02 يناير 2016

حوار مع صديقي الـ " سيساوي "

د. محمد محفوظ .. يكتب : حوار مع صديقي الـ " سيساوي "

- إنتوا عايزين تولعوا البلد .
جملة أرسلها لي أحد الأصدقاء علي البريد الخاص بحسابي على الفيس بوك .
رديت عليه وسألته : إحنا مين ؟
- إنتوا اللي مش عاجبكم العجب ومش عايزين تدوا فرصة للرئيس عشان يشتغل .
- متهيأ لي أنا آخر واحد تقوله الكلام ده ، لأنك لو قريت مقالي : لماذا أريد السيسي رئيسا . اللي كتبته قبل انتخابات الرئاسة ، حتعرف إني دعمت السيسي وبقوة لإني كنت شايف فيه أمل كبير لمصر . وممكن تقرا المقال على اللينك ده :
http://elwadynews.com/د-محمد-محفوظ-يكتب-لماذا-أريد-السيسي-رئيساً

- من غير ما اقراه ، إيه اللي عمله الرئيس يستدعي نقده والهجوم عليه.
- والله النقد والهجوم على السياسات مش علي شخص الرئيس أو أي مسئول تاني ، لأن الأمر مش شخصي وإنما يتعلق بمصلحة البلد . وبالتالي المشكلة مش بس في اللي بيعمله الرئيس ، لكن في اللي ما بيعملوش ، وممكن تقرا مقالاتي بخصوص ده على اللينكات دي :
مقال : السيسي ونقص القادرين على التمام
http://albedaiah.com/articles/2015/05/20/89730
مقال : الرئيس .. قائد سياسي أم مصلح اجتماعي
http://albedaiah.com/articles/2015/12/24/103200
مقال : دسترة السيسي لترتيب أولويات مصر .. فريضة برلمانية
http://albedaiah.com/articles/2015/12/19/102819
مقال : حلم الرئيس وأحلام المصريين
http://albedaiah.com/articles/2015/11/02/99592

- من غير ما اقرا كل ده .. إيه اللي ما بيعملوش الرئيس ؟
- هو حضرتك مش عايش معانا في البلد .. قول لي إيه اللي اتغير في مصر ، كله على قديمه ، نفس المشاكل من غير أي حلول .
- لأ طبعا ، اتغيرت حاجات كتير ، أنت مش شايف المشروعات العملاقة : قناة السويس الجديدة ، والعاصمة الإدارية الجديدة ، ومشروع المليون ونص مليون فدان ، ومشروع ميناء شرق التفريعة ، ومشروع الضبعة النووي ، ومشروع الــ 3 آلاف كيلومتر طرق .. كل ده مالوش سعر عندكوا .
- لأ طبعا ، له سعر وشايفينه بس مش فاهمينه . أولا الاسم الصحيح هو التفريعة الجديدة لقناة السويس ، لأن قناة السويس لسه فيها أماكن مش مزدوجة زي مدخلها من ناحية السويس ومخرجها من ناحية بورسعيد . وبالتالي اسم قناة السويس الجديدة اسم فيه مبالغة ومش مظبوط . وبعدين عفوا إحنا ما قمناش بالثورة عشان قناة السويس تتوسع ولا عشان يبقى المرور فيها رايح جاي . أما بقى المشاريع التانية اللي بتتكلم عليها ، فكلها في ميزان الأولويات ، وبكرر تاني الأولويات مش الجدوى ؛ كلها أقل في الأهمية من مشاكل كتير موجودة وبتبهدل المصريين كل يوم .
- وإيه المشاكل الكتير دي .
- والله باعتبار حضرتك مصري ، أكيد شايف الهنا اللي إحنا عايشين فيه ، ما بين محليات فاسدة ، وزبالة متلتلة ، ومباني مخالفة ، وأسعار مولعة ، واحتكارات تجارية وصناعية ، وفوضى مرورية ، وجهاز إداري للدولة واقع ، وتعليم بايظ ، وصحة فشنك ، وقضاء سلحفائي ، وأمن رجع بوشه القديم .. و .. و .. الجراب مليان ، بس أنا مش حاوي .
- ياسلام .. ليه طيب ما اتكلمتش عن اختفاء طوابير العيش ، وعن السلع اللي الناس بتبدلها بنقط العيش ، وعن حل أزمة انقطاع الكهربا .
- أولا قصة طوابير العيش اللي اختفت مثال بيأكد كلامي مش بينفيه ، لأنه بيدل علي أن ترتيب الأولويات لو كان صح حيفرق بالفعل مع الناس . حل مشاكل الناس اليومية هو المفتاح الأول للتقدم والطلوع بمصر والمصريين لأدام . وبالتالي اشمعني حليت أزمة العيش بالتكنولجيا وسايب مشاكل تانية كتيرة من غير أي حل . أما قصة الكهربا فجزء كبير من حلها معتمد على إن سعر البترول نزل الأرض ، وبالتالي ده خلانا نشتري الكميات المطلوبة لتشغيل المحطات بأسعار أقل ، وحصل وفر خلانا نقدر نصرف على الصيانة وعلى إنشاء محطات جديدة ، وبالتالي الأمر مش معجزة ولازم نصارح الناس ، مش نضحك عليهم عشان نخدعهم بإنجازات وهمية .
- والله الرئيس مش حيعمل كل حاجة لوحده ، الرئيس مش بينام وبيشتغل . لكن الشعب مهمل وكسلان وعايز يقبض فلوس ويأنتخ . وفي الآخر تنتقدوا الرئيس وناسيين الشعب . لازم كل واحد فينا يبدأ بنفسه والبلد حتبقى كويسة .
- للأسف المنطق اللي بتتكلم بيه مغلوط . ولو كانت مشاكل البلد حتتحل لو كل واحد فينا بدأ بنفسه يبقى إحنا مش محتاجين رئيس ولا حكومة . الحكومة هي اللي بتقود التقدم في أي بلد ، وهي اللي بترسم الخطة وبتحط السيستم والشعب بيلتزم بيهم ، واللي ما يلتزمش يتجازى . وبالتالي لو لقيت شعب مهمل أو كسلان أو مأنتخ فاعرف إن العيب عند الحكومة مش عند الشعب . ومتهيأ لي أي مصري مننا بيسافر بره لأوربا وأمريكا بيلتزم بالقانون والنظام ، لأن البلاد دي فيها حكومات شايفه شغلها ، وحاطة سيستم كويس قابل للتطبيق والمتابعة .
- طيب ماهو الرئيس مش لاقي كفاءات في البلد ، يجيب يعني وزرا ومحافظين من المريخ .
- ياراجل اتقي الله ، بلد فيها  تسعين مليون الرئيس مش لاقي فيها كفاءات . المشكلة مش في الكفاءات لكن في معايير الاختيار ، اللي بتخلي الرئيس يختار من نفس الصندوق القديم اللي استوطنته الميكروبات والحشرات ، ومش بيخرج منه إلا عاهات إدارية وتحف سياسية . وبالتالي عيب أوي إن إحنا نعيد إنتاج أسطورة الرئيس العبقري اللي مش لاقي حواليه غير شعب متخلف ومسئولين معتوهين . مش مطلوب من الرئيس يكون عبقري لكن مطلوب منه يدي العيش لخبازه ، ويعتمد على أهل الخبرة والكفاءة مش أهل الثقة والحظوة ورفاق السلاح .
- يعني أنت كده فشفشت الرئيس ، ومش فاهم من كلامك غير إنك عايزه يمشي وما يكملش مدته ، وتقوم ثورة جديدة وندخل في دوامة من جديد . أنت قلبت إخوان ولا إيه ؟
- لو سمحت مافيش داعي لخلط الأوراق ، مين قال إني بطالب بأن الرئيس يمشي أو تقوم ثورة تالتة . الثورة مش لعبة دي انفجار شعبي خطير . أنا بطالب إن الرئيس يعيد ترتيب الأولويات عشان تتحل مشاكل المصريين المزمنة . بطالب إن الرئيس يختار مسئولين ينفذوا سياسات لخدمة الناس مش بينفذوا تعليمات لإرضاء الرئيس . أما قصة إني قلبت اخوان ، فأرجو عدم التخوين ورمي الناس بالباطل . وممكن تقرا مقالاتي وتشوف مداخلاتي في بعض البرامج التلفزيونية في عز سيطرة الإخوان علي كل السلطات ، عشان تعرف إن العبد لله والإخوان لا يجتمعان ، ودي اللينكات لو مهتم تعرف وتشوف :
مقال : الديكتاتور الجديد
http://elbadil.com/2012/08/13/59375/
مقال : الشيفونية الثورية وتمهيد الطريق لأعداء الديمقراطية
http://elbadil.com/2012/07/31/57540/
مقال : دكتور مرسي .. مستر إخوان
http://elbadil.com/2012/07/19/56174/
مقال : التتار الجدد وإرهاب الآخر
http://elbadil.com/2012/07/15/55537/
مقال : أفشل رئيس في العالم
http://albedaiah.com/node/26611
مقال : الإخوان الفاشلين .. وحانوتية القوانين .. وتصفية الثورة
http://albedaiah.com/node/7525
مقال : هم الخارجون عن شرع الله
http://albedaiah.com/node/1450
مشاركتي فى برنامج الصورة الكاملة بقناة أون تي ڤي بتاريخ 23 / 11 / 2012م ؛ حول الإعلان الدستورى الجديد وقانون حماية الثورة .. في مواجهة القيادي الإخواني : حلمي الجزار .
http://youtu.be/ZRSVAUGEPvU
مداخلتي فى برنامج العاشرة مساء بقناة دريم بتاريخ 25/6/2013 لفضح وإجهاض مخطط الإخوان المجرمين للقبض على الحلقة الثانية من النشطاء بحملة تمرد والحلقة الثانية من النشطاء بالحركات المعارضة وفرض الإقامة الجبرية على عدد من رموز الإعلاميين المعارضين .
http://youtu.be/O1jLNFohXNQ
 مشاركتي ببرنامج الصورة الكاملة بقناة أون تي ڤي بتاريخ 26/5/2013 ؛ حول قرار المحكمة الدستورية العليا بأحقية ضباط وأفراد الشرطة والجيش فى التصويت . في مواجهة القيادي الإخواني : سعد عامر .
http://youtu.be/MjwMMIH5wqE

- قلت لك كذا مرة مش عايز اقرا ولا أشوف .. وعلى العموم مجلس النواب حينعقد كمان كام يوم ويبقى يقوم بدوره الرقابي والتشريعي ، واللي المجلس شايفه مش عاجبه يغيره .
- ياراجل أنت مصدق اللي أنت بتقوله . هو لما الحكومة تعمل نظام إنتخابي معقد يخلي الناس من حيرتها تزهد في الانتخابات ، ويخلي المحسوبين علي الحزب الوطني وأعداء الثورة يرجعوا تاني للمجلس ، ولما الحكومة تسمح لأجهزتها الأمنية إنها تعمل تربيطات في الضلمة مع قائمة بعينها وأحزاب بعينها ومرشحين بعينهم ، يبقى ده مجلس نواب بتاع الشعب ولا بتاع الحكومة . المجلس للأسف في معظمه ناسب خلاص الحكومة وبقوا من قبل ما ينعقد قرايب .
- يعني أنت لا عاجبك رئيس ولا حكومة ولا مجلس نواب . ده أنت بقى ضد الدولة وعايز بجد تهدها ونبقى زي سوريا وليبيا واليمن .
- لأ .. لو سمحت خد بالك من كلامك .. أنا بالضرورة وبالحتمية مع الدولة ، لكن مش بالضرورة ولا بالحتمية مع النظام . واللي ما يعرفش الفرق بين الدولة والنظام تبقى المشكلة عنده . أنا بعارض وبنتقد السياسات الفاشلة والإجراءات العقيمة والاختيارات السقيمة ، وكل ده عشان مصلحة الدولة . اللي بيهد الدولة هو اللي بيبقى شايفها داخلة في الحيط أو نازلة في ترعة وساكت ، لأنه بيقول أصل الرئيس واخد باله  . لأ .. إحنا مسئولين أدام ربنا إننا نقول للي بيسوق خد بالك أنت داخل بينا في الحيط ، خد بالك فيه ملف . سواء كان واخد باله أو مش واخد . لأن كلنا راكبين عربية واحدة ولو اتقلبت ولا خيشت في الحيط مش حيتأذي السواق لوحده ، لكن كلنا حنتبهدل معاه . أما فزاعة إننا نبقى زي سوريا وليبيا واليمن اللي بتخوفوا بيها الناس فمش حتحصل ، لأن البلاد اللي فيها جيوش طائفية وقبلية هي بس اللي بتقع ، لأن الجيش فيها بينقسم وتحصل فيه انشقاقات . والحمد لله الجيش في مصر وكمان في تونس مش مبني على اعتبارات طائفية أو قبلية ، وبالتالي بإذن الله الدولة ثابتة وزي الحديد ، بس نتمنى تكون حديد لينا مش علينا . 
- طيب .. يعني أنت عايز إيه دلوقتي ؟
- عارف ، لو كنت مكان الرئيس كنت عملت إيه ؟ كنت بمجرد انعقاد مجلس النواب أقيل الحكومة وأطلب من حزب الأكثرية اللي هو حزب المصريين الأحرار تشكيل حكومة ائتلافية تنال ثقة المجلس . وبكده أشرك معايا في إدارة البلد كل القوى السياسية وما أشيلش الشيلة لوحدي . لكن للأسف الرئيس في الغالب مش بيفكر بالأسلوب ده . وبالتالي اللي بيشيل لوحده عليه يقبل إنه يتحاسب لوحده ، لأن كل سهام النقد مش حتلاقي غيره .
- أنا مش مقتنع بكل الكلام اللي بتقوله ده . لازم كل الخيوط تبقى في إيد الرئيس ، لأن هو اللي رجّع الروح لمصر والمصريين بعد الإخوان المجرمين ما خطفوا الثورة ، وكمان هو اللي رجّع للدولة هيبتها .
- طبعا .. التاريخ حيسجل دور السيسي في إنقاذ مصر من حكم عصابة الإخوان ، بس للأسف لغاية دلوقتي ما خدش أي خطوة عشان يخلصنا كمان من عصابة مبارك . وطبعا كمان التاريخ حيسجل للسيسي إنه أعاد الروح لمصر ، لكن مش كفاية تعود الروح لوحدها لازم كمان عودة الوعي . روح من غير وعي تليق بجماد أو نبات أو حيوان مش إنسان . وطبعا مهم جدا إن الدولة عادت لها هيبتها وجزء من الفضل ده يرجع إحقاقا للحق للرئيس عدلي منصور ، ولكن السؤال : هو ماينفعش تعود كمان للمواطن هيبته .. هو لازم تكون هيبة الدولة علي حساب هيبة المواطن !!
- والله الرئيس بيعمل اللي عليه ، وربنا إن شاء الله مش حيخذله .
- يارب آمين ، بس أنا مش عارف ليه كل ما أعبر لك عن قلقي على مصر وشعبها ألاقيك أنت قلقان على الرئيس . أنا مشغول بمصر والشعب المصري مش الرئيس ، وده الفرق بيني وبينك ، إن حبك للرئيس أكتر من حبك لمصر . مصر هي اللي تهمني . وعشان كده أيدت الرئيس عشان مصر  ، ومافيش مانع أنتقده وأعارضه برده عشان مصر .
- تحيا مصر ..
- طبعا تحيا مصر .. يعني أنت موافقني .. وﻻ قصدك تقول يحيا الرئيس باعتبار إنك شايف الرئيس هو مصر ؟
- تحيا مصر ..
- ايوه .. يعني إيه .. أنت علقت ولا هنجت .. ولا إيه .. ؟!
- تحيا مصر ..
- ماشي ياعم السيساوي .. تحيا مصر .. تحيا مصر .. تحيا مصر .... وكل واحد بقى ونيته ..
****
dr.mmahfouz64@gmail.com

24 ديسمبر 2015

الرئيس .. قائد سياسي أم مصلح اجتماعي

د. محمد محفوظ .. يكتب : الرئيس .. قائد سياسي أم مصلح اجتماعي

وما نيل المطالب بالتمني .. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال .. إذا الإقدام كان لهم ركابا
هكذا صاغ أمير الشعراء أحمد شوقي حكمته الشعرية الخالدة في قصيدته النورانية في مدح الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام .
وهكذا صدحت بها أم كلثوم بصوتها الذي جاب الآفاق في الأغنية التي كانت بذات اسم القصيدة : سلوا قلبي . 
وهكذا صارت الحكمة بنظمها الشعري ولحنها المُغنى دليلا وسبيلا . دليلا لمن يريد أن يعمل لا أن يتكلم ، وسبيلا لمن يريد أن ينجز لا أن يتمنى .
ولكن رغم وضوح هذا الدليل أو السبيل وغيره الكثير من الأدلة والسُبل في حياتنا المصرية ، فإنها غالبا ما تتوه في غمرة الفوضى المترسخة والعشوائية المتمكنة والسياسات المرتبكة والوعي الملتبس .
ولقد تزاحمت في رأسي علامات التعجب وأنا اتابع خطاب الرئيس بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، بما جعلني أتذكر ذلك القدر الكبير من السخرية الذي كنت أعلق به على الذين كانوا ينكرون على الرئيس عدم تقديمه لبرنامج إبان ترشحه للرئاسة . فوقتها كنت أعلق ساخرا بأن : مشاكل مصر معروفة وحلولها هي الأخرى معروفة ، وبالتالي ما الداعي للفذلكة ومطالبة المرشح الرئاسي ببرنامج لما هو مبرمج أصلا .
ولكن فاتت الشهور واحدا بعد الآخر حتي اقتربنا من عام ونصف ، وإذا بمشاكل مصر المعروفة مازالت معروفة ، بينما حلولها المعروفة مازالت مهجورة ومتروكة ومنبوذة .
ولذلك يعذبني ذلك السؤال ؛ ويجرح كبريائي الذي سخرت بموجبه من السائلين سابقا عن برنامج للرئيس .. وذاك السؤال مفاده : ما الذي يعطل استخدام  الحلول المعروفة لحل مشاكلنا المعروفة ؟!! 
ولعل الإجابة تكمن في الالتباس الذي يلقي بظلاله على الموضع الذي ينبغي أن يقف فيه الرئيس لكي يمارس سلطاته الدستورية والقانونية.
فالرئيس وفقا للدستور هو القائد السياسي ؛ الذي يتولى برئاسته للسلطة التنفيذية صياغة كل رؤية أو هدف أو مصلحة في صورة سياسات قابلة للتنفيذ والمتابعة . أي أنه مايسترو لإدارة السياسات التي يتولى تنفيذها رئيس الوزراء والوزراء وأجهزة الدولة المتعددة . كما إنه مهندس للدفع بالتشريعات والنظم التي قد تكون لازمة لتفعيل تلك السياسات .
وبالتالي فإن الرئيس بكل هذه الصلاحيات عليه أن يخطط لا أن يتمنى ، باعتبار أن أداته في الحكم هي الخطة وليست الأمنية .. السياسة وليست الموعظة. 
فرئيس الجمهورية لا يرجو أو يناشد ، ولكنه يكلف ويأمر ويوجه .
ورئيس الجمهورية لا يحلم ولا يتطلع ، ولكنه ينفذ ويبادر ويقتحم .
رئيس الجمهورية دوره هو التنفيذ وليس التحفيز ، الإنجاز وليس الإخلاص .
رئيس الجمهورية مكلف بتحقيق نتائج وتقديم مخرجات ، وليس مخير بتجربة محاولات أو خوض مغامرات . 
رئيس الجمهورية مهمته الأولى والأخيرة هي العمل تخطيطا ، ثم العمل تكليفا ، ثم العمل متابعة . وإذا كان لا بد من كلام ، فعن خطة العمل وما تم إنجازه من تكليفات ومهام . 
وهنا يبدو الفرق واضحا وبارزا وجليا بين دورين ... دور القائد السياسي ، ودور المصلح الاجتماعي .
المصلح الاجتماعي أداته : الكلام المخلوط بالحكمة والمغلف بالموعظة الحسنة .
المصلح الاجتماعي يرجو ويدعو ويتمنى ويحلم .
المصلح الاجتماعي ينشغل بفلسفة القضايا والمشاكل والأحداث وتنظيرها وتحليلها .
شتان إذن بين القائد السياسي والمصلح الاجتماعي .. دون نكران ما لأي منهما من فضل أو عرفان  .
 فأدوات الكلام لو تم الاقتصار عليها في موضع العمل ؛ تتجمد الأعمال.
وتقييم الكلام لا يستقيم بأدوات العمل ، فبعض الكلام الذي تسكنه الأحلام يكون من منظور العمل على أرض الواقع جنون أو هذيان .
الموضعان متباينان .. موضع القائد السياسي .. وموضع المصلح الاجتماعي .
فباختلاف المواضع - وكما أوضحنا - تتباين الأدوات .
الاقتصار علي الكلام والمناشدة والترجي في موضع العمل ، هو تقصير وتفريط في السلطة ، وتحلل من أي مسئولية والتزام .
والقفز إلى العمل من موضع الكلام ، سياسة بلا لجام ، فلا طاعة لمن لا سلطة له أو سلطان .
القائد السياسي عليه مسئولية إنجاز المهام بسلطة القانون في الإكراه والإجبار .
والمصلح الاجتماعي عليه مسئولية تحفيز الأحلام بسلطة العقل في التخيير والإقناع والتحليق والإلهام .
ولكن رغم البون الشاسع بين الموضعين ، إلا أن الرئيس مازال يتكلم بلسان المصلح الاجتماعي ولا يعمل بصلاحياتالقائد السياسي .
فمازال الرئيس يدعو ولا يكلف .
ومازال الرئيس يرجو ولا يُلزم .
ومازال الرئيس يحلم ولا يُنفذ .
فقد حضر الكلام طوال عام وطوال أكثر من عام ، ومازال حاضرا حتى الآن .
ولذلك لازال كل شيء في موضعه ، لم يبارح المكان .
لم يتجدد الخطاب الديني .
ولم ينصلح الجهاز الإداري للدولة .
ولم تتطور الأجهزة الأمنية . ولا المحاكم والنيابات . ولا المدارس والجامعات . ولا العيادات والمستشفيات . ولا القرى والعشوائيات والمحليات . ولا .. ولا .. ولا .
لم تتجدد أو تنصلح أو تتطور الكثير من الأشياء التي تنغص على الناس حياتهم ، لأنه غاب العمل بينما حضر الكلام .
ولن يتجدد أو ينصلح أو يتطور أي شيء ، لو ظل العمل في إجازة وينوب عنه الكلام .
 فبالقوانين لا بالكلام ، وبالمناهج والخطط والسياسات .. لا بالأماني أو المواعظ أو الأحلام .. تتقدم الأوطان .
للكلام أهميته .. وللعمل أهميته .
ولكن الكلام أولى به أصحاب الرؤى والأفكار والأحلام .
والعمل أولى به أصحاب الخطط والمشروعات والتكليفات والمهام . 
انتخب الناس قائدا سياسيا للإنجاز والإقدام ، وليس مصلحا اجتماعيا للوعظ والإرشاد .
فأولى بمن بيده الأمر ، أن يراجع ما عليه من مسئولية والتزام .
فكل السلطات التنفيذية والصلاحيات الإجرائية بين يديه .. من أجل رسم وتنفيذ السياسات والخطط ، ولكن بالعمل ، لا بالكلام أو المواعظ أو الأحلام .
ولنا في قوله سبحانه وتعالى بسورة الكهف دليل وبرهان :
إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا * .
مكن الله له في الأرض فآتاه السلطة والعلم والذكاء وحب الناس ، فأنتج بهم الخطط والنظم والهياكل والسياسات ، وليس المواعظ والأماني ... والكلام .
الكلام في موضع العمل .. كلام ليس له أولوية   .
والمواعظ في مجال السياسة .. بلادة سياسية  .
 فتدبروا .. يا أولي الألباب ....
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

19 ديسمبر 2015

دسترة السيسي لترتيب أولويات مصر .. فريضة برلمانية

د. محمد محفوظ .. يكتب : دسترة السيسي لترتيب أولويات مصر .. فريضة برلمانية
إذا كان هذا البرلمان القادم غارقا حتى أذنيه حقا " في حب مصر " .
وحريصا من قمة رأسه حتى أخمص قدميه على " دعم الدولة المصرية " .
ومؤكدا على الثوابت الوطنية من خلال " مصريين أحرار " .
ومزاوجا ما بين رموز الماضي والحاضر و " مستقبل وطن " .
ومستلهما تاريخ الثورة المصرية من خلال ماض مجيد يلتئم بــ " وفد جديد " .
وحافظا للكرامة الوطنية من خلال نواب " مستقلين " غير تابعين ولا منقادين ولا مستأنسين .
إذا كان ذلك البرلمان كذلك ؛ صدقا وليس كذبا أو نصبا أو إفكا ؛ فعليه أن يقاتل من أجل إبقاء سلطات الرئيس السيسي مقلصة كما رسمها الدستور .
نقول ذلك لكي نرفع درجة الحرارة حول ثلاجة الرئيس السيسي التي جمدت وثلجت طموحات المصريين ؛ حتى باتوا يترحمون على ثورة تربعت على أنقاض نظام مبارك ، ثم خُطفت في عهد الإخوان ، ثم تخشبت أطرافها وتيبس عقلها من الصقيع في ثلاجة الرئيس .
على البرلمان إن كان حقا ممثلا لأحلام هذا الشعب ؛ أن يضع الرئيس في الخانة التي رسمها له الدستور حتى يمكن إعادة ترتيب أولويات مصر التي ثار المصريون من أجلها مرتين .
فقد أصبح مؤكدا بعد عام ونصف من وجود الرئيس السيسي في السلطة ، بأن ترتيبه لأولويات الوطن لا يتفق مع ترتيب أغلب المصريين لها .
فلا شيء تغير في وجه مصر ، ناهيك عن قلبها أو عقلها . بل على العكس ، فإن أصحاب الوجوه الكريهة والنفوس السقيمة والعقول العقيمة يعودون واحدا بعد الآخر إلى المشهد . وباتت الأصوات التي ما كانت تجرؤ على الفحيح بعد 25 يناير ؛ باتت تنعق وتنهق وتردح وتشرشح وتبث سمومها في أعصاب الناس وصبرهم على المكروه .
لا شيء تغير في وجه مصر ، لأن الرئيس يريد أن يرتفع بأدوار جديدة فوق ذات البناء القديم دون أن يهتم أولا بإصلاح أساسات البناء المتصدعة . وبالتالي فإن النتيجة الحتمية - هندسيا وعقليا - أن ينهار البناء ، فالأساسات المخوخة لن تتحمل أحمالا إضافية ... أليست تفريعة قناة السويس الجديدة ، والعاصمة الإدارية الجديدة ، وشبكة الطرق الجديدة ، والمليون ونصف مليون فدان الجديدة ، ومفاعلات الضبعة النووية الجديدة ، ومشروع تنمية شرق التفريعة الجديد .. كلها أحمال إضافية على مبنى تتراقص أساساته بفعل الفساد والإهمال والتسيب والإدارة الفاشلة .
لا شيء تغير في وجه مصر ، لأن الرئيس يجمع حوله - إلا فيما ندر - رجال مبارك أو من هم أشباههم . فالصندوق القديم الذي استوطنته الحشرات والميكروبات مازال هو المعين الذي ينهل منه الرئيس في اختياراته للقيادات الحكومية ، وبالتالي : ماذا ينتظر الرئيس من رجال مبارك أو من على شاكلتهم ؟ أليست النتيجة الحتمية أنهم مثلما سطروا اسم مبارك في الصفحات السوداء للتاريخ ، فسيسطرون اسم أي رئيس غيره .
لا شيء تغير في وجه مصر ، لأن المصري البائس اليائس ينظر حوله ويتحسر على كرامته التي تمتهن ، وحقوقه التي تسلب ، ومصالحه التي تتبخر ، وأمواله التي تتبدد .. في طرقات الجهاز الإداري للدولة وأقسام الشرطة والمحاكم والمستشفيات والمدارس والجامعات والشوارع والعشوائيات .
لا شيء تغير في وجه مصر ، لأن الرئيس كما قال : أنا بطبطب على الجميع !! وللأسف فإن الدول لا تدار بالطبطبة ، وإنما بالحساب والمتابعة والثواب والعقاب. فالطبطبة علي المؤسسات الفاسدة المترهلة المتجرئة على الدستور والقانون ، مثلها مثل تدليل الآباء لأبنائهم إلى حد إفسادهم وعقوقهم .
فإذا كان شيئا لم يتغير حتى الآن في وجه مصر بعد ثورة أولى وثورة ثانية . أفلا يُظهر البرلمان الموقر كرامة أو أمارة ليثبت أنه هو المتغير الجديد أو الوحيد في وجه مصر ، أو أي موضع آخر من جسدها .
يريد البرلمان أن يمارس دور الدُعامة التي يتم تركيبها في شرايين القلب المتصلبة ليستمر فيها سريان الدماء . ونحن ندعم بدورنا حق البرلمان في أن يمارس دور الدُعامة . ولكن السؤال الأول : دعامة لمن ؟ نعم .. دعامة لمن ؟ يقول البرلمان إنه يسعى لــ " دعم الدولة المصرية " ، ولاشك بأن كل مصري أصيل لم تتلوث دمائه بإخوانية خائنة أو مباركية فاسدة يدعم أيضا الدولة المصرية . ولكن السؤال الثاني : هل لدى البرلمان خطوط فاصلة بين دعم " الدولة " المصرية ، ودعم " الحكومة " المصرية ؟ وهل يدرك البرلمان الفرق بين الدولة والنظام ؟ الدولة التي هي باقية والنظام الذي هو زائل . وهل يعلم البرلمان أن الفصل بين السلطات والتوازن بينها حقيقة دستورية نصت عليها المادة الخامسة من الدستور ؟
وبالتالي فإن السؤال الثالث للبرلمان : هل هناك جدوي من - أو أمل في - دعم حكومة فاشلة ونظام يحافظ على الفساد والاستبداد ؟
دعم الدولة إذن - لو كان البرلمان يدرك الفرق بين الدولة والنظام - يقتضي أن يرفع البرلمان الكارت الأحمر للحكومة الفاشلة البائسة ، ويسحب منها الثقة .
دعم الدولة إذن - لو كان البرلمان يدرك أنه يمثل السلطة الشعبية في بنيان سلطات الدولة - يحتم على البرلمان أن يترجم آمال وأحلام ومطالب هذا الشعب إلى تشريعات وسياسات .
وطالما أن كل ذرة تراب في مصر ، تنطق بل وتصرخ بأن الرئيس وحكومته في واد والشعب في واد آخر . فعلى البرلمان إذن أن يُشكل هو حكومته التي تمثل رمانة الميزان التي تفرض الأهداف الثورية على الوضع المتجمد والمتكلس . فحكومة تسير على خطى مبارك ، ورئيس يرى أنه ليس في الإمكان أفضل مما كان ويكون  ،كلاهما لا يستحق دعم البرلمان .
على البرلمان إذن أن يتعامل مع البرنامج الذي ستقدمه له الحكومة باعتباره مجرد كلام إنشا تتخلله إحصائيات وملايين ومليارات ، لأنه لو كان لدى الحكومة برنامج أساسا لظهر على الأرض وليس على صفحات الأوراق ، وما انتظر لحين انعقاد البرلمان ، وإنما كان سيتجسد في سياسات تخدم الناس وتكافح الفساد وتطهر البلد من ميراث الاستبداد .
دعم الدولة لن يكون إلا بردها عن ظلمها وفسادها واستبدادها ، وبكشف عجزها وترهلها وإهمالها .
وطالما أن الدستور رسم دورا للرئيس ودورا للبرلمان ، فعلى البرلمان لو كان حقا يمثل الشعب أن يمارس سلطاته كاملة غير منقوصة من أول يوم ، بل من أول ساعة أو دقيقة . وعليه أن يشكل حكومته وأن يحاسب حساب الملكين الوزراء الأربعة المخول للرئيس بموجب الدستور اختيارهم ، وهم وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل . وأن يثبت لهم بأن مصطلح الوزارات السيادية هو مصطلح غير دستوري لأن السيادة للشعب وحده وليست لمجموعة وزارية من بين الوزارات . وأن يثبت لهم بأنهم ليسوا وزارات رئاسية تستقوي بمنصب الرئيس أو شعبيته ، وإنما هي وزارات مثل باقي الوزارات تخضع للمساءلة والمحاسبة السياسية والرقابة المالية وسحب الثقة .
أما لو كان للبرلمان رأيا آخر في دوره . ويري بأن دعم الدولة يتمثل في التواطؤ مع سلطتها التنفيذية وتصنيم سلطتها القضائية . فإنه سيدخل إلى التاريخ من صفحاته السوداء ، مثله مثل برلمان الحزب اللاوطني المزوراتي في 2010 ، وبرلمان المتأسلمين الإرهابيين في 2011 / 2012 . بحيث يحق عليه القول والوصف بأنه البرلمان الذي اتخذ من دون الشعب أندادا وشركاء .. والعياذ بالله .
دسترة السيسي فريضة برلمانية ، بحيث يكون أول رئيس محدود السلطات تشاركه في إدارة الدولة السلطة التشريعية الرقابية المنتخبة ، لترتيب أولويات مصر التي لم ينجح الرئيس حتى الآن في ترتيبها .
فلقد اطمأن الرئيس لربيع الرضا الشعبي والحب الجماهيري ، وبالفعل بلع له الناس الزلط تأسيا بالمثل الشعبي : حبيبك يبلع لك الزلط . ولكن هذا الربيع أغرى الرئيس على تجاهل أولويات الناس والتصدي للأولويات التي يراها وزرائه ومستشاريه والأجهزة الأمنية والمستثمرين .
ولذلك لا مفر من خريف السأم والضجر ، فربما لا تعمل بوصلة الأولويات لدى الرئيس بصورة صحيحة إلا تحت الضغط . هذا الضغط الذي ينبغي أن يمارسه البرلمان من خلال تبنيه لإحساس الشعب بالغصة والقنوط ، ومن خلال إصراره على أن يكون ندا لسلطات الدولة الأخرى وليس سنيدا لها ، أو مقننا لفسادها واستبدادها وإهمالها .
على البرلمان أن يؤسـس للممارسـات السـياسية والتدخلات التشريعية والملاحقات الرقابية ، التي تجسم جميعها الحدود البارزة لمبدأ الفصل والتوازن بين السلطات . ولعل أولى الخطوات على هذا الطريق تتمثل في دسترة الرئيس.
أما لو رضخ البرلمان للمطبلاتية والهمبكاتية والشمشرجية ، ووقع في خطيئة تسييح الحدود بين " السلطات " لكي تتحول إلى " سلاطات " ، فعليه أن يتحمل احتقار الشعب واشمئزازه ، ناهيك عن غضبه وانفجاره .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com




17 نوفمبر 2015

نظرية المؤامرة بين الهلوسة الجماعية والشعوذة السياسية

د. محمد محفوظ .. يكتب : نظرية المؤامرة بين الهلوسة الجماعية والشعوذة السياسية 

العلبة دي فيها ............. فيل
من فيلم : سر طاقية الإخفاء

في ظل الهلاوس الجماعية والشعوذة السياسية التي سيطرت على الكثير من العقول ، بما يجعل أصحاب العاهات الفكرية والضحالة المنهجية في صدارة المشهد لنشر الضلالات والهلاوس والوساوس السيكولجية تحت أضواء الكاميرات وفي أستديوهات القنوات الفضائية. 
في ظل هذه المناخوليا الجماعية التي تسود في مراحل الانحطاط التاريخية .. ينبغي أن نلوذ بالعقل .. العقل العلمي الباحث المدقق .. لننشر الوعي والمعرفة .. ولا ننساق خلف ما ليس لنا به علم .
مصداقا لقوله سبحانه وتعالى : ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا . سورة الإسراء / اﻵية 36  .
ومصداقا لقوله سبحانه وتعالى : وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يُغني من الحق شيئا ... . سورة يونس / الآية 36  .
ولقد بحثت في أوراقي القديمة والمعاصرة عن الأدبيات التي تناولت بالتحليل نظرية المؤامرة . ووجدت أن من أفضل ما قرأت في أدبيات تحليل وتفنيد القواعد والأنماط التي تتأسس عليها نظرية المؤامرة ؛ الدراسة التي نشر بعض من نتائجها الأستاذ الدكتور / محمد عبد السلام .. الذي كان يترأس خلال عام 2006 مشروعا بحثيا في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ، يشارك فيه نحو 20 باحثا ، لتحليل مصادر التفكير التآمري المختلفة وأنماطه الشائعة في المنطقة ، مع بعض التطبيقات الخاصة بمدي انتشارها في وسائل الإعلام والمقررات التعليمية والخطاب الديني ومراكز الدراسات وغيرها ، بغرض الاقتراب بشكل علمي من تفصيلاتها ، ووضع إطار محدد يساعد على فهمها . 
الدراسة كانت بعنوان : نظرية المؤامرة : قواعد التفكير غير العلمي وأنماط التفكير التآمري في المنطقة العربية . 
ويقول د. محمد عبد السلام .. في الدراسة القيمة ؛ التي تم نشر جانب منها في مقالين بجريدة الأهرام خلال شهر يناير  عام 2006م .. يقول : شهدت السنوات الأخيرة اتساعا غير مسبوق لنطاق استخدام أحد أنماط التفكير التقليدية غير العلمية في المنطقة العربية ، وهو التفسير التآمري للأحداث ، بحيث تحول ما أصبح يُعرف باسم نظرية المؤامرة إلى ظاهرة مسيطرة علي الطريقة التي يتعامل بها التفكير العربي مع التطورات الجارية ، في ظل سمات تشير إلى موجة حقيقية أهمها :
 1 - أن موجة التفكير التآمري الحالية تتسم بطابع اكتساحي ، إذ إنها بدأت تمس كل القضايا ، حتي تلك التي تتسم بملامح أو توجد بشأنها معلومات محددة ، ووصلت أحيانا إلي درجة الهذيان .
 2 - إن تلك الموجة تتسم بطابع وبائي ، فهي تنتشر علي جميع المستويات دون تمييز ؛ مستويات قادة الرأي من الصحفيين والإعلاميين وأساتذة الجامعات ، إضافة إلى البيروقراطيين بفئاتهم المتعددة .
 3 - إن التفسيرات التآمرية أصبحت تكتسب طابعا شعبيا تصعب مقاومته ، إذا أنها أصبحت الأداة الأولى لتحليلات قطاعات الرأي العام المختلفة ، بمدي ثقة وتأثير نفسي لايتوافر لأية توجهات أخرى .
 4 - إن تلك الموجة تتسم بالطابع المزمن ، فلم تعد مجرد موجة مؤقتة ترتبط بالحروب أو التطورات الكبرى ، وإنما إطار مستمر ينسحب على كل شئ بعمق يوحي بسمات هيكلية لن تتوقف ببساطة . 
5 - إنها بدأت تتخذ أبعادا عملية فلم تعد مجرد نمط تفكير ، وإنما موجة حركة ، فيما يتعلق بالتعامل مع مشكلات كالإرهاب أو التفاعل مع الآخر .
ويؤكد د. محمد عبد السلام .. بأن مجمل ملامح تلك الحالة يشير إلى ارتداد عنيف ، ليس فقط عما يُفترض أنه قيم الحداثة في المجتمع العربي - فيما يتعلق بنمط التفكير العام والمتخصص - ولكنه ارتداد أيضا عن الأسس الأولية للتفكير ، بالعودة إلي أشكال التفكير غير العلمية الغيبية أو الخرافية - أو في هذه الحالة التأمرية - التي لاتستند إلى المناهج العلمية التي تم تطويرها في مجالات مختلفة . 
وتوضح الدراسة بأن نظرية المؤامرة‏ ليست سوى إطار عام واسع يقوم على أن هناك مخططات كبرى وقوى خفية تدير العالم‏ ،‏ وكأنه خشبة مسرح‏ ،‏ في ظل ملابسات يصعب عادة إدراكها‏ .‏ لكن الأهم أن هناك أنماطا معينة يمكن تحديدها‏ داخل الإطار العام للنظرية ، تمثل ما يشبه نظريات فرعية ترتبط بمضامين محددة‏ ،‏ وتستند على افتراضات وحالات‏‏ وآليات تفكير تسود في أوساط مختلفة ‏.‏
وتتمثل الأنماط الأولية التي تتأسس عليها نظرية المؤامرة ، وفقا لما توصلت له الدراسة في 6 أنماط .. كالتالي  :
 1 -  نمطالاستهداف : وهو أكثر أنماط التفكير التأمري شيوعا في الواقع العربي ، سواء علي مستوي الكتابات الصحفية أو التحليلات الأكاديمية أو توجهات الرأي العام ، ويرتبط ببعض المقولات المستقرة التي تؤكد أن العرب أو المسلمين مستهدفون من جانب القوي الخارجية ، وأنه لن يُسمح لهم بأن يصبحوا دولا مؤثرة سياسيا أو متطورة اقتصاديا أو متقدمة تكنولوجيا أو قوية عسكريا . 
2 - نمط الاستدراج : وتتمثل فكرة هذه النمط في وجود مخطط أعدته دولة كبري في العادة لإيقاع طرف - يقف في مواجهة مصالحها العليا - في وضع معقد وذلك وفقا لمجموعة من الخطوات التي يتم بموجبها استدارجه إلى حيث يمكن التمكن من اصطياده أو الإجهاز عليه ، وذلك وفقا لأسلوب الكمائن المعروف في العمليات العسكرية .
3 - نمط التشكيك : مضمون هذا النمط هو أن هناك تفسيرا آخر لما يحدث ، أو لما يُقال أنه حدث ، ويستند هذا النمط إلى افتراضين مكملين لبعضهما . الافتراض الأول : أن الأمور ليست كما تبدو عليه فهناك شيء آخر بالضرورة يفسر مايجري ، فماحدث أو يحدث لايمكن أن يكون بتلك الصورة . والافتراض الثاني : أن الطرف الآخر كاذب ، وأنه لايجب أن يتم تصديق مايقرره ، وأن لديه أهدافا أخرى بخلاف مايقوله ، وأن مايعلن من جانبه ليس هو الحقيقة . 
 4 - نمط المستفيد : ويستند هذا النمط علي منطق خاص يبدو معقولا ومتسقا تماما ، وهو أن هناك طرفا مستفيدا من كل عملية أو تطور أو واقعة أو جريمة ، وأن هذا الطرف هو متهم وليس مشتبه به من حيث المبدأ ، أو بصورة أدق هو مدان في إطارها ، فمن الممكن أن يكون فعلها ، أو قام بذلك بالفعل . 
 5 - نمط الاختراق : يرتبط هذا النمط بفكرة أن هناك اختراقا قد حدث بصورة ما ، لشخص أو جماعة أو دولة ، بحيث أصبحت تتصرف وفقا لأهداف أو مصالح أو إرادة أو تعليمات الطرف الآخر ، تبعا لنموذج حصان طروادة أو الطابور الخامس ، وهو النمط المسئول في الواقع عن كل التعبيرات السيئة التي ترسخت في الحياة العربية حول الخيانة والعمالة. 
6 - نمط الهذيان : يرتبط هذا النمط بحالة من الابتعاد الكامل عن التفكير السوي الذي يستند علي مسلمات المنطق ، فهو يتعلق بتوهم أو تخيل أشياء لاوجود لها أساسا ، أو لم ترد في ذهن من يتصور أنهم وراءها ، استنادا علي علاقات ربما تكون غير قائمة أصلا ، أو سلوكيات متصورة في سياق شك هيستيري ، أو ضلالات تتعلق بزوايا غير تقليدية لرؤية الأشياء ، أو حالات من اللوثة الجماعية التي تصيب الأفراد .
وينهي دكتور محمد عبد السلام ؛ مقاليه اللذين لخص بهما أنماط التفكير التآمري بهذه العبارات اللافتة .. قائلا : ستظل نظرية المؤامرة تفرز دائما أنماطا فكرية جديدة تعبر عن تدهور التفكير العام‏ ،‏ لكن الأهم أن هناك عملية توظيف سياسي واسعة النطاق لها‏ ،‏ تشارك فيها أطراف عديدة في المنطقة العربية‏ ،‏ على حلبة الصراع علي الرأي العام أو ضد الأطراف الأخرى في الداخل والخارج‏ ،‏ فهي ليست مجرد ظاهرة ثقافية‏ ،‏ وهذا هو مايجعلها أكثر خطورة من أشكال التفكير غير العلمي الأخري‏ - الغيبية أو الخرافية‏‏ - في المنطقة العربية ‏.
