزوعو السياسة تتحول الإدارة إلى إهدار وتبديد ، والتنظيم إلى فوضوية وعشوائية ، والرعاية إلى تهاون وتفريط ، والحماية إلى وصاية واستعراض للقوة لحراسة النظام ليس إلا .

ولعل .. إهدار الموارد وتبديد الأصول الوطنية .

وعشوائية وفوضوية المجتمعات المحلية .

والتفريط في أو التهاون بشأن المصالح الوطنية بكافة مستوياتها الإقليمية والدولية .

والوصاية على الأمن القومي وتوظيفه لحماية النظام ومصالحه الذاتية .

لعل كل ماسبق من انحراف بالمهام السياسية عن مقاصدها الطبيعية ، يصبح هو العنوان الأوحد لسيطرة منزوعي السياسة على دوائر ومقاعد السلطة والمسئولية. 

وفي ظل هذا الانحراف ، تصبح الأخلاقيات المساندة لممارسة المهام السياسية معطلة . 

فمع غياب أي منظور واضح للمصلحة الوطنية تصبح العداءات أو الولاءات منقادة للانحيازات الشخصية أو الذاتية أو الحزبية الضيقة ، ومن ثم يتوارى الالتزام بالمسئولية السياسية ويتصدر المشهد اللاسياسي دناءات الانتهازية السياسية .

ولعل ما سبق بيانه من مآل تؤول إليه السياسة عندما يتقلد منزوعو السياسة مقاليد الأمور والأحوال . لعل ذلك يؤشر على ضرورة أن يكون منزوعو السياسية من ضمن المخاطبين بهذا المقال . 

ولكن نظراً لأن منزوعي السياسة لا يقرأون ، وإذا قرأوا أو حتى سمعوا لا يفهمون ، وإذا فهموا لا يلتزمون . فلا مهرب إذن من التضحية بالمقال والسماح بالتعاطي مع مضمونه عن طريق " النقع " .

نعم النقع في لتر ماء ، واستخدامه عقب ذلك كدواء ، يمكن التداوي به على جرعات ، لترسيب جزيئات السياسة في أدمغة وعقول منزوعي السياسة ، عسى أن يتعافوا من مرض نزع السياسة المكتسب " الأيدز السياسي " .

علماً بأن منقوع السياسة ؛ محظور تداوله في صورة لبوس أو أقراص أو كبسولات أو بخاخات أو حقن في العضل والوريد .

منقوع السياسة متوفر فقط كمحلول في العبوات الآتية :  
غرغرة أو مضمضة للفم .
قطرة للعينين أو الأنف أو الأذنين .
كمادات لجميع أجزاء الجسم من الجبهة حتى كعبي القدمين .

وهو مناسب لجميع فئات منزوعي السياسة البالغين ، من نواب الشعب المنتخبين أو المعينين ، ومن الغفير وحتى الوزير ، ورئيس الوزير ، ورئيس رئيس الوزير .

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق