14 مايو 2018

بعد مرور ٧٠ عاما .. من الذى ضيَّع الحق الفلسطينى .. ؟

دكتور/ محمد محفوظ يكتب : بعد مرور ٧٠ عاما .. من الذى ضيَّع الحق الفلسطينى .. ؟

- التضحية بالحق القانوني على مذبح الحق الأخلاقي .
المحيط العربي .
- الانتماء الإسلامي و القومي .
- سيكولوجية الافتتان بالكارثة .

يظل السؤال الحائر معلقاً بلا إجابة فى عنق القضية الفلسطينية المزمنة لتتردد أصداؤه فى جنبات منطقة الشرق الأوسط و العالم : من الذى ضيع الحق الفلسطيني ؟

سبعون عاماً و مازال الحق الفلسطيني يحتل مكانه داخل أقسام العناية المركزة بكل مستشفيات العالم , وكلما لاح فى الأفق إمكانية لنزع جهاز التنفس الصناعي , والخروج من العناية المركزة إلى غرفة عادية , تمهيداً للتماثل للشفاء ومغادرة المستشفى , تنتكس الحالة ويتم وضعها على جهاز التنفس الصناعي مرة أخرى ..... فتُرى من الذى ضيع الحق الفلسطيني ؟

أولاً : طالما نعيش فى العالم , فيجب أن تكون الشرعية الدولية هى المرجعية التى تحكم توجهاتنا جميعاً , لأن الجماعة البشرية لا يمكن أن تعيش إلا فى ظل نظام سواء على مستوى الدولة الواحدة أو المجتمع الدولي ( العالم ) . وللأسف قد تقودنا الكثير من الأحداث والوقائع إلى الارتياب فى جدوى تلك الشرعية الدولية التى يتم انتهاكها كثيرا , بحيث يصبح الاحتكام إليها كمرجعية هو أمر مشكوك فيه . ولكن يحضرني هنا قول الدكتور جمال حمدان فى كتابه : إستراتيجية الاستعمار والتحرير .. الذى يقول فيه : الحق هو الاسم الرومانسي للقوة بينما القوة هي الاسم العلمي للحق . وفى العالم الحقيقي الذى نعيش فيه يجب أن نقبل بحقيقة أن القوة كثيرا ما تلتبس بالحق , والحق وحده لا يؤسس لتغيير الواقع , بل لابد من قوة رشيدة تقف خلف هذا الحق , ولو غابت هذه القوة فإن المرونة السياسية هى السبيل لاستخلاص أقصى ما هو متاح من ذلك الحق . و للأسف هذا هو حال الدنيا , قد تكون الحقوق فيها مؤجلة إلى حين , أو لا تستوفى إلا فى الحياة الآخرة . ومن لا يقبل بهذا يناطح الواقع ويناقض بديهيات الإيمان .
كانت هذه مقدمة لا بد منها للدخول للأبعاد التاريخية والإيمانية للصراع العربى الإسرائيلي , الذى لو تم استبعاد البعد التاريخي منه , فإنه يصل بنا إلى نتائج منقطعة تماماً عن المقدمات . ولو تم استبعاد البعد الإيماني ( الإيماني و ليس الإسلامي ) , فإنه يبدأ من مقدمات لا تقود إلى نهايات .

ثانياً : أليست الدول فى سبيل إنشاء الطرق والترع والسدود .. إلخ , تقوم بنزع ملكية الممتلكات الخاصة من أجل المنفعة العامة , مع الالتزام بالتعويض المناسب عما تم نزع ملكيته . هكذا أيضاً الأمر على المستوى العالمي , اتفقت الدول من خلال الأمم المتحدة - رمز الشرعية الدولية - على تقسيم فلسطين إلى دولتين , دولة إسرائيل لتضم اليهود ومن يريد البقاء أو العودة من الفلسطينيين , ودولة فلسطين لتضم الفلسطينيين ومن رفض منهم البقاء فى إسرائيل , مع الالتزام بتعويضهم بالتعويض المناسب . وتمثل هذا فى قرار التقسيم الذى صدر عام ١٩٤٧ ليقسم دولة فلسطين إلى دولتين , مع وضع ترتيبات خاصة للمنطقة المسماة بالبلدة المقدسة التى تضم الآثار الدينية المقدسة للأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام . ونصت هذه الترتيبات أن تكون البلدة القديمة تحت الإدارة الدولية للأمم المتحدة ( أى لا تخضع لإدارة إسرائيل أو فلسطين ) . كانت هذه إذن توجهات الشرعية الدولية التى صاغتها الأمم المتحدة فى صورة قرار كان الهدف منه حل المشكلة المزمنة لليهود على مستوى العالم , خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى والثانية , وما ظهر من مشكلة تواجد اليهود فى المجتمعات الأوربية , ونمو مشاعر الكراهية ضدهم انطلاقاً من النظرة المسيحية التى تراهم قتلة المسيح , وانطلاقاً  من الطبيعة المنغلقة للديانة اليهودية التى تجعل اليهود لا يذوبوا فى المجتمعات التى يقيمون فيها , مع شعور دينى بالتفوق باعتبارهم أصحاب الديانة الأولى .

ثالثاً : أصدرت الشرعية الدولية القرار من منطلق القوة لحل مشكلة رآها العالم الغربى بمثابة مشكلة مزمنة تحتاج لحل غير تقليدى . ورغم أن اليهودية كانت قد انتشرت فى العالم كديانة عالمية لا موطن جغرافي لها , باعتبار أن موطن الديانات هو العقول والقلوب , إلا أن بقاء اليهود فى أوربا كان قد أصبح كارثياً بعد محارق النازية . وكان المكان الملائم تاريخياً  من وجهة النظر الدولية هو فلسطين التى تواجد فيها تاريخياً شعب بني إسرائيل بأنبيائه وملوكه .

رابعاً : رفض العرب قرارات الشرعية الدولية من وجهة النظر الأخلاقية , بينما ارتضتها دول أخرى فى العالم من وجهة النظر القانونية . وهنا يعود إلى المشهد قول ( جمال حمدان ) عن الحق والقوة . رأى العرب أن معهم الحق الأخلاقي فتحدوا قرار الشرعية الدولية بالقوة , ولكنها كانت قوة عاجزة انهزمت هزيمة مفجعة إمام دولة صغيرة ناشئة . كما رفض العرب رغم الهزيمة تنفيذ قرار التقسيم , وبالتالي تم إنشاء دولة إسرائيل ولم يتم إنشاء دولة فلسطين , لأن العرب رأوا أن إنشاءها بمثابة اعتراف ضمني بدولة إسرائيل , وهكذا أضاع العرب الحق القانونى فى إنشاء الدولة الفلسطينية تحت وطأة الإيمان بالحق الأخلاقي .. وكانت سياسة التضحية بالحق القانوني على مذبح الحق الأخلاقي هى الخطوة الأولى فى طريق ضياع الحق الفلسطيني .

خامساً : نتيجة الصبغة الدينية التى أُنشئت بها دولة إسرائيل باعتبارها وطن قومي لأصحاب ديانة معينة , فٌتح الباب للأبعاد الدينية لكي تتدخل فى الصراع , وتلقفت حركة الإخوان المسلمين اللجام لكى تدير الصراع إدارة دينية تدعو للجهاد ضد اليهود  قتلة الأنبياء ومغتصبي الأوطان . وتحول الأمر إلى حرب دينية مقدسة هدفها طرد اليهود من الأرض التى تضم أولى القبلتين وثالث الحرمين . وأدت إثارة المشاعر الدينية المتأججة إلى خروج الصراع من دائرة العقلانية السياسية إلى متاهات التعصب الديني والقومى , وتلقف اليسار والقوميون العرب بالإضافة للإسلاميين دفة الصراع . وهكذا كان الانتماء الاسلامي والقومي الخطوة الثانية فى طريق ضياع الحق الفلسطيني .

سادساً : انغلقت حلقة محكمة من العداء حول دولة إسرائيل من كافة الجيران العرب المحيطين بها , وبدلاً من عودة الفلسطينيين اللاجئين إلى إسرائيل أو فلسطين , أرغمهم التوجه العربي على البقاء فى مخيماتهم بالدول العربية باعتبارهم لاجئين حتى يظلوا صداع إنساني مؤرق فى رأس العالم . وأخطأ ( جمال عبد الناصر ) الخطأ التاريخي الذى أعطى إسرائيل المبرر لكي تحتل عام ١٩٦٧م الأراضي الفلسطينية والأردنية و المصرية والسورية المجاورة , لكي تستخدمها كأراضى محروقة لمحاربة المحيط المعادي الذي يرفض وجودها ويريد إلقاءها فى البحر , وذلك بدلاً من أن تحاربهم داخل أرضها , ثم لكى تستخدمها فيما بعد كورقة للتفاوض مع هذه الدول المحيطة , فتستبدل الأرض بالسلام كما نص القرار ٢٤٢ الصادر من الأمم المتحدة . وهكذا كان المحيط العربي المعادي هو الخطوة الثالثة فى طريق ضياع الحق الفلسطينى .

سابعاً : إذن ضاع الحق الفلسطيني نتيجة التضحية بالحق القانوني على مذبح الحق الأخلاقي , ونتيجة تحدي الحق القانوني بقوة عاجزة لم تحقق من شيء على أرض الواقع , إلا تثبيت الأوضاع القائمة عام ٤٨ م , أو خلق أوضاع جديدة فى صالح إسرائيل عام ٦٧م . ونتيجة المحيط العربي الذى ناصب إسرائيل العداء فأظهرها كدولة  محاطة بالعداوات وتكافح من أجل البقاء , ونتيجة الانتماء الإسلامي الذى كشف عن أن الأرض المقدسة هي محل للهيمنة الإسلامية فقط ولامكان لأي هيمنة دينية أخرى مسيحية أو يهودية عليها , مما أدى إلى انصراف التعاطف الديني المسيحي الغربي بعيداً عن تلك البارانويا الإسلامية التى لا تمتلك قوة تؤسس لتلك الهيمنة .