انتهى عرضنا للدراسة .... ولكن يبدو أن العقل العربي وفي القلب منه العقل المصري - نتيجة لثقل مصر التاريخي والحضاري والسكاني - يبدو هذا  العقل موبوءا بفيروسات نظرية المؤامرة ، مستسلما تماما لأنماطها الفكرية في تفسير الأحداث والتعامل مع العالم . والمحصلة : إننا أصبحنا نخاف مما لا ينبغي الخوف منه . وأن عقولنا قد أصبحت حملا ثقيلا على رؤوسنا طالما أصابها العطب أو الكسل أو الهوس ، فلم تعد قادرة على القيام بالبديهيات الأساسية وهي : التفرقة بين الصفيح والذهب ، وبين النور والعتامة ، وبين الفراسة والنطاعة ، وبين النفع والخسارة .
الزبالة الفكرية التي أصبحت تملأ رؤوس قطاع ليس بقليل من النخب العربية ليست وليدة اليوم ، بل هي مترسخة في طائفة غالبة من كتب التراث ؛ الصفراء لونا ؛ السوداء مضمونا ومآلا ؛ والتي يتحتم من خلالها رؤية الآخر باعتباره كافرا أو مشركا أو زنديقا أو منحلا أو عدوا ، ومن ثم لا يُتوقع منه إلا الشر والغل والتآمر ، بما يبيح هدر دمه أو اغتيال شرفه أو سمعته أو اعتباره .
لقد نجحت بعض الشعوب العربية في إسقاط الأنظمة الفاسدة المستبدة يوم امتلكت إرادتها ، ولكنها لن تستطيع أن تبني أنظمة جديدة رشيدة ديمقراطية إلا حين تمتلك وعيها . وكما هو واضح فإن امتلاك الإرادة بلا وعي لا يؤسس لشيء اللهم إلا إعادة إخراج المسرحية المبتذلة بوجوه جديدة ولكن بعقول قديمة ؛ وبسياسات قديمة ولكن بشعارات جديدة .
عزيزي القارئ العربي المسكون بنظرية المؤامرة .. 
المؤامرات الغربية الصهيونية الماسونية العالمية الخزعبلية هي بلا أدنى شك السبب في كل شرور  هذه المنطقة وهذا العالم. 
فاستمتع بشرب البوظة وأكل البالوظة بنكهة نظرية المؤامرة ، وابتهج بمنظر الزبالة الفكرية ورائحتها الذكية ، طالما ظلت حكوماتنا الرشيدة ونخبنا الأليطة منغمسة في الحرب الكونية اللوزعية المهلبية بالكبدة والملوخية .‏
..................
المراجع :
- د. محمد عبد السلام : نظرية المؤامرة : قواعد التفكير غير العلمي في المنطقة العربية .
http://www.ahram.org.eg/Archive/2006/1/24/FILE2.HTM
- د. محمد عبد السلام : نظـــرية المــؤامرة : أنماط التفكير التآمري في المنطقة العربية .
http://www.ahram.org.eg/Archive/2006/1/30/FILE2.HTM
.......
dr.mmahfouz64@gmail.com

02 نوفمبر 2015

حلم الرئيس .. وأحلام المصريين

د. محمد محفوظ .. يكتب : حلم الرئيس .. وأحلام المصريين

" .. واللهِ ما تحقق حلم ربنا أعاننا عليه .. "
من خطاب الرئيس السيسي بتاريخ 1 نوفمبر 2015

بدأ الرئيس ..
 بدأ الرئيس في خطابه الأخير ..
بدأ يتململ من الإعلام .
وبدأ يبرر فشل المحليات والوزارات .
وبدأ يرمي الكرة في ملعب الشعب .
باعتبار أن ما تحقق خلال 17 شهرا هو " حلم " .
نعم .. فقد وصف الرئيس ما تحقق خلال الـ 17 شهرا الماضية بأنه حلم .
ولكن يبدو أن جماهير الناس في أغلبها لا ترى هذا الحلم .
ربما لأنها لا تنام .. ومن ثم لا تزورها الأحلام .
أو ربما لأنها تراه ، ولكن ككابوس ، أو على أفضل تقدير كحلم مزعج .
يبدو الرئيس سائرا في الطريق نحو الإنكار .
وكأنه يبرر الفشل لكل من تولى منصب المحافظ أو الوزير أو رئيس الحي أو أي موظف حكومي صغير .
وتبدو تركة سنوات مبارك ، وتركة فوضى ما بعد 25 يناير ، وعشوائية الإعلام المتمددة مثلها مثل باقي العشوائيات المصرية ، تبدو هي جميعا المبرر الجاهز لتفسير عدم إحساس الناس بالحلم الذي يراه الرئيس .
عن نفسي .. سأجتهد لأرى الحلم الذي تحقق .
لإنني مازلت لا أرى أي مصلحة في تيئيس الرئيس ، أو تسويد الدنيا في وجه الناس .
ولا ارى أي مصلحة في الدعوة لثورة ثالثة ، كما يدعو إلى ذلك بعض المحبطين أو الغاضبين أو المتآمرين .. والله أعلم بالنوايا .
لن أدعو لذلك ، لأن الثورة كما خبرناها في واقعنا المقيم ليست مجرد مظاهرات أو احتجاجات أو اعتصامات ، بل هي انفجار شعبي جماهيري خطير ، يمكن في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة والقوى الداخلية أو الخارجية المتربصة أن يؤدي إلى فك مفاصل الدولة دونما أي قدرة على إعادة ربطها في الأجل السريع . 
وبالتالي ، سأظل أتعامل مع الرئيس حتى لو استمر في طريقه الذي أرى وبكل الأسف أنه مجرد " مباركية معدلة " . 
سأظل اتعامل مع الرئيس باعتباره رجل مرحلة يكفيني فيها حفاظه على عدم سقوط الدولة رغم ترهلها وفسادها وفشلها واستبدادها . فدولة مترهلة فاسدة فاشلة مستبدة أفضل من لا دولة على الإطلاق .
ولهذا لن أعادي الرئيس .. ولكنني سأعارضه . 
ولن أهاجم الرئيس .. ولكنني سأنتقده . 
ولكن .. لو خُيرت بين الحلم الذي يراه الرئيس ، وبين أحلام المصريين ، سأختار أحلام المصريين . 
أحلام المصريين .. بسيطة .. وليست " عملاقة " .
يحلم المصريون بشارع نظيف يخلو من تلال الزبالة وتسكنه البلاعات التي لا تبلعها ــ وانما تبتلع هي ــ مياه الصرف والأمطار .
يحلم المصريون بطريق سالك لا يخنقه تكدس المرور ولا تلعنه دماء المقتولين في الحوادث نتيجة انعدام الرقابة والمحاسبة وغياب النظام .  
يحلم المصريون بمحليات لا يعمل بها تنابلة السلطان أو زبانيته ، محليات تمنع إشغالات الطريق ومخالفات البناء والتعدي على المرافق العامة ، ولا تنجسها الرشاوي والصفقات والمحسوبيات .
يحلم المصريون بمواصلات عامة نظيفة آمنة منتظمة تحترم إنسانية الركاب وتكفل راحة المسافرين وتقضي على مهزلة الميكروباصات والتكاتك والتونايات .
يحلم المصريون بمدارس وجامعات تكون بضاعتها الرائجة هي العلم والمعرفة والمهارات المرتبطة بهما ، وليس الدروس الخصوصية والملازم والملخصات وكتب أعضاء هيئة التدريس .
يحلم المصريون بمستشفيات تقدم العلاج للمرضى والإسعافات للمصابين ، لا تسكنها القطط والفئران ، ولا يحكمها أطباء وطبيبات غلاظ القلوب وممرضين وممرضات كفوفهم مفتوحة لتنفيض جيوب العيانين . 
يحلم المصريون بشرطة عصرية مهنية محترفة تلبي المبادئ العالمية لحقوق الإنسان وكرامته ، وتحترم قواعد الاشتباك ومعايير القبض والاحتجاز ، وتحقق معدلات الضبط المناسبة للجرائم وكافة صور الخروج على القانون .
يحلم المصريون بمؤسسة عدالة ناجزة تخلو من الفوضى الإدارية وتكدس الدعاوى القضائية وطول أمد التقاضي لسنوات وعقود .
يحلم المصريون بشهر عقاري يخلو من التعقيد والفساد والتهييس الذي جعل الناس تكفر بتسجيل العقود وتلجأ لحيل الصحة والنفاذ والورق الضد والشيكات .
يحلم المصريون بسلع وخدمات بأسعار ــ لا تحتقر دخولهم ــ تحافظ عليها الدولة من خلال فرضها لهامش مناسب لأرباح المصانع والتجار والشركات .
يحلم المصريون بأشياء قد تبدو كثيرة ولكنها بسيطة ، أشياء أصبحت تلبيها كل الدول التي لم تعد تعتمد في وزاراتها ومحافظاتها ومصالحها على ذوي العاهات السياسية والإدارية وربما الإخلاقية . 
أحلام المصريين بسيطة .. ولكنها مازالت حتى الآن صعبة على الوزراء والمحافظين والمسئولين الذين مازال يعتمد عليهم الرئيس ويختارهم وفقا لمعايير عصر فات وربما مات ، ومن داخل صندوق تسكنه الميكروبات والحشرات .
أحلام المصريين بسيطة .. تكفلها لهم موارد بلدهم الغنية التي يبددها الفساد ويشتتها الفشل وانعدام الرؤية والارتباك .
أحلام المصريين بسيطة .. تحققت ومازالت تتحقق في كل الدول التي لا يحكمها الفساد والتسيب والإهمال .
أحلام المصريين بسيطة .. لا تحتاج إلا لمن يؤمن بها ويرعاها ويسقيها ويتابع نموها ويكفل لها الازدهار .
أحلام المصريين بسيطة ..  
ولذلك لو خُيرت بين الحلم الذي يرى الرئيس أنه قد تحقق خلال 17 شهرا ، وبين أحلام المصريين البسيطة التي لم تتحقق منذ 17 شهرا ، ومنذ عقود وسنين .. سأختار أحلام المصريين . 
سأختار أحلام المصريين ....
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

15 أكتوبر 2015

انتخبوا البلحة والجزرة وكوز الذرة .. والطرمبة .. والمكنسة الكهربائية

د. محمد محفوظ .. يكتب : انتخبوا البلحة والجزرة وكوز الذرة .. والطرمبة .. والمكنسة الكهربائية
السح .. الدح .. إمبوووو
أحمد عدوية

لم أصدق عيني عندما دخلت إلى الموقع الإلكتروني الخاص باللجنة العليا للانتخابات ، ووجدت قائمة بالرموز الانتخابية التي أعدتها اللجنة لكي يختار المرشحون للانتخابات رموزهم منها .
للوهلة الأولى إعتقدت إنني دخلت إلى موقع هزلي يسخر من الانتخابات ، أو إنني أطالع أحد منشورات برنامج باسم يوسف : البرنامج .
ولكن الحقيقة المريرة إنني كنت بالفعل داخل موقع اللجنة العليا للانتخابات .
أفردت اللجنة العليا المبجلة قائمتين للرموز الخاصة بالمرشحين . قائمة للرموز الخاصة بمقاعد النظام الفردي ، وقائمة للرموز الخاصة بمقاعد نظام القوائم .
قائمة النظام الفردي تتكون من 3 صفحات تضم 160 رمزا مصورا .
بينما قائمة نظام القوائم تتكون من صفحتين تضم 70 رمزا مصورا .
وباستعراض قائمة النظام الفردي ، وجدت من بين الــ 160 رمزا الرموز الآتية :
طائر البطريق - ورقة شجرة - هدهد - بوتاجاز .. يعني فرن - شوكة - طلمبة مياه .. يعني طرمبة - ريشة - مسطرة - مشط - ثمرة مانجو - شرشرة .. يعني منجل - صنبور مياه .. يعني حنفية - مكنسة كهربائية .. يعني مقشة بس بالكهربا - ملعقة - جزرة - حزام جلد - طبق طائر .. آه والله طبق طائر - ثمرة بلح - منشار - ثمرة كمثرى - مضرب تنس طاولة - فرشة أسنان - ثمرة موز - ولاعة - زهر طاولة - شنيور - خلاط سوائل - ثمرة رمان - بكرة خيط - كماشة - كوريك - شاكوش - ديك - عقرب - إطار سيارة - آلة مزمار .. يعني زمارة - دباسة - غزال - عصفور - مفك - لمبة جاز . 
أما قائمة نظام القوائم فوجدت من بين رموزها هذه الرموز :
هلب - لوزة القطن - ثمرة ذرة .. يعني كوز درة - مروحة سقف - مضرب تنس - براد شاي .
بالطبع نحن أمام كوميديا هزلية عليا ، بقدر علو وسموق وشموخ اللجنة العليا للانتخابات . 
ولكن السؤال غير الهزلي : من الذي أشار على اللجنة العليا المبجلة الموقرة بهذه المهزلة ؟!!!
ومن الذي أقنع مستشاريها الأجلاء الذين هم من بين قيادات السلطة القضائية ، بأنه لا تثريب عليهم من اعتماد تلك الرموز الهزلية باعتبارها تصلح لوصف المرشحين للعملية الانتخابية ؟!!!
ألم تتفتق الدماغ العالية للجنة العليا عن رموز أكثر تراجيديا من هذه الرموز الكوميدية العبثية ؟!!!
تخيل نفسك عزيزي القارئ مترشحا للانتخابات ، وحصلت على رمز طائر البطريق . تنزل بقى تتنطط وسط الناخبين ويشاوروا عليك ويقولوا : البطريق أهوووو .. البطريق أهووووو .
أو تخيل نفسك حصلت على رمز : طلمبة مياه ، يعني بقيت طرمبة رسمي . 
أو حصلت على رمز : مكنسة كهربائية ، يعني لا مؤاخذة بقيت مقشة لكن للأمانة كهربائية .
أو تصور نفسك حصلت على رمز : جزرة ، جزرة جميلة لونها برتقاني وراسها مسبسبة بقُصة خضرا مهفهفة . 
وإسهاما من اللجنة العليا في دفع الوطن المفدى لاقتحام عصر الفضاء ، يمكنك الحصول على رمز : الطبق الطائر ، لكي تقدم للناخبين فرص عمل في المريخ وزحل .. وطبعا نتيجتك في الانتخابات حتبقى زحل .
كمان ممكن تحصل على رمز : بلحة ، عشان لما تنزل تلتحم بالشارع العيال يزقلوك بالطوب ، ويهتفولك : ياحلوة يابلحة يامقمعة .
لكن طبعا لو عايز يبقى لك هيبة وسط جماهير الصنايعية والطبقة العمالية الكادحة يبقى تاخد رمز : الشنيور أو الكماشة أو الشاكوش أو المفك .
أما لو عاوز تاخد أصوات الفقراء والمساكين ، يبقى خد رمز : لمبة الجاز .. بس تبقى قابلني لو لقيت جاز .
ولو عايز يبقى وشك مكشوف وماتخبيش أغراضك الدنيئة وميولك الانتهازية اللوزعية ، يبقى خد رمز : الهلب أو المنشار أو العقرب .
أما لو كنت إخواني متخفي ، فخد رمز : إطار السيارة .. يعني فردة الكاوتش أو الإستبن ، تأسيا برئيسك الزياط مرسي العياط .
طبعا مش حتكلم عن لوزة القطن ..
ولا كوز الذرة ..
ولا براد الشاي .. 
ولا البوتاجاز ..
ولا زهر الطاولة ..
بالذمة .. مجلس نواب إيه اللي بيقول عليه المتعلمين بتوع المدارس والجامعات ومراكز الدراسات ، إنه حيبقى أهم مجلس في تاريخ مصر المعاصر وبعد ثورتين .. قصدي ساورتين .
طيب يبقى منظرنا إيه أمام الدول المتكدمة ، لو جت الطوبة في المعطوبة ، وكان رئيس المجلس رمز : البطريق ، ووكيله الأول رمز : كوز الدرة ، ووكيله التاني رمز : البلحة !!!
ورئيس اللجنة التشريعية رمز : الطرمبة ، ورئيس لجنة الأمن القومي رمز : فرشة السنان ، ورئيس الأغلبية البرلمانية رمز : براد الشاي !!!
تبقى دي انتخابات إيه بذمتكم .. غير انتخابات الكوكو واوا .. أو انتخابات بوجي وطمطم !!!
كل انتخابات .. قصدي انتحابات .. قصدي قفشات .. وانتوا طيبين ..
وبس خلاص .. على طريقة شعبان عبد الرحيم .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com
لينك موقع اللجنة العليا للانتخابات :https://www.elections.eg 
*****

20 مايو 2015

السيسي .. ونقص القادرين على التمامِ

د. محمد محفوظ .. يكتب : السيسي .. ونقص القادرين على التمامِ

http://albedaiah.com/articles/2015/05/20/89730

ولم أر في عيوب الناس شيئاً
كنقص القادرين على التمامِ
( المتنبي )

أما قبل .. فهذا حديث محب صبور  .
وأما بعد .. فإن التوقعات تكون على مستوى التقدير  .
والثقة تكون على قدر الحب والتوقير  .
ولكن تظل التوقعات مجرد أمنيات حتى تلامس أرض الواقع ودنيا الناس .
وتظل الثقة محض حسن ظن مالم يؤكدها ما تصل إليه الأعمال من حسن مآل .
ويظل الحب موطنه القلب ولكن يبقى العقل هو القائد والموجه وصاحب اللجام .
ولهذا يدخل السيسي وهو يقترب من إتمام العام الأول لرئاسته في هذه الزاوية التي توزن فيها الأقوال بميزان الأفعال ، وتقاس فيها الأحلام بمقاييس التحقق والإنجاز ، وتتوارى فيها العاطفة خلف ما يرصده العقل من مواطن الضعف والتقصير .
وتوضح موازين الأفعال ومقاييس التحقق والإنجاز ، بأن الطريق الذي يسير فيه السيسي تحكمه في الغالب الأعم 3 من المحددات المادية و 2 من المحددات المعنوية .
أولاً - المحددات المادية :
- المحدد الأول يتمثل في أن السيسي يري أن الأزمة التي تعاني منها مصر هي : أزمة تمويل ، ومن ثم فإن توفر التمويل هو الكفيل بتقديم الدفعة التي تساهم في حل مشاكل مصر المزمنة ؛ في مجالات التعليم والصحة والكهرباء والمياه والطرق والإسكان والزراعة والصناعة .. إلخ . وينطلق السيسي في تلك الرؤية من اتخاذه لدول الخليج باعتبارها النموذج العربي الإسلامي الشرق أوسطي الذي يؤكد بأن وفرة التمويل تؤدي إلى جودة الخدمات وارتفاع مستويات الرعاية التي تقدمها الدولة لمواطنيها . وأيضا من استيعابه لتجارب دول مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية باعتبارها جميعاً اعتمدت في انطلاقتها الأولى على التمويل الغربي سواء من مشروع مارشال أو ما كان على غراره .
- المحدد الثاني يتمثل في أن السيسي يعتمد على : إستراتيجية المحاور البديلة ، تحسباً لعدم التورط في مغامرة فك بكرة الخيوط المتراكبة المتعقدة وعدم الغوص في مستنقع المشاكل المزمنة المتراكمة ؛ التي استوطنت الجسد المصري على مدى العقود الماضية . وهذه الإستراتيجية في صورتها الأبسط ترى مثلاً بأن إنشاء طريق جديد أفضل من إصلاح الطريق القديم المتهالك . وبالتالي لا تنشغل هذه الإستراتيجية بمدى استقامة الخط بين النقطة أ والنقطة ب بل هي تؤسس لخط مستقيم يصل بين نقطتين جديدتين النقطة  ج  والنقطة  د  .
- المحدد الثالث يتمثل في أن السيسي يتبنى : منهج احترام المؤسسات ، انطلاقاً من خلفية عسكرية تعتمد على خبرة علمية في مناهج الإستراتيجية توفر قدرة على استقراء التهديدات والتربصات القائمة والمحتملة على المستويات الداخلية والاقليمية والعالمية . ولذلك تبدو المؤسسات في ظل هذا المنهج بمثابة الأركان التي ينبغي ضمان استقرارها وثباتها وعدم قلقلتها باعتبار تصدعها أو انهيارها هو الثغرة التي ستنفذ منها أدوات التربص وأي أطراف متآمرة .
ثانياً - المحددات المعنوية :
- يتمثل المحدد المعنوي الأول في : منهج الدعوة إلى القيم الأخلاقية الفاضلة والسلوكيات الراقية ، ويأخذ هذا المحدد مكانه إما في دعوات رئاسية مستمرة في الخطابات والتصريحات للالتزام بالأخلاقيات ، أو من خلال ممارسات رئاسية فعلية تتسم بالتواضع والسماحة وعفة اللسان وفضيلة الاعتذار والمصارحة والمكاشفة .
- ويتمثل المحدد المعنوي الثاني في الدعوة المستمرة إلى ضرورة : تجديد الخطاب الديني ، وهذه الدعوة تهدف إلى إنتاح خطاب ديني عصري يواجه فتاوى وممارسات التطرف والتشدد والغلو ، بما يضمن تجفيف منابع الإرهاب التي تتلفع بعباءة الدين .
.. هذه هي المحددات الخمسة المادية والمعنوية التي تمثل المعالم الرئيسية للطريق الذي يسير فيه السيسي ، بعض هذه المحددات أعلنها السيسي في خطبه وتصريحاته ، والبعض الآخر يتم استقراءه من واقع سياساته التي يتبعها في إدارة الدولة .
ونظراً لأنه لا يمكن تقييم تلك المحددات إلا في إطار السياق المحيط بالرئيس والذي يعمل في ظله . فإن المعادلة التي يمكن من خلالها تقييم تلك المحددات ينبغي أن لا تخلو من عامل هام ومحوري وحاسم وهو : الشعبية الجارفة والجماهيرية الكاسحة ، التي تحيط بالرئيس ويحظى بها عند قطاع كبير من المصريين .
وهذه الشعبية والجماهيرية ليست بمثابة تشريف وشرفة يتطلع منها الرئيس ليلوح لمحبيه ويستمع لهتافاتهم ، وإنما هي تكليف وكلفة باهظة الثمن ينبغي ترجمتها على أرض الواقع إلى سياسات تغير حياة هذه الجماهير  إلى الأفضل .
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام يتمثل في الآتي :
هل تم ترجمة تلك الشعبية والجماهيرية التي يحظى بها الرئيس ، بحيث تنعكس على مجمل المحددات التي تمثل معالم الطريق الذي يسير فيه ؟
ولعل الإجابة وبكل الأسف .. مازالت بعيداً عن نعم ؛ وأكثر قرباً إلى لا  . فحتى الآن لم يتم ترجمة تلك الشعبية إلى محددات تتضمن سياسات أو مناهج أو أساليب أو إستراتيجية تتلاءم مع زخم هذه الشعبية وقوتها وفيضها .
فالمراقب المسلح بأدوات الرصد والتحليل ، والمواطن المكابد لويلات العشوائية والفساد والتقصير ، كلاهما لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة محبطة مفادها أنه : حتى الآن لم تشهد أرض الواقع المرير مستويات مقبولة أو ملموسة من التغيير .
وبالتالي فإن الممانعة التي تسد الأبواب أمام التغيير ، تستدعي ضرورة تقييم المحددات التي ترسم معالم الطريق الذي يسير فيه الرئيس ؛ من أجل كشف ما يعتريها من خطأ أو قصور .
فالمحدد الأول الذي يتعامل مع الأزمة في مصر باعتبارها أزمة تمويل هو محدد ينبغي مراجعته ، إذ أن أزمة مصر في حقيقتها ليست أزمة تمويل بقدر ما هي : أزمة في إدارة وتنمية الموارد والأصول ، الموارد الطبيعية والبشرية والأصول العقارية والصناعية والتجارية والتاريخية التي تمتلكها بالفعل الدولة المصرية . الأمثلة التي توضح هذه الأزمة لا تحصى ، نختار منها مثلاًً  محلياً معاصراً  يتمثل في كل من : مستشفى سموحة الجامعي ومستشفى برج العرب الجامعي بمحافظة الإسكندرية ، فكلاهما كان قد تم افتتاحهما ورغم ذلك ظلا خارج إطار التشغيل لسنوات رغم تجهيزهما بكل المستلزمات والإمكانيات الطبية بتكلفة تصل لمليار جنيه للمستشفى الواحد . أما مشروع توشكي الذي ابتلع المليارات فهو نموذج فاضح صائح تعجز أمامه الكلمات  .
إذن ما كانت الأزمة في هذا الأمثلة المحلية المعاصرة أزمة تمويل ، وإنما أزمة في إدارة وتنمية الموارد والأصول أو بالأحرى إهدار الموارد والأصول وتبديدها . وقس على هذا المثل الآلاف والآلاف من الحالات الفاضحة المتبجحة التي يتسرب فيها التمويل - رغم توفره - في بلاعة مهولة ليس لها قاع اسمها : الفشل في إدارة وتنمية الموارد والأصول .
أما المحدد المادي الثاني الذي يتبني إستراتيجية المحاور البديلة بدلاً من أن يتبني إستراتيجيتين أكثر ملاءمة لظروف الواقع المصري ، وهما : إستراتيجية المحاور المتوازية ؛ أو : إستراتيجية المحاور المتشابكة المتكاملة ، باعتبار أن أي من الإستراتيجيتين يمكن أن تكون الأكثر توافقاً للتعامل مع المحددات المادية على طريق العمل الوطني ، بخلاف إستراتيجية المحاور البديلة التي هي الأكثر تناسباً مع المحددات المعنوية في ظل واقعنا الحالي .
وتعني : إستراتيجية المحاور المتوازية ، توزيع الاهتمام بصورة متوازية ، بما يعني - مثلاً - إقامة طريق جديد بالتوازي مع إصلاح الطريق القديم . بينما : إستراتيجية المحاور المتشابكة المتكاملة ؛ تهتم هي الأخرى بالطريقين القديم والجديد معاً ، ولكن مع ربطهما بالدائرة الواسعة لكل الأبعاد المتشابكة والمتكاملة لتحقيق التنمية الشاملة .
ولعل أكبر مثال على فشل إستراتيجية المحاور البديلة فيما يتعلق بالمحددات المادية ، يتمثل في التجربة المصرية المعاصرة الخاصة بإنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة التي تصل إلى 27 مدينة جديدة ؛ كانت جديدة فقط بمنطق الزمن ولكنها كانت عتيقة بمنطق الإدارة والتنمية الذي انتقل إليها من المدن الأم التي أهملت استراتيجية المحاور البديلة تطويرها ، مما أدى إلى أن تصبح معظم هذه المدن الجديدة مدناً هامشية ليس بمفهوم الجغرافيا فقط ، ولكن أيضاً بمفهوم التنمية الشاملة .
أما المحدد المادي الثالث الخاص بمنهج احترام المؤسسات ، فإنه رغم وجاهته في ظل الظرف الأمني الدقيق الذي تمر به مصر وهي تحارب الإرهاب ، إلا أن الاقتصار على التعامل مع المؤسسات باعتبارها هياكل تنظيمية دون توسيع دائرة الرؤية لكي يتم التعامل معها باعتبارها كيانات وظيفية تمارس دوراً وظيفياً محدداً في المجتمع ، هذا المنحى غير الصائب في التعامل مع المؤسسات هو الذي يجسم حالة الممانعة الداخلية المريرة التي تعطل أي محاولة لإصلاحها .
لذلك فإن المنهج الأجدر بالاتباع هو : منهج احترام الدور الوظيفي للمؤسسات . لأنه بينما يؤدي منهج احترام المؤسسات إلى تأكيد الحرص على استمرار وجودها ، فإن منهج احترام الدور الوظيفي للمؤسسات هو الذي يربط بين احترام وجودها وبين قيامها بدورها الوظيفي المنوط بها ، فإذا ما تخلت المؤسسات عن الالتزام بدورها أو أخلت به ، فإن التدخل الحاسم الجازم لإصلاحها حتى تقوم بما هو منوط بها هو الذي سيضمن استمرارها وليس .. تصنيمها .
ومن هنا فإن منهج احترام المؤسسات هو منهج يساهم في تصنيم المؤسسات ودعم عوامل الممانعة بداخلها لرفض أي إصلاح مؤسسي . بينما منهج احترام الدور الوظيفي للمؤسسات هو الذي يضمن فتح النوافذ والأبواب لتقبل الإصلاح والتطوير  والقضاء على عوامل القصور المتراكمة المتوارثة المزمنة . ولعل الأمثلة واضحة فيما يتعلق بالجهاز الإداري للدولة والمؤسسة الأمنية والمؤسسة القضائية ومؤسسة الكنيسة ومؤسسة الأزهر .. إلى آخر منظومة المؤسسات المصرية . فقد أدى منهج احترام المؤسسات إلى تصنيمها وتضخيم عوامل الممانعة للإصلاح المؤسسي الكامنة في صلب بنيانها .
.. ونصل الآن إلى تقييم المحددين المعنويين اللذين يمثلا معالم الطريق الذي يسير فيه السيسي .
وفي هذا المجال تبرز  إستراتيجية المحاور البديلة باعتبارها الإستراتيجية الأكثر ملاءمة للواقع المصري ، والتي ينبغي أن تحظى بالأولوية لتكون هي الجديرة بالاتباع لتحقيق الأهداف المنوطة بهذين المحددين .
فبالنسبة للمحدد المعنوي الأول الذي يتعلق بمنهج الإعلاء من القيم الأخلاقية الفاضلة والسلوكيات الراقية الذي يتبعه الرئيس من خلال التزامه بمسلك أخلاقي نبيل في أقواله وتعاملاته . فإن هذا المنهج رغم نبله ومثاليته يبدو بمثابة وضع للعربة أمام الحصان . ففي مجال القيم الأخلاقية ، فإن الاعتقاد بأن مجرد الاستمرار في الدعوة إلى الإيمان بالقيم الأخلاقية الفاضلة ، هو أمر سيؤدي بالضرورة إلى الالتزام بالسلوكيات الراقية ، هذا الاعتقاد لا يتفق مع الفهم العلمي المتراكم عن الطبيعة البشرية لعامة الناس . إذ أن الواقع يقرر بأن إنشاء نظام صارم وحاسم لإجبار الناس على الالتزام بالسلوكيات الراقية هو الذي سيؤدي بمرور الوقت إلى ترسيخ القيم الفاضلة في وجدان الناس ، طالما أصبحت هذه القيم تمثل الخلفية الفكرية التي لا تتصادم مع أسلوب حياتهم . بينما الدعوة المستمرة للالتزام بالقيم في ظل واقع يخلو من النظام ويتسم بالفوضى والعشوائية هو أمر لن يساعد على التمسك بأي سلوكيات راقية .
ومن ثم فإن السلوكيات الراقية لن تترسخ في المجتمع إلا من خلال تطبيق نظام قانوني صارم وحاسم يحمي وجودها ويجرم من خلال أساليب حديثة مبتكرة - تبتعد عن الأساليب العقابية التقليدية - حالات الخروج على هذه السلوكيات وعدم الالتزام بموجباتها . وبالتالي لن يعنينا في هذا المقام أن ننشغل بمدى إيمان الناس أو عدم إيمانهم بقيم محددة طالما يضمن النظام الالتزام بسلوكياتها المرتبطة بها .
أما المحدد المعنوي الثاني المتمثل في الدعوة إلى إصلاح الخطاب الديني ، فإنه يفتقر إلى نقطة الارتكاز الصحيحة التي ينطلق منها . حيث ينبغي أن تهدف الدعوة إلى : نقد الفكر الديني ؛ وليس إلى إصلاح الخطاب الديني . لأنه بينما يحمل مفهوم : الإصلاح ؛ معنى التقويم بما يفيد إمكانية التغليف الجيد لمنتج ردئ ، وهو المنهج الذي تتبعه المؤسسة الدينية إسلامية أم مسيحية لتجميل الظاهر دون الجوهر والباطن والمضمون . فإن مفهوم : النقد ؛ يحمل معنى التقييم ثم التقويم بما يفيد استبعاد المنتج الردئ والتغليف الجيد للمنتج الجيد . وبالتالي تبرز هنا إستراتيجية المحاور البديلة باعتبارها الأكثر اتساقاً مع منهج نقد الفكر الديني ، وذلك من خلال إنشاء محور بديل لا يعنيه التوازي أو التشابك والتكامل مع أي محاور إصلاحية أخرى تقوم بها مؤسسات لم تخضع لأى علاج حتى الآن لتتخلص من عقدة تصنيم دورها في المجتمع . وهذا المحور البديل سيتفرد بالاضطلاع بمهمة الدراسة النقدية للفكر الديني من خلال تدخل تشريعي يلزم المؤسسات التعليمية الدينية بإنشاء أقسام للدراسات النقدية للتراث داخل كلياتها ومعاهدها . ويتولى رموز التيار النقدي للتراث مهام التدريس داخل هذه الأقسام ووضع مناهجها ، الأمر الذي سيفضي بمرور الوقت إلى نمو العقلية النقدية داخل رؤوس طلاب تلك الكليات والمعاهد ، بما يساعد على نمو فكر ديني معاصر يكشف مدى رجعية وتحجر الفكر التراثي الذي يعتمد على علوم زائفة أو مناهج منقرضة .
........
بالطبع لا تمثل المحددات الخمسة السابق عرضها النموذج الجامع المانع لكل تفاصيل معالم الطريق الذي يسير فيه السيسي ، فقد تخرج بعض السياسات أو الأساليب أو الممارسات عن هذه المحددات . ولكن يظل الغالب الأعم منها يلتزم بها ، بما يجعلها المعلم الرئيسي الذي يلخص مجمل توجهات الطريق وعلاماته الإرشادية .
وبالتالي .. لو استمر السيسي في انتهاج ذات الطريق الذي تحكمه تلك المحددات ، فإن النتائج ستنخفض كثيرا عن مستوى التوقعات والطموحات . بما يعني بأن مصر لن تتقدم بخطوات واسعة إلى الأمام ، وإنما بخطوات بطيئة واهنة تقيدها أمراضها وأوجاعها المزمنة التي أهملها مشرط الجراح فتم اخضاعها للعلاج بالأدوية ، أو أهملها العلاج الدوائي فتم تسليمها للمشرط الجراحي .
إذن .. لن تتراجع مصر للخلف ، فزخم الثورة قد قطع الطريق على أصحاب الخطوات والأحلام والأوهام المتراجعة . ولكنها أيضاً لن تقفز للأمام طالما ظلت محددات الطريق قاصرة أو خاطئة .
ولذلك لو استمر الحال على ما هو عليه ، فإن التقدم في مصر سيكون ناتجاً عن التطور الديمقراطي التدريجي ، المتولد عن التداول السلمي للسلطة بين أحزاب متنافسة ، والفصل بين السلطات التي هي بطبيعة أدوراها غير متجانسة ومن ثم تراقب بعضها .
وأما عن الرئيس السيسي ، فإنه سيظل يتمتع بحب الجماهير دون نقصان فادح في شعبيته وجماهيريته . ولكن لا يبقى الحب مبهجاً ومحفزاً على العطاء إلا لو ارتبط بالتقدير ، بينما يمسي الحب باعثاً على الشجن وموسوساً على التخاذل لو انخفض به منسوب التقدير واهتزت به أعمدة الثقة .
سيادة الرئيس .. تمتلك بين يديك شعبية جارفة وجماهيرية كاسحة لم يتم ترجمتها حتى الآن إلى قوة دافعة تجعل مصر تفلت من أسر جاذبية الماضي لتنطلق بكامل قدراتها نحو المستقبل . وبالطبع طالما مازالت تتعثر الترجمة فإن هذا يعني بأن العيب ليس في النص الأصلي وإنما فيمن يقوم بالترجمة .
فمتى ستستعين ياسيادة الرئيس بمن يبرعون في فك مغاليق النصوص الشعبية الجماهيرية ويجيدون الترجمة ؟ بالطبع لا يمكن إنكار أنك بالفعل تستعين ببعضهم ، ولكن ربما تكون سياساتهم الرشيدة التي تجيد ترجمة مطالب الناس تضيع آثارها وسط المنظومة الكلية العصية على التغيير . وأزعم بأن وزير التموين أحد هؤلاء الذين يمكن الاعتماد عليهم للخروج من دائرة العبث المغلقة ، فهو يمتلك التفكير العلمي ويعتنق مبدأ الاعتماد على التكنولجيا لتنظيم خيوط أي منظومة مهما تعقدت . وفي تقديري فإنه الشخص المناسب للقفز بمصر الى الأمام في هذه المرحلة .
سيادة الرئيس .. مفاتيح الأمس لا يمكن أن تفتح أبواب الحاضر أو نوافذ المستقبل . ومفاتيح الأمس تتمثل في كوادر فاشلة أو فاسدة ، كما تتمثل في سياسات خاطئة أو قاصرة .
سيادة الرئيس .. رجال الدولة لا يجب أن يكونوا بديلاً عن رجال الثورة ، والثورة هنا لا تقتصر على المعنى السياسي وإنما تمتد إلى الثورة بمفهومها الشامل السياسي والاقتصادي والعلمي والإداري والتكنولوجي والديني . ولكن حتى إن كان رجال الدولة هم البديل المؤقت لضعف أو قصور في خبرة بعض رجال الثورة بشئون الحكم ودهاليز السلطة ، فإن على القائد مسئولية جسيمة في إلزامهم بالسير على صراط  الثورة وأهدافها.
وأخيراً .. فقد كان هذا حديث محب صبور ، تدفعه إحباطات الحب إلى التشبث بحبال الصبر ، أملاً في ألا يأتي اليوم الذي يغيب فيه عن هذا الحب عبير التقدير ، فيجد نفسه مضطراً للتأسي بأبيات .. المتنبي :
يُحبّ العَاقِلُونَ على التصافي .. وَحُبّ الجَاهِلِينَ على الوَسَامِ
وَمَنْ يَجِدُ الطّرِيقَ إلى المَعَالي .. فَلا يَذَرُ المَطيَّ بِلا سَنَامِ
وَلم أرَ في عيوبِ النّاسِ شيئاً .. كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com