ثامناً : ولكن يبدو أن ثلاثية ضياع الحق الفلسطينى كانت تحتاج إلى ضلع رابع لكب يكتمل مربع الضياع حول هذا الصراع المزمن . وتمثل هذا  الضلع فى سيكولوجية الافتتان بالكارثة . وقد يبدو هذا التعبير السيكوسياسي مرادفاً لحالة الشخصية الماسوشية التى تستعذب الألم , ولعله فى الواقع كذلك , لاسيما وأن الماسوشية سيكولوجياً بمثابة اضطراب على المستوى الفردي , بينما الافتتان بالكارثة اضطراب على المستوى الجماعي , وتتجلى سيكولوجية الافتتان بالكارثة عندما يتحول النضال فى مخيلة أية جماعة من مجرد وسيلة إلى هدف فى حد ذاته . فأية جماعة مناضلة تعتبر النضال بمثابة وسيلة لتحقيق التحرير أو الاستقلال أو التحول الديمقراطي .. إلخ , ولكن عندما يتحول النضال إلى هدف فى حد ذاته , وتغيب الغاية منه ليصبح هو  فى حد ذاته الغاية , فإن الأمر يبدو كمباراة صفرية تحقيق النتائج فيها مستحيل والاستمرار فيها لا يعنى إلا المزيد من الألم و الهزيمة , حينئذ تبدو سيكولوجية الافتتان بالكارثة واضحة بلا مواربة . و لكن كيف يتم إدراك أن النضال تحول إلى هدف بدلاً من كونه وسيلة ؟ , يترسخ ذلك الإدراك عندما تصبح كل الوسائل المستخدمة فى هذا النضال عاجزة عن تحقيق أية نتيجة , وعندما تناقض الأهداف المأمولة كافة الحقائق المطروحة على أرض الواقع . أليس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نموذج توضح كافة تداعياته بأنه وصل إلى مرحلة الافتتان بالكارثة , وأن هذه السيكولوجية هى التى سيطرت على كافة توجهات الجماعات الفلسطينية المسلحة  , وبالتالى ضاع الهدف و بقيت الوسيلة تناطح المستحيل . ( ما يحدث فى غزة الآن مثال عملي تطبيقى شديد الوضوح ) .

تاسعاً : إذن الذى ضيع الحق الفلسطيني يتمثل فى كل من :

- التضحية بالحق القانوني على مذبح الحق الأخلاقي .

- المحيط العربي .

- الانتماء الإسلامي والقومب .

- سيكولوجية الافتتان بالكارثة .

أخيراً : بعد ٧٠ عاماً من الصراع , ماذا ينبغي أن نقول للفلسطينيين -  بدون شعارات - لكى يخرجوا من مربع ضياع الحق الفلسطيني .. فليسمحوا لي أن أقول لهم :

- انتهجوا سبيل الحق القانوني بعيداً عن الحق الأخلاقي , فالقوانين تعترف بالتقادم الذى يُسقط بعض الحقوق , وتعترف باستحالة التنفيذ لاعتبارات عملية , وتعترف بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية . والقوانين قد تخالف المنطق ولكنها تؤسس لشرعية واقعية . ولعل الكثير من القضايا العالقة فى مفاوضات الحل النهائي قد تجد لها حلاً لو تم انتهاج هذا السبيل .

- اتخذوا قراراتكم بمفردكم بعيداً عن المحيط العربي , وخوضوا مفاوضات منفردة مع إسرائيل بعيداً عن الضجيج العربي الذى لا ينتج عنه أى طحين , ولعل ٦٠ عاماً من المساندة العربية لم تحقق من شيء إلا الضياع .

- اخلعوا عن القضية ثوبها الإسلامي , فالغرب لن يحترم البارانويا الإسلامية التى تريد الهيمنة على الأرض المقدسة التى ضمت الأديان السماوية الثلاثة . البلدة المقدسة ينبغي أن تكون السيادة عليها للأمم المتحدة , مع كفالة الحق لأصحاب كل ديانة لممارسة شعائر ديانتهم داخل الآثار الدينية الخاصة بدينهم , وإذا أراد اليهود أن يبنوا لهم هيكلاً جديداً فليتم ذلك بالتوافق , فكلها بيوت الله .

- اعلموا أن الأهداف المستحيلة لا تصنع إلا الكارثة , ومن السهل إشعال الكوارث , ولكن كم من الأنفُس والأموال والممتلكات قد تضيع حتى .. حتى يتم إطفائها ... واسألوا أطفال غزة !!!!

فتُرى هل عرفتم .. من الذى ضيع الحق الفلسطينى ..... !!!!!!!!

دكتور / محمد محفوظ

                                                                                   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق