07 أغسطس 2016

د. محمد محفوظ يكتب : #إنجازات_دوت_بـــِخ


خلي بالكم من التعبير " الإنجاز والتشكيك " .. 
في كل إنجاز حيتعمل حيبقى فيه تشكيك .
من خطاب الرئيس السيسي بتاريخ ٦ أغسطس ٢٠١٦

الإنجازات التي تشبه المعجزات ، أصبحت هي عنوان المرحلة ، وشعار دولتنا الموقرة.

فما كان يمكن لأشد الحاقدين أو الحانقين أو المتربصين ، أو المشككين وفقا لوصف الرئيس ، أن يتخيل هذا الكم من الإنجازات المعجزات التي أتحفنا بها أصحاب الفخامات والبركات ، لنصبح أمة تبني مشروعات بالمليارات ولا يحق لها التساؤل عن الإيرادات .

معجزة قناة السويس الجديدة التي يتم الاحتفال هذه الأيام بذكرى مرور عام على إنشائها . وكان قد تم تقديمها لنا باعتبارها سترفع دخل القناة ، وتم تقديمها للعالم باعتبارها هدية مصر للعالم . فحلت المعجزة نتيجة التباطؤ - الذي لم يكن مفاجئا - في الاقتصاد العالمي ، والانخفاض - الذي كان متوقعاً - في سعر البترول . وأبت القناة أن تحافظ حتى على دخلها ، بل انخفضت به عند حسابه بالدولار ، وارتفعت به ارتفاعا طفيفا عند حسابه بالجنيه ، حتى أصبحت عن حق وبصدق هدية مصر للعالم ، تمر بها سفنه بقدر أقل من الانتظار ، وبرسوم تدخل تحت عنوان : مهرجان التنزيلات في الرسوم والأسعار . وهو أمر معجز يمكن القياس عليه لفهم معجزة المشروعات القومية العملاقة التي تشبه الأشجار الضخمة في عدم تناسب ما تستهلكه من مياه مع ما تنتجه من ثمار . ولعل المقارنة بين لعبة إلكترونية مثل البوكيمون تمثل إيرادتها مليون ضعف تكاليفها ، وبين مشروعاتنا العملاقة ذات الجدوى الاقتصادية المجهلة ، لعل تلك المقارنة تثبت بأن اقتصاد تحيا مصر هو اقتصاد تديره الفهلوة ولا يُدار بالقلم والمسطرة . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة جهاز الكفتة المعروف حكوميا بجهاز علاج فيروس سي والأيدز . والموصوف إعلاميا بوصف الكفتة ، تيمناً بعبارة وردت على لسان مخترعه اللواء المكلف / إبراهيم عبد العاطي . فالجهاز المعجزة الذي تم الزعم بأنه عالج المئات وكان سيعالج الملايين ، اختفى هو ومخترعه والمروجون له والمتعالجون بموجاته الكهرومغناطيسية السحرية . اختفوا جميعا في ثقب أسود محلي يدل على معجزة كونية تم اصطفاءنا بها من دون كل أهل البرية . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة المؤتمر الاقتصادي الذي تمطع مثل الجبل ، وتم الإعلان بأنه نجح في توقيع إتفاقيات ومشروعات والحصول على قروض ومنح ومساعدات ، قيمتها عشرات المليارات ، ثم حدثت المعجزة وتبين أن الجبل - أقصد المؤتمر - أقرب إلى أن يكون عقيماً ولن يلد حتى فأراً . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة الدولار التي هي أم المعجزات . فبينما ينخفض سعر البترول في العالم إلى الحضيض حتي صار برميل البترول أقرب لسعر وجبة كنتاكي العائلية بالدولار . الأمر الذي انعكس عالمياً على كل السلع في صورة انخفاض في الأسعار . إلا أنه في دولتنا فإن المعجزة تأبى إلا أن تبهرنا بآياتها ، ويظل الدولار متعالياً يتجاوز هو وكافة السلع سقف كل الأسعار . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة تيران وصنافير التي ضربت بحجر واحد الدستور والأعراف الدولية وأسس السيادة الوطنية ، واستبدلتها بالوصايا العائلية . وبينما دولتان مثل قطر والبحرين تنتميان لمجلس التعاون الخليجي اختلفتا حول تبعية جزر بينهما فلجأتا لمحكمة العدل الدولية . إلا أن من يحكمونا أبوا إلا الرضوخ - وفقا لمبدأ التنازل والتسليم - لمطالب المملكة السعودية . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة تجديد الخطاب الديني التي جعلت من يستجيب للثورة الدينية التي أطلقها الرئيس ، ومن يتصدى لتطوير الأزهر كي لا يظل جامعة للعلوم الزائفة والمناهج المنقرضة ؛ جعلته يتبوأ زنزانته في غياهب السجون باعتباره من الزنادقة والرافضة والشياطين . بينما الذين صنموا الأزهر وجمدوه وينشرون الفتنة ويزدرون الديانات الاخرى ، مازالوا هم الثقاة المؤتمنون الذين يتربعون على مقاعد الفتوى ويرتدون أقنعة التقوى . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة اعتبار عام ٢٠١٦ عاما للشباب المصري ، تلك المعجزة التي نفخت الروح في جمعية شباب المستقبل لقائدها وراعيها جمال مبارك، بشبابها المدجنين المقولبين المهجنين بكروموسومات السلطة وجينات مصر المملوكية والهتاف بــ : " أوووو ماي جَاد " ، لينضووا بكل إعجاز واعتزاز تحت مظلة " البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة " ، بينما ينسحل وينسحق فرقاؤهم من الشباب الذي تظاهر أو انتقد أو عارض أو تألترس ، تحت بوابير زلط قانون التظاهر ، وتشيخ نضارتهم في متاهات المحاكم والسجون . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة النظام الذي استمد وجوده ثم شرعيته من الثورة على نظام شاخ وفسد وخان . فإذا به بمجرد الوصول للسلطة يعطي ظهره لكل الكوادر الثورية ورموز المعارضة الوطنية بدون استثناء ، بينما يجمع حوله كل كوادر النظام الساقط السابق ؛ من أعضاء وتلاميذ وأتباع ومريدي لجنة السياسات بالحزب الوطني الذي انحل قضاءً وانهدم بناءً ولكن مازالت عفاريته مسكونة بها كل مقرات السلطات . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة الإعلام بفضائياته وصحفه ورأيه العام ، الذي انتقل من خانة رفيق الثورة إلى خانة عدو النظام ، ثم يُراد له من خلال الأذرع الموالية الموجهة وصفقات البيع والشراء الممنهجة أن يكون بوقاً وطبلة وصاجات للنظام . وذلك من خلال قانون للإعلام الموحد ، تنسحب فيه كلمة الموحد من القانون لتمتد إلى الإعلام ، فيصير موحداً في القصد والتوجه والقلم واللسان . ولذلك كانت أولى بشائر المعجزة حصار نقابة الصحفيين ومحاكمة قياداتها ومحاولة شق صفها وضعضعة بنيانها ، لخنق المجال العام ليصير أضيق من ثقب إبرة لا تمرق منه إلا آيات التأييد وأكاليل التمجيد للحاكم والسلطان . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة التجاوزات الفردية في وزارة الداخلية التي تلوث دماء شهداء الواجب الذكية في مواجهة الجماعات الإرهابية . وتعاود حفر الهوة التي تم ردمها في ٣٠ يونيه بين الشعب والأجهزة الأمنية . ورغم أن الوزارة هجرت حصنها القديم وانتقلت من جوار ميدان التحرير إلى تجمعات القاهرة الجديدة ، إلا أن السؤال يظل معلقا في الآفاق : هل السياسات الأمنية العصرية المهنية الاحترافية تبوأت موقعها في مباني الوزارة الجديدة ، أم مازالت تعشش بها السياسات الأمنية العتيقة ؟ ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة السلطة القضائية التي منحها الدستور استقلالا كاملا عن السلطة التنفيذية ، ورغم ذلك لا تؤرقها خطيئة الحبس الاحتياطي الممتد والمتطاول في القضايا السياسية التي تنظرها النيابات والمحاكم المصرية . ولا تستفزها السرعة السلحفائية للفصل في الدعاوى والمنازعات القضائية . وبينما الكثير من هذه المنازعات يمكن الفصل في ملابساتها في جلسة واحدة ، إلا أن الإنجاز الإعجاز يجعلها تخضع لنسبية إينشتاين في تمدد الزمان والتواء " الزمكان " ، فتسقط في بئر النسيان . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة سقوط طائرة الركاب الروسية ومعجزة مقتل جوليو ريجيني المأساوية ، التي أثبتت بأنه يمكن تسويق الوهم للناس باعتباره هدية مجانية ، وشرعنة اللف والدوران والجري في المكان باعتبارهم ثوابت وطنية . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

معجزة البرلمان الذي يرتدي النقاب في مواجهة الإعلام ، ويخاطب  من وراء حجاب الرأي العام ، وأصبح الأصل في جلساته السرية وحظر البث . ويرأسه دكتور في القانون الدستوري نافذ الصبر فاقد الحلم لا يتحمل الجدل السياسي لــ " فمتو ثانية " ، ثم ينفجر في وجه كل من يعارضه أو يعارض السلطة التنفيذية . ولكن لعنة الله على المشككين اللئام أهل المكر والنقد الهدام .

ومعجزة تسريبات الثانوية العامة . ومعجزة الفساد والإهمال في صوامع القمح ونقاط الخبز ومنظومة السلع التموينية . ومعجزة التدهور والانهيار في مؤسساتنا الصحية . ومعجزة أحمد زكي بدر وزير تعليم مبارك والوزير الحالي للتنمية المحلية . ومعجزة أحمد أبو الغيط وزير خارجية مبارك والأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية. ومعجزة مشيرة خطاب وزيرة أسرة وسكان مبارك والمرشحة الحالية لرئاسة اليونسكو بتزكية الدولة المصرية . ومعجزات القمامة ، وفساد المحليات ، والزراعة ، والصناعة .. و .. و .

كثيرة إذن هي الإنجازات المعجزات في هذا العصر ، بما يجعل ذكرها على سبيل المثال وليس الحصر ، ويجعلها تحيط برقبة وذراعي وساقي مصر ، كجبال وتلال وهضاب من .. البِخ .. والنعر .. والفشر .

ولكن هل سنظل ننتظر المزيد من المعجزات الافتكاسية اللوزعية لسلطاتنا .. التنفيذية .. والتشريعية .. والقضائية .

بالتاكيد ، يمكن لـ " عصا موسى " عليه السلام ، أن تفضح كل معجزات الفراعين الوهمية بمعجزة حقيقية .
وكان يمكن لعصا ٢٥ يناير و ٣٠ يونيه أن تغرقا في بحرهما كل معجزات الديكتاتورية العسكرية والديكتاتورية الدينية .
ولكن مؤامرات المتعسكرين والمتأسلمين ، وسذاجة الثوريين ، أحرقت سفن الثورة علي شواطئ بحارها الوردية .

لهذا ، ربما نحتاج إلى سفينة نوح عليه السلام ، التي لا تحمل على ظهرها الذين ظلموا وفسقوا وخانوا وتخلوا . وتبحر في أمواج كالجبال وتنجو بركابها من كل العواصف الشيطانية .

ولكن .. حتى يأتي هذا الحين .. فإن منتهى ما نطلبه هو أن تؤسس حكومتنا الإعجازية موقعا إلكترونيا بعنوان : إنجازات دوت بِـخ   www.ingazat.pech
وذلك لتسجيل السبق لدولتنا في مجال إنجازات أشبه بالمعجزات ، كلها في البِـخ ، والفشر والنعر والهمبكة النفخية .

ولكن بشرط ، أن تسمح الحكومة لمنظمات المجتمع المدني العميلة الموجهة وفقا لأجندات الغرب الإمبريالية ، بأن ترد بموقع إلكتروني مضاد ، فتكتمل تجربة دولة البِخ الحديثة الديمقراطية . ويكون هذا الموقع المضاد بعنوان:
معجزات دوت كِـخ   www.mogezat.kech

وما بين الـ " بِـخ " والـ " كِـخ " ، على هذا الشعب أن يصمم ألا " يـنِـخ " .

قال تعالى : " .. أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً .. " . سورة النور / الآية ٣٩

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com




17 يوليو 2016

 د. محمد محفوظ يكتب : الانقلاب في تركيا بين الحقيقة والمسرحية ؟!

" ينبغي أن يكون لدينا دستور ديني
ولا مكان للعلمانية في هذا الدستور "
إسماعيل كهرمان - رئيس البرلمان التركي
بتاريخ ٢٥ إبريل ٢٠١٦

ما أحلى الانقلاب لو لم يسفر عن إسقاط النظام ، وانما تسبب في ترسيخ وتثبيت دعائمه !!!
وما أروع الانقلاب لو كانت نتائجه هي : تمرير كل السياسات التي تم الانقلاب عليها ، وتدمير المؤسسات التي كان يسعى الانقلاب للحفاظ على بقائها  !!!
وما ألذ الانقلاب لو كانت تتصدى لدباباته ومدرعاته وضباطه وجنوده ؛ قوات الشرطة بطبنجاتها وبنادقها الآلية ورشاشاتها  !!!
وربما يتحسر الملك / فاروق ، ملك مصر الراحل في قبره . لو كان يعلم بأنه كان يمكن لبضعة مئات أو آلاف - من قوات الشرطة وأنصار الملكية والباشوات والبكوات وملاك الأراضي - أن تقبض على حفنة الضباط الأحرار قبل أن يُسقطوا دولة الأسرة العلوية التي أسسها محمد علي .
ولكن ، هكذا صارت الأحداث في تركيا . وصار الانقلاب أشبه بلعبة البوكيمون الإلكترونية ، يتم مطاردة الذين قاموا به في شوارع السلطنة العثمانية الغابرة والسلطنة الأردوغانية المقبلة .
ولهذا سيستمر أردوغان وحزبه وإعلامه في مضغ اللبانة المروجة لأكذوبة مفادها : أن الشعب التركي هو الذي وقف في وجه الانقلاب العسكري ، الذي بدأ ١٥ يوليو ٢٠١٦ ، وفشل ولم يكتمل ومات رضيعا في مهده !!! وسيتم الإلحاح على تكرار مشاهد حصرية ومحدودة لتصدي مجموعات من المواطنين لبعض الضباط والمجندين المشتركين في الانقلاب ، والتعدي عليهم وعلى دباباتهم وآلياتهم .
ولكن الثابت أن الواقع يشهد بعكس ما يريد أردوغان وحزبه الترويج له . فلم تنقل شاشات الفضائيات أي تحركات لحشود جماهيرية كاسحة تفيض بها الشوارع والميادين في مواجهة القوات الانقلابية . وإنما نقلت هذه الشاشات صورا لمجموعات صغيرة متفرقة ، توضح عصبيتها المفرطة أنها من عناصر وكوادر حزب العدالة والتنمية المسلحين بأسلحة شخصية . ورغم أن هؤلاء جزء بالفعل من الشعب ، الا أن ولاءهم هو حصريا لحزب العدالة والتنمية وليس للأمة التركية .
ولهذا تثير الملابسات الغرائبية لهذا الانقلاب الذي يشبه الزوبعة في الفنجان ، تثير الشكوك والوساوس حول مدى تورط أو عدم تورط اردوغان وحزبه وحكومته في التخطيط والتدبير له ، لإطلاق يد حزب العدالة والتنمية في تغيير الهوية العلمانية للدولة التركية ، واستعادة الأيدلوجية العثمانية ، بعد القضاء علي آخر حصون الأيدلوجية الأتاتوركية المتمثلة في الدستور والجيش .
وهذه الشكوك والوساوس لا تنبع من أهواء نفسية أو شطحات عقلية ، وإنما من مقدمات منطقية تردد صداها في وسائل الإعلام الدولية .
فبتاريخ ٢١ مارس ٢٠١٦ ، نشر مركز أميركان إنتربرايز إنستيتيوت ، مقالا لمايكل روبن ، الكاتب حاليا والمسئول السابق بوزارة الدفاع الأمريكية . وكان المقال تحت عنوان : هل سيكون هناك انقلاب عسكري ضد أردوغان؟
وفي ٣١ مارس ٢٠١٦ نشرت قيادة الأركان التركية بياناً على موقعها الإلكتروني ، تناولت فيه ما قالت أنه : إدعاءات صحفية تطال المؤسسة العسكرية وتتعلق بمحاولة القيام بانقلاب عسكري ، وبوجود أفراد داخل المؤسسة العسكرية يتبعون لـ " الكيان الموازي " في إشارة إلى حركة "فتح الله جولن " . وقد نفى الجيش في البيان بشكل حازم نيته القيام بانقلاب عسكري في البلاد ، مؤكّداً أنّ الجيش التركي ملتزم بدستور البلاد ، ويعمل تحت إطاره في كل الظروف الصعبة في مختلف أنحاء البلاد من أجل حماية الشعب من المخاطر التي يتعرّض لها . كما أكّد البيان على أنّ الانضباط والطاعة غير المشروطة لعناصره وعلى عمله وفق مبدأ التسلسل القيادي ، هو ما يُمكّن الجيش بأن لا يسمح بأن يتم خرق سلسلة القيادة أو أن تتعرض للخطر .
أنظر : http://www.turkpress.co/node/20542
نحن إذن أمام انقلاب تتحدث وسائل الإعلام والمراكز البحثية عن إشاراته وبوادره . ويتحدث رئيس الأركان عن إستحالة وقوعه لانتفاء مسبباته وبواعثه .
ولكن رغم تلك الإشارات ونفيها ، يقع الانقلاب دون تمكن الأجهزة السيادية التركية أمنيا ومخابراتيا من رصده ، أو ضبط واحد أو اثنين من جنوده أو ضباطه .
والأغرب ، أن تلك القدرة الفذة للانقلابيين على الخداع التكتيكي وتأمين الاتصالات والاتفاقات فيما بينهم - وصولا إلى ساعة الصفر - تقابلها خيبة كبرى لذات الانقلابيين فيما يتعلق بمحدودية عددهم وضعف سيطرتهم وقلة إمكانياتهم وسرعة استسلامهم .
ولهذا ، فإن رفع الحقائق من على الأرض يوضح بأن الانقلاب الفاشل ربما لن يخرج عن مسارين افتراضيين :
المسار الافتراضي الأول : أن الانقلاب تم بعلم مسبق لدى أردوغان ناتج عن معلومات استخبارية تم رصدها والتاكد منها ومتابعتها . واختار أردوغان ترك حبل المؤامرة ممدودا وعدم قطعه ، لكي يلفه حول رقاب الانقلابيين بدلا من وأد الانقلاب قبل ميلاده . الأمر الذي يتيح له استخدام فزاعة الانقلاب ، لإطلاق يده ويد حكومته وحزبه في استكمال عملية تحويل ولاء الجيش التركي كله لحزب العدالة والتنمية ، وإنهاء الدور التاريخي للقوات المسلحة في حماية الهوية العلمانية لتركيا .
المسار الافتراضي الثاني : أن الانقلاب تم بإيعاز وتدبير وتخطيط من أردوغان نفسه وقيادات حكومته وحزبه ، من خلال عناصر تم دسها وسط الجيش لكشف البؤر والعناصر الانقلابية بين صفوفه ، ومن ثم تشجيع هذه العناصر على القيام بالانقلاب ، الذي تم الإيهام بتأكيد نجاحه من خلال الادعاء كذبا بوجود دعم غير محدود بين صفوف الجيش للانضمام للانقلاب حال انطلاقه .
.. والمحصلة ، تأسيسا على الفرض الأول أو الفرض الثاني ، أن انقلابا مثل الزوبعة داخل الفنجان ، سيؤدي إلى تقوية أردوغان وليس إضعافه ، وإكمال مخططه الساعي لأسلمة الدستور بعد عقود من علمنته ، ورئاسية النظام السياسي بعد عقود من برلمنته . ومن ثم استكمال سيطرة حزب العدالة والتنمية علي آخر حصون الأتاتوركية التي تمثلت في الجيش التركي بكل تشكيلاته .
ولكن ، إذا كان لا يجب أن نحبذ الانقلابات العسكرية لتغيير النظم السياسية الديمقراطية وإسقاطها . فإنه وبالمقابل ، لا يجب أن نتغافل عن تلاعب النظم الديكتاتورية بالأدوات الانتخابية لإرتداء أقنعة الديمقراطية ، وممارسة الاستبداد تحت شعاراتها .
وإذا كان يجب أن نحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها . فإنه بالمقابل ينبغي أن لا نتهاون مع دعم الدول الديمقراطية لنظم استبدادية ، لمجرد تحقيق مصالح مرحلية أو انتخابية ، سياسية كانت أم اقتصادية .
قد يكون أردوغان نجح من خلال " مسرحية " غير مسلية وفاقدة للحبكة الدرامية ، في تثبيت اسمه داخل سجلات الدولة التركية ، وسجلات السياسة الدولية ، بالإضافة لسجلات الدراما التركية .
ولكنه وبنفس القدر ، نجح في حجز خرابة له داخل مزبلة التاريخ الجهنمية . ليشغل مكانه المستحق بجوار العديد من رؤساء وأمراء وملوك وسلاطين من الأوباش الأوغاد المستبدين ، حُماة الفشل والفساد والإجرام واللصوصية .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

13 يوليو 2016

ماما " الدولة " وخالتي " هيبة " وعمتي " مؤسسات" .. والحاج " أزهر " وأنكل " عسكر " والبت " فردية "

د. محمد محفوظ يكتب : ماما " الدولة " وخالتي " هيبة " وعمتي " مؤسسات" .. والحاج " أزهر " وأنكل " عسكر " والبت " فردية "

تلتبس مشاعري نحو " ماما الدولة " . أحبها ، ولكنني لا أجزع من إمكانية رحيلها حنينا إليها أو إشفاقا عليها  ، وإنما خوفا من الفوضى وقلقا على المستقبل .
وهذا الالتباس في المشاعر ليس وليدا لعقدة نفسية . وإنما هو محصلة لممارسات " ماما الدولة " التي أحاطت نفسها بشلة لا أطمئن لها ولا أرضى عنها .
فقد قررت " ماما الدولة " منذ زمن أن لا تفارقها " خالتي هيبة " حتى صارتا كما يقول المثل المصري الأبيح : ..... في لباس . 
ورغم أن ملامح " ماما الدولة " لا تشي بسماحة أو شدة ، بغضب أو فرح . فإن "خالتي هيبة " لا يفارق وجهها المكتنز الأحمر ؛ العبوس والتجهم والامتعاض والاحساس بالقرف المزمن . 
ولعل طول وعرض " خالتي هيبة " وجسدها الممتلئ بلا ترهل ، وشعرها المشدود للخلف ليُظهر جبهتها العريضة المرتفعة وحاجبيها الملتصقين . كل ذلك يجعلها تبدو كبودي جارد أو فتوة يرافق " ماما الدولة " فينضح عبوسه وتجهمه وقوته عليها . ويضفي عليها سطوة ومكانة ومهابة .
ولكن ، إذا كانت العاطفة الأخوية هي التي جمعت بين " ماما الدولة " و" خالتي هيبة " . فإن ضرورات المصاهرة هي التي جمعت بين " ماما الدولة " و" عمتي مؤسسات " . ولئن كانت العلاقة المتوترة التي تجمع ببن الزوجة وأخت زوجها أو بين الأخت وزوجة أخيها هي عنوان التواصل أو التباعد بين الاثنتين . إلا أن كل منهما كانت تعلم بأنها لا يمكن أن تستغني عن الأخرى . 
فماما الدولة تعلم علم اليقين بأن " عمتي مؤسسات " هي رمز سلسال السلطة الذي امتد لها من " بابا الوطن " . وإنها العروة الوثقى للنسب الذي يجمع الأسر والعائلات والقبائل التي تسكن هذه الأرض . وإنها اليد التي تطلقها في الأنحاء والربوع لتمارس الإشراف والتنظيم والإدارة والرعاية . 
باختصار " ماما الدولة " توظف " عمتي مؤسسات " فيما لا تريد أن تتسخ به يديها ، بينما " عمتي مؤسسات " تلبس القفازات فتستمتع بممارسة السلطة بلا مسئولية . 
ولهذا وبمرور الوقت ، لم تعد " ماما الدولة " تهتم بمدى كفاءة وانضباط " عمتي مؤسسات " في القيام بوظائفها ودورها ، قدر اهتمامها باستمرارها وبقاءها وعدم غيابها . ولذلك مهما بدت الفوضوية والعشوائية في ممارسات " عمتي مؤسسات "  ، فإن " ماما الدولة " تصفح عنها وتغفر لها ، ولا تتطلع إلى استبدالها أو إعادة هيكلتها .
ولكن ، إذا كانت العلاقة بين " ماما الدولة " و" خالتي هيبة " و" عمتي مؤسسات " تتخللها كل هذه الالتباسات . إلا أنها تظل مفهومة داخل دائرة العلاقة بين مجموعة من النساء ، تجمعهن نون النسوة ، وتؤلبهن على بعضهن البعض تاء التأنيث . 
ولكن الذي لم يكن مفهوما لي أنا شخصيا ، وكان يجعل الفأر يلعب ويقفز داخل " عبي " ، هو العلاقة بين " ماما الدولة " و" الحاج أزهر " و "أنكل عسكر " . فهي علاقة تتعقد سبل فهمها ، أو سبر أغوارها ، أو تحليل مسارها . أو وصفها بأنها علاقة محترمة أم محرمة . 
والشهادة لله ، فإن " الحاج أزهر " كان بالنسبة لي فوق مستوى الشبهات ، برأسه التي تعلوها العمة ، وجسده الذي تكسوه الجبة تحتها القفطان ، ولحيته التي تغطي ذقنه وخديه . ولكن هذا لا ينفي أنني كنت ألمحه في بعض الأحيان ، يختلس ويختطف في هنّات كلمح البصر ، نظرات والهة ومغرمة نحو " ماما الدولة " ، وخصوصا عندما تنزوي به في أحد الأركان وتهمس له بحديث غير مسموع إلا لكليهما ، فيبادلها هو الآخر الهمس . 
إلا أن الغالب على مقام الحاج أزهر في حضرة " ماما الدولة " ، الاقتضاب في الكلام ، والاحتشام في البيان . 
أما علاقة " ماما الدولة " بــ " أنكل عسكر " . فهي العلاقة التي نغصت عليّ مقامي وأرقتني عن منامي . حيث تجاوزت الهمس في أحد الزوايا أو الممرات ، إلى اللمسات والغمزات والاحتكاكات والمماحكات في الجلسات والوقفات والحوارات . وكلما أعلنت لماما الدولة عن غيرتي وغضبي من هذه الجرأة غير المفهومة من " أنكل عسكر " ، كانت تنظر لي بإشفاق وتمرر يدها على شعري وتقول لي : أنت لسه صغير .. لما تكبر حتفهم كل حاجة .
إلى أن جاء اليوم المشئوم ، عندما عدت إلى البيت في غير موعدي . وفي طريقي لغرفتي وجدت " خالتي هيبة " تقف أمام باب غرفة " ماما الدولة " . واكتسى وجهها الأحمر تجهما واصفرارا عندما فوجئت بي . تكهرب الفأر داخل عبي فانحنيت ومررت بسرعة البرق من تحت ذراعها الذي كانت تمسك به مقبض الباب ، ودفعت الباب بكل قوتي . فانفتح على مصراعيه كاشفا السرير في منتصف الغرفة ، ترقد عليه " ماما الدولة " وفوقها " أنكل عسكر " .
أصابني الذهول ، وإذا بأنكل عسكر وهو مازال فوق " ماما الدولة " يمد ذراعه تحت المخدة ، ليُخرج ورقة ناولها لخالتي هيبة ؛ التي أخذت الورقة وسحبتني معها لخارج الغرفة .
كانت الورقة عقد زواج عرفي بين " ماما الدولة " وبين " أنكل عسكر " . وكان الشهود عليه رجل وامرأتان . " الحاج أزهر " ، و" خالتي هيبة " و" عمتي مؤسسات " .
ساءت حالتي بعد علمي بزواج " ماما الدولة " العرفي من " أنكل عسكر " . فهجرت البيت واستأجرت شقة مفروشة في حي شعبي . وتعرفت خلال تلك الفترة على " البت فردية " التي كانت تسكن فوق السطح بمفردها ، بعدما طفشت من منزل زوج أمها الذي كان يراودها عن نفسها . 
كانت " البت فردية " رقيقة ومسالمة . ولكن أكثر ما كان يميزها هو ذكاءها . ولما حكيت لها حكايتي ، أشارت عليّ بضرورة لجوئي إلى " طنط الثورة " الزوجة الاخرى لــ " بابا الوطن " وضرة " ماما الدولة " ، باعتبارها الوحيدة القادرة على ترسيم حدود وحواجز العلاقة بين " ماما الدولة " و" أنكل عسكر " . 
بفضل الله ، تمكنت من إقناع " طنط الثورة " بالعودة إلى المنزل وتطبيع علاقتها مرحليا  مع " ماما الدولة " لإقصاء " أنكل عسكر " عن المشهد . 
ولكنني لسذاجتي ، لم أهتم بحماية وتأمين " طنط الثورة " بعد عودتها ، وتركت الأبواب الخلفية للمنزل بدون حراسة . فتمكن " أنكل عسكر " من الاستعانة بــ " الواد إخوان " ومهد له الطريق ليتصدر المشهد ويتحدث كذبا باسم " طنط الثورة " ، حتى تمكن من تشويه سمعتها ، ثم في غفلة من الزمن أعلن " الواد إخوان " زواجه من " ماما الدولة " .
استشاط " أنكل عسكر " غضبا وغيظا ، وبدأ في مد جسور التواصل معي ومع " طنط الثورة " ، حتى نتوحد معا ونتمكن من التفريق بين " الواد إخوان " و" ماما الدولة " . 
وبالفعل ، نجح اتفاقنا . وتم طرد " الواد إخوان " من المنزل ، وفسخ عقد زواجه من " ماما الدولة " . 
ولكن سرعان ما نكث " أنكل عسكر " بكل وعوده ، وأظهر للعلن ورقة زواجه العرفي من " ماما الدولة " ، وأمر بطرد " طنط الثورة " من المنزل . 
ولم يكتف بذلك ، بل أوعز للجميع بأن علاقتي غير الشرعية بــ " البت فردية " هي السبب الكامن خلف تمردي ، ورفضي لزواجه من " ماما الدولة " ، وتواطئي مع " طنط الثورة " .
ومنذ ذلك الحين ، صارت كل الكوارث والمصائب والتجاوزات والانتهاكات والرشاوى والاختلاسات معلقة في رقبة " البت فردية " . وصرت أنا منبوذا في بيت " بابا الوطن " ، تحاصرني نظرات العتاب من " ماما الدولة " و" خالتي هيبة " و" عمتي مؤسسات " ، ونظرات الاستخفاف من " أنكل عسكر " ، بينما يتجاهلني " الحاج أزهر " . 
ولكن ، تفجرت الأوضاع عندما نشبت ذات يوم مشادة كلامية نارية بيني وبين " ماما الدولة " ، وأعلنت لها عن اشمئزازي من علاقتها بأنكل عسكر ، فهاجت وماجت وألقت في وجهي بقنبلة بيولوجية مفادها : أن " طنط الثورة " هي أمي الحقيقية التي ولدتني إلا أنهم أوهموها فور ولادتي بوفاتي . ثم سلموني رضيعا لماما الدولة التي نسبتني إليها ، وأوهمت " بابا الوطن " بأنها ولدت طفلين توأم ، أنا و" أختي وطنية " .
أصابني الاكتئاب والاحساس بالهوان والضياع ، وقررت مغادرة البيت إلى غير رجعة . ولكن لم تطاوعني نفسي بأن أغادر قبلما نلتقط معا صورة جماعية ، لأتطلع إليها كلما راودني الحنين لذكرياتي العائلية .
اصطفوا جميعا أمام الحائط المعلقة عليه داخل برواز كبير صورة " بابا الوطن " .  في المنتصف ؛ وقفت " طنط الدولة " وعلى يمينها ملتصقا بها " أنكل عسكر " يجاوره " الحاج أزهر " ، وعلى يسارها " طنط هيبة " تجاورها " عمتي مؤسسات " ، وفي أقصى يسار الحائط " البت فردية " محبوسة في قفص الاتهام . بينما ارتكزت أنا على ركبتي أمام " طنط الدولة " مرتديا تي شيرت مطبوعا عليه صورة " ماما الثورة ". 
ابتسم " الواد إخوان " إبتسامته الصفراء اللزجة وهو يصوب نحونا عدسة الكاميرا . ووجه لي الكلام بشماتة وسخرية قائلا : اضحك عشان الصورة تطلع حلوة .
 *****
dr.mmahfouz64@gmail.com

05 يونيو 2016

كشف حساب السيسي .. ٢٥ + ٣٠ = صفر .. التعلية على أساسات واهية

د. محمد محفوظ يكتب : كشف حساب السيسي .. ٢٥ + ٣٠ = صفر .. التعلية على أساسات واهية 

 " التعليم هياخد مدى زمني كبير للإصلاح
مش قبل ١٢ أو ١٣ سنة نكون حققناه ".
من حوار الرئيس بتاريخ ٣ يونيه ٢٠١٦

في الفيلم التسجيلي الذي أعده المكتب الإعلامي لرئيس الجمهورية بعنوان : مصر في عامين ، وتمت إذاعته بتاريخ ٣ يونيه ٢٠١٦ . 
وفي الحوار الذي امتد لقرابة ساعتين ، وأجراه الرئيس مع الإعلامي أسامة كمال في ذات التاريخ . 
قدم الرئيس السيسي كشف حساب ، عما قام به من إنجازات بمناسبة مرور عامين من فترته الرئاسية ؛ التي تنتهي عقب مرور عامين آخرين في ٨ يونيه ٢٠١٨ .
ولئن كان من حق الرئيس أن يعدد ما يراه قد تحقق من إنجازات في النصف الأول من عهده ، وفي ظل قيادته وعلى يد حكومته . 
فمن حق المعارضين السلميين - فعلا وقولا - الذين لم ترفع سواعدهم يوما سلاح الإرهاب أو تنطق ألسنتهم يوما بالشتائم والسباب ، من حقهم أن يعددوا ما رصدوه من إخفاقات للرئيس وحكومته . باعتبار أن دور المعارضة هو تعرية الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وتسليط الضوء عليه لتكتمل الصورة أمام جماهير المواطنين. 
وذلك انطلاقا مما أثبتته وأكدته التجارب المتواترة للدول الديمقراطية ؛ من أن تصدي المعارضة السلمية لكشف الفشل وفضح الفساد ورصد الإخفاقات ، لم يكن أبدا عامل هدم في مسيرة تلك الدول ، بل كان دوما عامل تقدم ونجاح ، وعامل تصويب مستمر للأداء ، وتنقية للسياسات من الشوائب والآفات . 
وبالطبع لم نكن في حاجة لانتظار فيلم الرئيس أو حواره لنتلمس إنجازاته أو نرصد إخفاقاته . فأرض مصر الواسعة وسواحلها الممتدة وأجواءها المترامية ، تشهد بما حاق بها من خير أو شر ؛ ومن إصلاح أو إفساد . 
ولكن يمكن القول بأن كشف الإنجازات الذي قدمه الرئيس يتضمن الآتي : 
- المشروع القومي لتنمية محور قناة السويس بما تضمنه من حفر تفريعة قناة السويس، وما سيتضمنه من مشروعات أخرى تتعلق بشرق التفريعة وميناء بورسعيد .  
- المشروع القومي لاستزراع ٤ ونص مليون فدان ، تبدأ مرحلتها الأولى بزراعة ١ ونص مليون فدان . 
- المشروع القومي لشبكة الطرق والكباري بطول ٥ آلاف كيلو متر .  
- المشروع القومي لتطوير شبكة الكهرباء وإنشاء محطة الضبعة النووية . 
- المشروع القومي لإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة . 
- المشروع القومي للإسكان الاقتصادي والاجتماعي والقضاء على العشوائيات . 
- المشروع القومي لمنظومة السلع التموينية وصوامع تخزين الحبوب . 
- الحملة القومية لعلاج فيروس سي . 
- البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة . 
- مشروع مدينة دمياط للأثاث ومدينة الروبيكي للجلود . 
- دعم وتقوية العلاقات الخارجية علي مستوى الدوائر الاقليمية والدولية .
- تطوير القدرات التسليحية كميا ونوعيا وإستراتيجيا ، وتنويع مصادر السلاح .  
- مكافحة الإرهاب وما يتم بذله من دماء وتضحيات . 
كانت هذه هي مجمل الصورة الشاملة للإنجازات التي يرى الرئيس وحكومته والمؤيدين لسياسته ، بأنها طفرات غير مسبوقة في تاريخ مصر ، بل كانت تحتاج لعشرين عاما لإنجازها .  
ولذلك علينا أن نبادر بطرح ٤ أسئلة دراماتيكية ، قد تساهم الإجابة عليها في تقييم مدى ثقل كل من الإنجازات والإخفاقات على كفتي ميزان التقديرات .  
والسؤال الدراماتيكي الأول الذي ينبغي أن نسأله يتمثل في الآتي :  
- هل جمال مبارك كان سيقول ويفعل غير ما يفعله ويقوله لنا الرئيس السيسي ، لو تمكن من وراثة الحكم من أبيه ولم تقم ثورة ٢٥ يناير ؟ 
في تقديري ، كان جمال مبارك سيقول نفس ما يقوله الرئيس وسيفعل ذات ما يفعله الرئيس ، ويستعين بنفس الرجال والنساء الذين يستعين بهم الرئيس .  
فجمال مبارك ما كان ليفعل شيئا يختلف عما فعله أبيه ، أكثر من الحفاظ علي ذات النظام ولكن بوجوه جديدة ، وتكرار ذات السياسات ولكن بشعارات مختلفة . 
ولعل نظرة سريعة إلى برنامج الحزب الوطني الديمقراطي لانتخابات مجلس الشعب لعام ٢٠١٠ ، ستوضح بأن منهج السيسي هو ذات منهج جمال مبارك ، ولذلك فكل المشروعات القومية التي افتتحها السيسي كان سيفتتحها جمال مبارك مع اختلاف بسيط ، يتمثل في تغيير اسم الرئيس على لوحة الافتتاح . 
وبالتالي ، فالرئيس السيسي لم يفعل حتى الآن إنجازا ما كان ليفعله جمال مبارك . وإذا كان البعض يرى بأن الرئيس يتفرد بإنجاز جديد يتمثل في : زيارة الكاتدرائية المرقصية، وركوب الدراجات ، والتصوير وسط الشباب ، والحديث العاطغي عن الشعب والمرأة والشهداء والتضحيات . فإن الرد بأن كل ذلك تسويق لذات البضاعة ولكن بغلاف جديد يناسب الأحوال والمقتضيات . 
أما السؤال الثاني الأكثر دراماتيكية فيتمثل في الآتي : 
- هل كان محمد مرسي سيقول ويفعل غير ما يقوله ويفعله الرئيس السيسي ، لو لم تقم ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ ، واستمر في الحكم لنهاية فترته حتي ٣٠ يونيه ٢٠١٦ ؟ 
والإجابة : أليس كل الشباب الثوري - السلمي - كان بالضرورة سيقبع في سجون مرسي، مثلما يقبع الآن في سجون السيسي . 
أليس جزءً من سيناء كان مرشحا للانضمام إلى غزة في عهد مرسي ، مثلما انضمت جزيرتي تيران وصنافير للسعودية في عهد السيسي . 
أليس قِسماً من وثائق مصر السيادية السرية كان سيظل يتسرب إلى قطر بعلم مرسي ، مثلما تم استخدام جزء من الوثائق المصرية السيادية السرية لتبرير تبعية تيران وصنافير للسعودية بعلم السيسي  . 
أليس مجلس النواب الذي سيطر عليه الإخوان ومن بعده مجلس الشورى لدعم مرسي ، لا يختلف كثيرا عن مجلس النواب الذي يسيطر عليه إئتلاف دعم الدولة لدعم السيسي. 
أليس الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب في نظام السيسي ، هو مجرد نسخة مكررة من الدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس النواب في نظام مرسي . 
أليس حصار نقابة الصحفيين وترويع مجلسها في ظل صمت عميق من السيسي ، مثل حصار مدينة الإنتاج الإعلامي في ظل صمت ثقيل من مرسي  . 
أليس استبعاد كتاب ومذيعين نتيجة الضغط علي مؤسساتهم الإعلامية في عهد السيسي ، هو نفس ما كان يحدث في عهد مبارك ، وذات ما كان سيحدث في عهد جمال مبارك لو استقر على الكرسي ، وعين ما حدث وكان سيستمر يحدث في عهد مرسي لو استمر علي ذات الكرسي . 
أليس توريط باقي السلطات لتهجر حضن الدولة وتتأبط ذراع النظام ، من خلال تذويب الفواصل بينها ودفعها إلى التواطؤ مع بعضها . أليس ذلك هو خطيئة مبارك التي استفحلت ، وخطة مرسي التي تحطمت . ورغم ذلك يعيد النظام الحالي بناء جسور التواطؤ التي ظننا عقب ثورتين أنها تهدمت . 
أليس ..  وأليس ..  وأليس ... 
أما السؤال الدراماتيكي الثالث فيتمثل في :    
- هل بمثل تلك الإنجازات تتثبت الأوطان وتعلو في مدارج التحضر والإنسانية ؟ 
والإجابة بكل بساطة ، بأنه لو كانت الإنجازات الحقيقية بعد عامين من حكم السيسي أو بعد ٣٠ عاما من حكم مبارك ، أو الإنجازات الافتراضية بعد ٦ أعوام من حكم جمال مبارك أو بعد ٤ أعوام من حكم مرسي .. لو كانت هذه الإنجازات تتمثل في الطرق والكباري ، والإسكان الاجتماعي ، والرقعة الزراعية ، والكهرباء التقليدية والنووية ، ومنظومة التموين والخبز والسلع الغذائية .. فكل ذلك بدون استثناء فعله مبارك من قبل ، أو وضع أفكار وقواعد فعله جمال مبارك وحوارييه . ولكن كل ذلك لم يحم نظام الأب والابن من السقوط ، لأنهما احتقرا الديمقراطية ، واستخفا بالمعارضة ، واستعانا بعصا الأمن لمواجهة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .  
أقام مبارك بنية طرق وكباري مهولة ، وبنية اتصالات سلكية ولاسلكية متقدمة ، ومشروعات عملاقة في توشكي وشرق العوينات وغرب السويس ، ومنتجعات سياحية عالمية في شرم الشيخ والغردقة . وأنشأ مدنا جديدة وموانئ ومطارات ومحاكم ومدارس وجامعات . وعزز وجود مصر الدولي في دول الست قارات من خلال شبكة عالمية من القنصليات والسفارات . ووقع مئات وآلاف المعاهدات والاتفاقيات . وتحصَّل على مئات مليارات الدولارات واليوروهات من المنح والمساعدات .  
٣٠ عاما من التحديث ؛ المقتصر على البناء والإنشاء ، المتغافل عن تطوير نظم الإدارة بجودة الأداء وكفاءة التشغيل ومكافحة الفساد ، المعادي للعدالة والحريات باعتبارهما مزايدات .  
وبالطبع كل ما فعله مبارك من انجازات ، كان سيكرره جمال مبارك لو مضى قطار التوريث ، وكان سيفعله مرسي لو قضى سيف التمكين . 
 لكن الأوطان لا تتثبت أساساتها إلا بالديمقراطية ، القائمة على العدل والحرية ، واحترام الاختلاف والتعددية .

الحكومة التي تتطلع إلى بناء الدولة الديمقراطية الحديثة ، تبادر أولا إلى تمهيد الطريق بالديمقراطية ، لتسير عليه قاطرة التحديث التنموية ، بوقود العدالة والحرية . 
أما المجتمعات التي تدير عجلة التحديث التنموية  ، بينما تفرغ عجلة الديمقراطية من هواء العدالة والحرية ، فإنها قد تنجح في بناء المباني والمرافق إلى حين ، ولكنها تفشل في ضمان الاستقرار والأمن وبناء الإنسان . 
يتموضع الاتحاد السوفيتي في التاريخ الحديث ؛ باعتباره القلعة الضخمة التي قادت التحديث بالتصنيع والاستزراع والإنشاء والتسليح التقليدي والنووي ، بل وبأسبقية الدوران حول القمر . ولكنه يتموضع أيضا بوصفه المستنقع الأسود لقمع الحريات واختراق العدالة واحتقار الديمقراطية ، ومن ثم كان مصيره سقطة ساحقة ماحقة مدوية . 
وتتموضع الصين كقوة صناعية تجارية ديموجرافية استثنائية ، ولكنها لو لم تصحح المسار لتلحق بركب الحقوق والحريات وترفع أقواس الديمقراطية ، فسوف يكون مصيرها التفسخ والانحدار في الهاوية السوفيتية . 
ولذلك ، ورغم كل إنجازات مبارك قامت الثورة في ٢٥ يناير ، واستمرت في ٣٠ يونيه ، لبناء الديمقراطية وليس للتحايل عليها ، أو للتفاوض على أي من عناصرها تكون له الأولوية . 
ولذلك أيضا ، تبدو إنجازات السيسي بعد عامين وكأنها استكمال لنفس السطر الذي انتهى عنده مبارك ، مع محو بالأستيكة لكل المطالب الثورية .  
فالواقع يقرر بأن ٩٩ ٪ مما يفعله السيسي لم يطالبه به الشعب . 
بينما ٩٩ ٪  مما لم يفعله السيسي هو الذي يطالبه به الشعب . 
مايفعله السيسي ربما كان سيكون مهضوما - بعلبة فوار - لو كانت رئاسته في ظل ظروف طبيعية . 
ولكن ، عندما تكون رئاسته بعد ثورتين ، فليس عليه إلا أن يتصدي قبل كل شيء لحل مشاكل الناس المزمنة اليومية ، ويغلف كل ذلك باحترام العدل والحرية . 
لم تقم الثورة لأن الكهرباء كانت شحيحة أو تنقطع في عهد مبارك . ولو أنها وللأمانة ما كانت مقطوعة ولا ممنوعة . 
ولم تقم الثورة لأن قناة السويس كانت فرعا واحدا . ولو أنها وللأمانة امتلكت تفريعتها الأولى في عهد الرئيس السادات . 
ولم تقم الثورة لأن المصريين يتحرقون إلى عاصمة إدارية جديدة أو مفاعل نووي أو حاملة طائرات .. أو .. أو .. . 
ولم تقم الثورة لأن مبارك لم يكن يطلق المشروعات العملاقة ، ولم يكن يزرع الصحراء ، ولم يكن يبني عشرات آلاف المساكن ، ولم تكن له علاقات خارجية مستقرة مع معظم دول العالم .  
ولكنها قامت لأن كل ما فعله مبارك كانت تنقصه الكفاءة وتخاصمه الجودة ويسكنه الفساد ، بسبب غياب العدل وكبت الحريات . 
وإلا لو كان الانجاز يعني فقط كل ما يفاخر به الرئيس من إنشاءات ، فليترشح إذن اللواء كامل الوزير في الجولة القادمة للانتخابات الرئاسية .  
ولو كان الإنجاز محوره الانتهاء من حفر تفريعة قناة السويس أمام الاسماعيلية ، أو كان مضمونه ما يتم التسويق له بأنه معجزة الكهرباء الأسطورية ، فلنجري قرعة إذن بين الدكتور محمد شاكر والفريق مهاب ماميش لنختار واحد منهما لرئاسة مجلس الوزراء . 
ولذلك أتحسر على حال المواطن الذي سيشاهد فيديو : مصر في عامين الذي أطلقه المكتب الإعلامي للرئيس في كافة وسائل الاعلام . فبينما سينبهر بالموثرات المرئية والجرافيكية والصوتية والتصوير والمونتاج والإخراج . إلا أنه عقب نهاية الفيديو سيخرج إلى بلكونته أو يطل من شباكه ، فيطالع أكوام الزبالة المتعفنة المتراكمة على جنبات الطريق ، وفوضى المرور الطاحنة في نهر الطريق ، وكم الإشغالات المزمنة على الرصيف ، والعقارات المجاورة التي تم بيعها ثم هدمها لكي تتحول إلى أبراج بدون ترخيص . وسيشرد للحظات فيتذكر .. الدعوى القضائية التي رفعها في المحاكم ومازالت محلك سر منذ سنوات . والمحضر الذي حرره لتعرضه للسرقة ولم يتم ضبط السارق أو المسروقات منذ سنوات .. و .. و .. . 
وسيبحث هذا المواطن أثناء تعامله مع مؤسسات الدولة في قادم الأيام ، عن خطوة واحدة تمت على طريق إصلاح هذه المؤسسات التي يقول الرئيس بأنه تمت إستعادتها وأنه يجاهد لعدم سقوطها والحفاظ على مقدراتها . ولكنه لن يجد هذه الخطوة قد انطلقت أو حتى أوعزت بالانطلاق . ببنما تنطلق في سماء مصر الرافال ، وتتهادى على مياه بحارها الميسترال .
وبالتالي ، فإن الإنجازات المقتصرة - في غالبيتها على الإنشاءات ، المخاصمة للعدل والحريات ، المتغافلة عن إيجاد حلول - أي حلول - لما تعطن وتعفن من مشكلات . هي إنجازات ستأكلها حتما هذه المشكلات التي تتوالد وتترعرع في كنف غياب العدل . عدالة التوزيع وعدالة التوظيف وعدالة إنهاء المنازعات . عدالة لا تعرف التمييز بسبب الجنس أو الدين أو حزبية الانتماء . وهي أيضا إنجازات ستبتلعها المشكلات التي تتثبت وتتجذر وتترسخ في ظل قمع الحريات . حرية العمل الحزبي والنقابي . حرية المجتمع المدني . حرية الإعلام . حرية النقد والتعبير . حرية الإبداع . حرية البحث الأكاديمي والابتكار . حرية الاعتقاد . 
الحكمة الباقية تقرر ، بأنه لا يمكن إنجاز أي تعلية فوق مبنى أساساته متصدعة متضعضعة واهية ، لأن النتيجة الحتمية ستكون انهيار المبنى وسقوطه بكل ما تم فوقه من تعلية . 
ولكن للأسف ، لا يأبه الرئيس السيسي بالأساسات ، بل ينطلق لسطح المبنى ليباشر التعلية ، وإن حانت منه إلتفاتة للأدوار السفلية والبدروم ، فهي لمجرد ترميم الحوائط وبياضها دون أدنى اهتمام بتقوية الأعمدة .  
ولذلك ، يطل علينا برأسه السؤال الدراماتيكي الرابع والأخير .. وهو : 
- لماذا لا يأبه الرئيس بتصدع الأساسات ويستمر في التعلية ، متجاهلا أهداف ثورة أولى وثورة ثانية ؟  
ولعل الإجابة لا تمثل تفتيشا في النوايا ، ولكنها - وبكل أسف - ناتجة عن تحليل لواقع الحال من عدة زوايا .  
وذلك الواقع يقرر بأن ٢٥ يناير في عرف السلطة الحاكمة ، هي مجرد مؤامرة . 
بينما ٣٠ يونيه في عقل السلطة الحاكمة ، هي مجرد إجهاض للمؤامرة . 
وبالتالي ، الثورة الأولى وضعت دولة ٥٢ في وضع إنسحاق . 
أما الثورة الثانية فكانت لاستعادة السلطة - مرة أخرى - لصالح دولة ٥٢ صاحبة الاستحقاق . 
وهذا يوضح بأن أهداف ٢٥ و ٣٠ لا تدخل ضمن حسابات سلطتنا الحاكمة .
ولذلك ، فإن قاعدة انطلاقها هي ٢٤ يناير ٢٠١١ ، وفزاعتها المنتصبة لتكريس مخاوف الشعب وهواجسه هي ٢٩ يونيه ٢٠١٣ . 
------ 
التساؤلات الدراماتيكية قد تكون مربكة ولكنها لازمة ، لكون إجاباتها تضع النقاط فوق الحروف المظلمة ، وتفصح عما هو مخفي أو مكبوت بين السطور المعتمة .

كشف حساب السيسي إذن ، هو نموذج للتعلية على أدوار واهية . والنتيجة : سقوط البناء كله على رأس السلطة ورؤوسنا .   
ولذلك سواء بعد عامين أو ٤ أو ٨ أو هلم جرا .  
يمكن اختصار كل ما سبق في المعادلات الآتية :  
- كشف حساب السيسي : ٢٥ + ٣٠ = صفر
أو بعبارة أخرى : 
كشف حساب السيسي : ٢٥ يناير + ٣٠ يونيه = ٢٤ يناير + ٢٩ يونيه 
أو بعبارة أخيرة : 
كشف حساب السيسي : التعلية + أساسات واهية = سقطة ساحقة ماحقة مدوية
 *****
dr.mmahfouz64@gmail.com


21 مايو 2016

السيسي .. من جوار " حارة اليهود " بالجمالية .. إلى " شيخ عرب " السلام مع إسرائيل بقصر الاتحادية

د. محمد محفوظ يكتب : السيسي .. من جوار " حارة اليهود " بالجمالية .. إلى " شيخ عرب " السلام مع إسرائيل بقصر الاتحادية

" .. واسجد واقترب  "
سورة العلق - الآية ١٩

تبدو المسافة بحسابات المكان صغيرة جدا بين حارة اليهود ؛ وحارة البرقوقية بحي الخرنفش بمنطقة الجمالية حيث نشأ الرئيس السيسي . 
كما تبدو المسافة بحسابات السياسة قصيرة جدا ؛ بين القدس الغربية وقصر الاتحادية . فمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية أسست لتقارب سياسي قد يبدو باردا من وجهة النظر الشعبية ، ولكنه على أقل تقدير متعادل حراريا من وجهة نظر السلطة الحاكمة المصرية .
ولاشك ؛ بأن نشأة الرئيس السيسي بالقرب من حارة اليهود بالجمالية ، وعدم خوضه لحرب ضد إسرائيل لتخرجه عام ١٩٧٧ من الكلية الحربية . لا شك بأن كل ذلك يساهم في توازن نظرته للدولة الإسرائيلية التي يراها الكثير من المفكرين والمثقفين والسياسيين - حقا أم باطلا - بؤرة الصهيونية الماسونية وصنيعة الإمبريالية العالمية .
وحتما ؛ يشعر الرئيس بالامتنان للدولة الإسرائيلية ، عندما يقارن بين حدود مصر المخترقة من جانب حماس الفلسطينية العربية الإسلامية ، وحدود مصر الآمنة المنضبطة من جانب إسرائيل العبرانية اليهودية .
ولكن قريبا من أو بعيدا عن كل ما سبق ، فإن ثمة تحليلات متعددة ينبغي تدارسها ، لإلقاء المزيد من الضوء على مفاجأة الرئيس المدوية بشأن الدعوة لتحريك القضية الفلسطينية . وهي :
١ - فاللافت للنظر ؛ أن مصر مازالت تدار بعد ثورتين بذات الطريقة المثلى الفرعونية . لأنه من الواضح أن الرئيس مثلما فاجأ الرأي العام بالحديث من جنوب مصر عن المشكلة المزمنة على حدودها الشرقية . فقد فاجأ أيضا على الأرجح حكومته برئيسها ووزرائها ، وكأنهم وزراء منتسبين في هذه الدولة لا صوت ولا شورى لهم ، بل مجرد سكرتارية . 
كما فاجأ الرئيس مجلس النواب ؛ الذي سبق وأن انتفض ضد الإعلامي والنائب المعزول توفيق عكاشة لاستضافته في منزله لسفير الدولة الإسرائيلية . إلا أنه بالطبع لن ينتفض ضد مفاجأة الرئيس بحسبانها وفقا لتخريجات الترزجية تدخل ضمن الأعمال الرئاسية لا النيابية . 
وبالتالي ؛ وبذات منهج السياسات الفوقية العلوية الملكية السلطانية  المناقضة لكل مقومات الدولة الجمهورية . فإنه مثلما سقطت مسألة جزيرتي تيران وصنافير على رؤوس الجميع كفزورة : حزر فزر .. مصرية أم سعودية ؟!! فقد قفزت في وجه الجميع مبادرة الرئيس لتحريك المياه الآسنة الراكدة في مستنقع القضية الفلسطينية .
٢ - لا يبدو الوضع الإقليمي الراهن بتدهوراته الكارثية مواتيا لإنجاز حل عادل للقضية الفلسطينية . ففي ظل التردي العربي في متاهات التخلف أو التطرف ، وفي أتون الحروب الأهلية المشتعلة داخل بعض الدول عقب ثوراتها الشعبية ، وفي ضوء الانقسام الفلسطيني بين غزة الحمساوية الإخوانية ورام الله الفتحاوية ، فإن أي مفاوضات بشأن القضية ستصب في جانب الطرف الأقوى المتماسك بآليات الديمقراطية ، وهو : الدولة الإسرائيلية .
ولكن ؛ قد يبدو مجرد السير في طريق المفاوضات أو حتى على أقل تقدير الترويج لبعض المبادرات لتزييت مفاصل السلام الصدئة . قد يبدو بالنسبة " للبعض " بمثابة بروباجندا إعلامية خاطفة رابحة ؛ أكثر منها مسيرة سياسية مستمرة صادقة . ومن هؤلاء البعض الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند .
فالرئيس الفرنسي يعاني من تدني شعبيته نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية التي انقلبت إلى تظاهرات واحتجاجات صدامية ، ونتيجة هجمات باريس الإرهابية التي وجهت بوصلة الناخبين صوب سياسات الأحزاب اليمينية الحانقة على الفرنسيين من أصول إسلامية . 
ولهذا سعى أولاند لحمل راية تحريك القضية الفلسطينية من خلال إعلانه عن رغبة فرنسا في عقد مؤتمر دولي يضم الأطراف المعنية . وذلك لكي يحقق غرضين : الأول ، مداعبة مشاعر الدول والشعوب العربية ، ومن ثم فتح باب خزائنها للصفقات الاستثمارية الفرنسية فترتفع كفة الاقتصاد الهابطة أمام الناخب الفرنسي . والثاني ، مغازلة الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية بورقة القضية الفلسطينية ، بما يضمن توجيه أصواتهم له في الانتخابات الرئاسية القادمة ولكتلته الاشتراكية . 
ولعل ذلك التوجه للرئيس الفرنسي يفسر خلفيات زيارته الأخيرة لعدد من الدول العربية . ويكشف عن سر الحميمية الزائدة في تعاطيه مع الرئيس السيسي . فصفقة حاملتي الطائرات الميسترال ومن قبلها صفقة الطائرات الرافال ومن بعدها عدد من الصفقات في مجالات النقل والطاقة والقمر الصناعي للاتصالات العسكرية . بالإضافة إلى مفاجأة السيسي - التي هي بالطبع ليست مفاجئة لأولاند - بشأن دعوته لتحريك القضية الفلسطينية . كل ذلك يفسر بأن الشو الانتخابي والبيزنس ، وليس الحل السياسي ، هو المستهدف لدى البعض من فتح باب الزيارة لغرفة العناية المركزة للقضية الفلسطينية ، حتى في ظل الانشغال الأمريكي بسباق الانتخابات الرئاسية .
٣ - تبدو حركة حماس في أضعف حالاتها بعد القطيعة مع النظام السوري وحليفه الإيراني ، وبعد سقوط نظام الإخوان في مصر ، وبعد بدء التقارب التركي الإسرائيلي . ولذلك فإن المنطق البسيط يقرر بأن هذه هي اللحظة المناسبة للضغط علي حماس لرأب صدع الانقسام الفلسطيني ، وأيضا لضمان تنازلها عن منهاج التشدد في أي اتفاق فلسطيني إسرائيلي لإقامة الدولة الفلسطينية . 
ولكن هذا المنطق البسيط يجانبه الصواب ؛ لابتعاده عن الفهم الصحيح لذهنية جماعات تيار الإسلام السياسي التي تعوض الضعف السياسي أو العسكري بالعناد الجهادي والهوس المذهبي . بما يجعل هذه الجماعات غير معنية مبدئيا بإيجاد أي حل للقضية الفلسطينية ؛ في ظل حكومات عربية تراها هي بمنظورها الجهادي حكومات كافرة طاغوتية عميلة للدولة اليهودية . 
ولذلك من مصلحة حركة حماس وكل من يقف معها علي خط نار الإسلام السياسي ؛ استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية ؛ ومن ثم استمرار إثارة مشاعر الجماهير الإسلامية ضد العدوان على المسجد الأقصى والمقدسات الدينية . أملا في إسقاط الحكام العرب وإقامة دولة الخلافة الإسلامية التي ستقود المعركة المقدسة لفك أسر الأرض المباركة من دنس الدولة اليهودية .
وبالتالي ؛ فإن التكهن بأن ضعف حماس السياسي يمكن ترجمته لمنطلقات عملية لحل القضية الفلسطينية هو بمثابة مراهقة سياسية . حيث ستحاول حماس اقتناص كل المكاسب لابتزاز الأطراف الراعية للتفاوض لتجاوز كبوتها المرحلية ، وتحويل المفاوضات إلى متاهة عبثية ، لا تهدف منها إلا إلى الإيعاز بتفريط حركة فتح ومحمود عباس في الثوابت الفلسطينية .
٤ - إن بعض التحليلات* تنحو إلى بدء دوران عجلة الشرق الأوسط الجديد بقيادة إسرائيل ومصر وتركيا والسعودية ، في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيعية . ولذلك فإن إنجاز حل للقضية الفلسطينية سيكون بمثابة التدشين للـ " نيو ميدل إيست " برعاية غربية ، لكبح جماح طموحات آيات الله العسكرية والتوسعية .
ولذلك ؛ تبدو القضية الفلسطينية - ومعها جزيرتي تيران وصنافير - مجرد بيدق علي رقعة الشطرنج الإقليمية التي تتجهز لترتيبات جديدة وجدية ، يتحالف فيها أحفاد إبراهيم من صلب إسحق وإسماعيل - عليهم جميعا السلام - في مواجهة دولة العجم الفارسية .
ومن ثم ؛ فإن المنطقة تتحضر لكي يحل السلام والوئام بداخلها ، وينتقل الاشتعال إلى حدودها الشرقية الفارسية ، بهدف إضعاف دولة الملالي الشيعية ومن ثم إنجاح جهود تقويض مرجعيتها الدينية ، ليكتمل تأمين حدود الشرق الأوسط الجديد من  الجبهة الشرقية . 
ولهذا ؛ فإن حل القضية الفلسطينية يصبح خطوة من المتوجب إنجازها لتأسيس " النيو شرق أوسطية " . 
......
ولكن مهما تعددت التحليلات واعتدلت أو تطرفت في توقع السيناريوهات ، فإن نجاحها في بعض الأحيان يكون في طرحها للتساؤلات ، أكثر من تقديمها للإجابات .
ولعل القضية الفلسطينية بطبيعتها " الطينية " التي غرزت فيها أو تاجرت بها الكثير من القيادات والزعامات على مدى بات يقترب من السبعين عاما ، هي جاهزة للمزيد من الغرز وربما الطمر ، والمزيد من المتاجرة وربما الهزل . 
وبالتأكيد فإن الدعوة للسلام ليست محل لوم أو سخرية . فالله جل جلاله هو السلام ومنه السلام ، ويدعونا إلى السلام والسعي إليه والعون عليه . ولكن ما يدعونا إلى التشكك أو التحفظ ؛ هو أن بعض الذين يرفعون راية دفع المتخالفين أو المتقاتلين إلى السلام ، لا يلزمون بذلك أنفسهم في مواجهة مخالفيهم ومعارضيهم وخصومهم . فيأمرون الناس بالبر ، بينما ينسون أنفسهم ، وهم يغلقون على معارضيهم .. السجون .
ولهذا لا عجب ؛ في أن رداء مشيخة العرب ؛ دائما ما يمتلك - بالنسبة للبعض - مقومات الإغراء ، لا سعيا إلى السلام ، وإنما توقا إلى السلطة أو الإطراء أو الأضواء . 
فقد سبق أن ارتداه الملك فاروق في العام ١٩٤٨ فكانت نهاية الأسرة العلوية . وسبق أن ارتداه الرئيس جمال عبد الناصر فكانت في العام ١٩٦٧ نكسته القومية . وسبق أن ارتداه الرئيس السادات فكانت في العام ١٩٨١ خاتمة مسيرته الدرامية . وسبق قبل ما يقل عن ثلاثة قرون أن ارتداه شيخ العرب همام فكانت في العام ١٧٦٩ مأساته التاريخية .
مشيخة العرب ، لمن " سجد ولم يقترب " ، نهاياتها سوداوية . 
ولكن البعض يقرأ البدايات وينسى قراءة النهايات ، لظنه بأنها ينبغي أن تكون وردية ، أو علي أسوأ تقدير ... رمادية. 
*****
*  للمزيد حول الشرق الأوسط الجديد .. انظر : عقيد / محمد عبد الرحمن ، إرهاصات الشرق الأوسط الجديد .
http://www.bwabetmsrelmhrosa.com/news2095-إرهاصات-الشرق-الأوسط-الجديد.html
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com


17 مايو 2016

د. محمد محفوظ يكتب : الدولة البوليسية

يتردد مصطلح الدولة البوليسية كثيرا في أوساط المثقفين ، وفي الحوارات والكتابات الإعلامية ، والمؤتمرات والمنتديات والأوراق البحثية .


ويتم تداول المصطلح باعتباره وصفا للدولة القمعية ، إلا أنه في حقيقته يمثل توصيفا علميا لمجموعة من الممارسات السلبية الرديئة الفاسدة في مجال الإدارة السياسية ، لتتحول إلى إدارة أمنوسياسية ( أمنية / سياسية ) .


وبالطبع ، فإن كل دولة بوليسية هي دولة قمعية ، ولكن ليس بالضرورة كل دولة قمعية هي دولة بوليسية ، ما لم تستخدم الأدوات وتنتهج الأساليب والممارسات التي ينبغي توافرها لكي تكتسب الدولة هذا التوصيف ، بحيث يصبح عنوانا لمنهجها في الحكم والإدارة .

وهذه الإدوات والأساليب والممارسات التي تتسم بها الدولة البوليسية .. تتمثل في الآتي :


١ - فالدولة البوليسية ، هي الدولة التي تلتبس فيها العلاقة بين نصوص القانون وبين التجاوزات والانتهاكات التي تمارسها الاجهزة الأمنية في المجتمع ؛ حيث تذوب الحدود الفاصلة بين الاثنين ؛ الأمر الذي يجعل ما تفعله هذه الأجهزة أو ما تريده هو بمثابة القانون ، مهما تعارض أو تصادم معه .


وبالتالي ، يرتبط تنفيذ القانون في الدولة البوليسية بالتعليمات الفوقية التي تسمح أو لا تسمح بتنفيذه ؛ ولا يرتبط بقوة القانون الذاتية المجردة .


ولهذا يصبح القانون أحد أدوات السيطرة والبطش ، وليس المحاسبة وتحقيق العدل . فالقانون قد يصبح نافذا وحاضرا للنيل من الخصوم ، أو غائبا لتلفيق التهم لهم . أو معطلا للتعمية على فشل الدولة وفسادها واستبدادها ، وضمان إفلاتها من العقاب والمساءلة .


الأمر الذي يجعل الدولة البوليسية - وللمفارقة - دولة منفلتة أمنيا ، وفقا لمفهوم الأمن الاجتماعي والاقتصادي . بينما هي دولة متمترسة أمنيا وفقا لمفهوم الأمن السياسي .


ولذلك تسمح الدولة البوليسية بحرية الفوضي الاجتماعية والاقتصادية . 

بينما تترصد أي معارضة سياسية أو مظاهر احتجاجية . ولا يتم ذلك الترصد بالقوات الخاصة وقوات مكافحة الشغب وعناصر الشرطة السرية فقط ، بل تتم الاستعانة بمجموعات من البلطجية لإبعاد شبهة الانتهاكات عن الأجهزة الأمنية ، في مقابل غض الطرف أمنيا عن كل ممارسات الخروج عن القانون التي ترتكبها تلك المجموعات من البلطجية .


ولهذا يبدو القانون وفقا لهذا التوصيف بالدولة البوليسية كخيوط العنكبوت ، تتعثر فيه الحشرات الضعيفة بينما تعصف به الوحوش الكاسرة . والحشرات الضعيفة هنا - وياللعار - هم رعايا الدولة البوليسية ، بينما الوحوش الكاسرة هم حكامها وأجهزتها السيادية ودوائر النفوذ والقوة بها أياً كانت مسمياتها .


٢ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تترك معظم المشكلات سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية .. إلخ ؛ لكى تتفاقم حتى تتحول إلى مشكلات أمنية ، بما يحتم استدعاء جهاز الأمن للتدخل والتصدي لها ومواجهتها بحلول أمنية ؛ تميل بالطبع نحو أساليب القمع والبطش والتنكيل ؛ وفقا لمنهج إطفاء الحرائق وليس القضاء على مسببات اندلاعها . 


ولذلك تكون الحلول التي تسفر عنها التدخلات الأمنية مرحلية ؛ لأنها قد تخفي مظاهر الاحتجاج المترتبة على هذه المشكلات ؛ ولكنها لا تمنع من تصاعد الغضب حتى يحدث الانفجار مرة أخرى .


فمنهج الدولة البوليسية في علاج المشكلات بالعصا الأمنية يتوقف عند حد مواجهة العرض وليس معالجة المرض ، مجابهة نتائج المشكلات وليس وأد مسبباتها . 

ولذلك هي دولة تطارد البعوض ولا تجفف مستنقعات توالده وتكاثره .


٣ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تجعل الترشح للمناصب الحكومية الهامة في كافة مؤسساتها باختلاف أنشطتها ؛ مرتبطا بموافقة الأجهزة الأمنية ؛ حتى لو لم يتم النص في القوانين على ذلك .


ونظرا لأن ميزان الأجهزة الأمنية يقيس الأفضلية بمعيار الثقة لا بمؤهلات الجدارة ، فإن أهل الولاء تصبح لهم الأولوية دوما عن الأكفاء .


وبالتالي ، هي دولة معنية دائما بتصنيف مواطنيها ما بين ( الأنصار والأعداء ) ، ( الموالاة والمعارضة ) ، ( أهل الشر وأهل الخير ) . فلا يفوز بمناصبها إلا هؤلاء المحسوبون عليها لا ضدها ، المنغمسون في حبائلها لا المعزولون عن دوائر رضاها واسترضائها .


ولهذا تصبح السيرة المطلوبة لأي منصب هي السيرة الشخصية لا السيرة الوظيفية . فلا القدرات الفنية أو العلمية أو التخصصية هي المحل للتقدير والاعتبار . وإنما يحل محلها السيرة الشخصية المتعلقة بالموالاة السياسية والخضوع الوظيفي ، باعتبارها عنوان الجدارة وموجهات الاختيار .


وللمفارقة ، فجواز المرور الأمني لمناصب الدولة البوليسية لا يتناقض في أغلب الاحوال مع السمات السلبية في السيرة الشخصية ، وخصوصا ما يتعلق منها بنقاط الضعف المسلكية أو الأخلاقية . بل هو متناغم معها باحثا عنها محتفيا بوجودها . باعتبار أن كافة النقائص الأخلاقية والنوازع الدونية هي مفاتيح للتحكم والسيطرة ، يمكن استثمارها لضمان استغلال مواطن الابتزاز لدى أي شخصية في حال تمردها أو خروجها عن القواعد المرعية غير المعلنة .


٤ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تقوم بتخصيص نسبة كبيرة من المناصب الحكومية على اختلاف تخصصاتها النوعية لرجال الأمن . 


ولذلك يمتد داخل دولاب عملها طابور من رجال الأمن المتقاعدين إسميا ، المجندين عمليا لصالح أجهزتهم الأمنية . الأمر الذي يوفر عينا أمنية راصدة وقبضة بوليسية متنفذة داخل كل المرافق . بما يضمن تكريس موارد الدولة لخدمة مصالح النظام ، وضمان تسكين مؤيدي الدولة أو تابعيها أو مرشديها ومخبريها في كل مستويات اتخاذ القرار .


وللمفارقة ، فإن هذا ( الذراع الأمني ) داخل كافة المرافق الحكومية يكون راعيا وحارسا لكل مظاهر الفساد ، بما يوفر دائرة موثوقة لتجنيد الفاسدين وابتزازهم من أجل استخدامهم كعيون لرصد أي متمردين محتملين داخل بنية مؤسسات الدولة وأجهزتها .


٥ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تسند الكثير من الأنشطة المجتمعية غير الأمنية إلى الأجهزة الأمنية . 


ولذلك تزدحم وتتضخم الهياكل التنظيمية لوزارة داخليتها وباقي أجهزتها الأمنية ، نتيجة تحميل هذه الهياكل بإدارات ومصالح تمارس أعمالا وتخصصات ليست لها أي صفة أمنية ، كان ينبغي - وفقا للمقتضيات الرشيدة من منظور قواعد التنظيم والإدارة - أن يتم إلحاقها بوزارات أخرى تدخل هذه الأعمال ضمن نطاق اختصاصها .


بل ، ويتطور الأمر في الدولة البوليسية إلى حد السماح للأجهزة الأمنية بإنشاء منظومتها الاستثمارية الخاصة بها والتي تمتد لكافة الأنشطة الاقتصادية وتصب أرباحها داخل موازنتها . بما يجعل من تلك الأجهزة لاعبا في ساحة كعكة الاقتصاد المحلي ، ومن ثم يحتم وقوعها في مصيدة تضارب المصالح بين مسئولياتها الأمنية وطموحاتها الاستثمارية .


علاوة علي ذلك ، فإن الأنشطة المجتمعية التي تفلت من التبعية التنظيمية للمؤسسات الأمنية لا تفلت من التبعية الترخيصية لها . حيث يتم ربط الكثير من هذه الأنشطة بموافقات وجوبية ينبغي صدورها عن الجهات الأمنية للبدء في هذه الأنشطة أو الاستمرار فيها . وذلك دون الاستناد غالبا إلى نصوص من القانون تستوجب ذلك .


الأمر الذي يقسم الكثير من أنشطة المجتمع ؛ إلى الآتي :

- أنشطة غير أمنية تتولاها حصريا الجهات الأمنية . 

- ‏أو أنشطة غير أمنية لا يتم الترخيص لمزاولة نشاطها إلا بموجب موافقات أمنية مسبقة . 

- ‏أو أنشطة غير أمنية تدخل ضمن المنظومة الاستثمارية لأجهزة الأمن .


وبذلك ، يصبح المجتمع بمؤسساته رهن القبضة الأمنية ، تنظيما .. أو ترخيصا .. أو استثمارا .


٦ - والدولة البوليسية ، هي الدولة التي تضع عينا أو قدما أو ذراعا او أصبعا أمنية، داخل التنظيمات الحزبية ، أو النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني ، أو المؤسسات الإعلامية .


ولا يقتصر ذلك على استخدام الوسائل التكنولجية للمراقبة غير القانونية لأنشطة هذه الجهات ولأسرار الحياة الشخصية لأعضائها ؛ لاستغلال ما يتوفر من معلومات لتصفية هذه الجهات وأعضائها معنويا أمام الرأي العام . 


بل يمتد الأمر  إلى تجنيد عناصر يتم انضمامها لتلك الجهات بغرض نقل أخبارها واتجاهات أعضائها ؛ وترتيب سيناريوهات لإحداث وقيعة داخل صفوفها ؛ تمهيدا لحلها أو إرباك نشاطها نتيجة الصراعات بين أجنحتها .


أو من خلال إنشاء الدولة البوليسية لكيانات حزبية أو أهلية أو إعلامية تابعة لها ، أو وضع يدها على كيانات قائمة أصلا ، لتخترق بها ساحة الحياة الحزبية أو ساحة منظمات المجتمع المدني أو الساحة الإعلامية. 


ولقد تطور الأمر في ظل الفضاء الإلكتروني الناجم عن شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، حيث بدأت الأجهزة الأمنية بالدول البوليسية في إدخال التحديث على أساليبها المتعلقة بإرباك الرأي العام أو تأليبه أو تخديره ؛ من خلال ما يسمى باللجان الإلكترونية التي تدار بمعرفة هذه الأجهزة ، لنشر الشائعات ، والاغتيال المعنوي للشخصيات ، والإرهاب النفسي للمعارضين باستهدافهم بالسباب والتجريس والاستهزاء .

.... .....


كانت هذه هي المظاهر أو الممارسات التي تتسم بها الدولة البوليسية .. 


ولكن ، قد تتعقد وتلتبس ملامح الدولة البوليسية ، عندما تنبثق من داخل دولة تخضع لحكم المؤسسة العسكرية ، فيظهر نمط الإدارة الأمنوعسكروسياسية ( أمنية / عسكرية / سياسية ) . 


حيث تنفتح دائرة المناصب الحكومية لكي تضم قطاعا كبيرا من المتقاعدين ذوي الخلفية العسكرية . بما يقلص كثيرا من الكوادر المدنية داخل بنية الدولة التنظيمية . ويصبغ مؤسساتها بصبغة عسكرية تضاف إلى الصبغة الأمنية بما يجرف طبيعتها المدنية . 


علاوة على اقتطاع جانب أكبر من الكعكة الاقتصادية لبناء المنظومة الاستثمارية للمؤسسة العسكرية التي تؤمن بقاءها في الحكم من خلال ترسيخ قاعدتها الاقتصادية .


إلا أن المأزق العسير الذي تواجهه الدولة البوليسية حتى لو كانت تقودها المؤسسة العسكرية ، يتمثل في أن نفاذ الأجهزة الأمنية بالدولة البوليسية للكثير من الأنشطة والمؤسسات ؛ يؤدي إلى تجرؤ هذه الأجهزة واستقوائها بصلاحياتها الأمنية ، وانفلاتها وارتكابها لحماقات كارثية ؛ تؤلب عليها باقي مؤسسات الدولة بما فيها حتى المؤسسة العسكرية . 


بما يؤدي بمرور الوقت إلى اططفاف هذه المؤسسات في جانب ؛ وأجهزة الأمن المنفلتة المتجرئة في جانب آخر .


علاوة على أن تجنيد الأجهزة الأمنية لخدمة أهداف النظام مع تخليها عن دورها في تحقيق الأمن بالمجتمع ؛ يخلق فجوة واسعة بينها وبين غالبية مكونات المجتمع ، بما يرسخ النظرة لها باعتبارها العصا الغليظة للسلطة المستبدة الفاشلة ، والعين المتغافلة عن حماية أموال الناس وممتلكاتهم وأرواحهم وأعراضهم .


الأمر الذي يعمق الشرخ بين الأجهزة الأمنية والمجتمع بغالبية مواطنيه أو مؤسساته . وينذر بحدوث انفجار ، بالطبع لا تصب نتيجته في صالح استمرار الدولة البوليسية .


ولعله من الواضح ، أن بولسة المجتمعات الحديثة أو عسكرتها هو أمر يتناقض مع الطبيعة المنفتحة للحضارة الإنسانية الراهنة ؛ التي تؤدي منجزاتها التكنولجية إلى تجاوز الحدود والأسوار ، وتعدد الآراء والأفكار ، ومن ثم تعميق الحقوق والحريات .


ولذلك ، فإن الدولة البوليسية بكل منطلقاتها ، هي دولة تحمل داخل أحشاءها بذرة فناءها . بوصفها خلطة كريهة تفسدها وتسممها بهارات البولسة . وباعتبارها دولة ضد الحاضر ، ومن ثم لا مكان لها بالقطع في .. المستقبل .


ولكن ، لا يمكن الوصول لذلك المستقبل إلا من خلال تفعيل حزمة متكاملة من الضمانات التي تسمح بتفكيك بنيان الدولة البوليسية ؛ بما يسد الطريق أمام أية محاولات لإعادة إنتاجها حال سقوطها . 


ولكن لهذا حديث آخر ، يمكن مطالعة تفاصيله بدراستي المرفق رابطها بالهامش تحت عنوان :

الضمانات المطلوبة لعدم إعادة إنتاج الدولة البوليسية ( ضمانات : وظيفية - هيكلية - إدارية - تشريعية ) .


دكتور / محمد محفوظ

#الدولة_البوليسية


هامش :

- رابط دراستي :

الضمانات المطلوبة لعدم إعادة إنتاج الدولة البوليسية ( ضمانات : وظيفية - هيكلية - إدارية - تشريعية ) .

https://drmmahfouz.blogspot.com/2011/07/necessary-safeguards-against.html

الدراسة تم عرضها بمؤتمر : 

( تحديات التحول الديمقراطي في مصر خلال المرحلة الانتقالية ) .

المنعقد بالقاهرة بتاريخ ٢٦ - ٢٧ يوليه ٢٠١١ ، بالتعاون بين كل من : 

- مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان 

- مركز العلاقات الدولية والحوار الخارجي FRIDE بأسبانيا 

- ‏صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية UNDEF


06 مايو 2016

د. محمد محفوظ يكتب : الرئيس .. بين الرحيل بلمس الأكتاف أو التهميش بالنقاط .. برنامج عمل ) ثو / سياسي (

 اللي وقف يوم ٣/  ٧ مابيخافش
" السيسي "

لم يعد لدي أدنى شك في أن أولويات الرئيس ليست هي أولويات أغلب المصريين . وأن انحيازاته ليست كانحيازات معظم مثقفيها ومفكريها وصحفييها وإعلامييها وشبابها وثوارها . فالأزمات العبثية الهزلية التي تتوالى على رؤوسنا كالصواعق ؛ توضح بأن متخذ القرار منشغلا بأولويات وانحيازات أخرى ليس لها علاقة بما يرجوه أغلبنا من مسار .
كما لم يعد لدي أدنى شك في أن الرئيس ليس طيعا في نزع المُلك أو فتح مساحات للمعارضة ، مثلما هو طيعا في نزع الأرض بموجب اتفاقيات ترسيم الحدود .
ولذلك ، فكما تمسك غير المأسوف عليه محمد مرسي بحبال وخيوط الشرعية الزائفة التي ما دونها الدماء . 
فسوف يتمسك السيسي باعتبار إنه ما " بيخافش " كما قال في خطابه بتاريخ ٥ مايو ٢٠١٦ بالفرافرة ، سوف يتمسك بسلاسل وجنازير حماية مؤسسات الدولة من الهدم جراء " المؤامرة الجهنمية " الداخلية الخارجية التي يقف وراءها " أهل الشر " .
وكما رفع أنصار مرسي بنادق الإرهاب وزرعوا متفجراته ودبروا اغتيالاته . 
فسوف يتقدم أنصار السيسي من " أهل الخير " بالبلاغات لعقد محاكمات الاتهام بالعمالة والخيانة والتمويل ؛ بموجب القضية رقم ٢٥٠ والقضية رقم ٢٥٠ مكرر ؛ وهلم جرا ؛ ليتم الزج بالمعارضين داخل غياهب السجون بموجب قرارات الحبس الاحتياطي أو بالأحرى "الاعتقال القضائي" .
ولهذا .. لا يبدو رحيل الرئيس قبل نهاية فترته بلمس الأكتاف أمرا يكتسب الأفضلية في ميزان تحقيق أهداف الثورة المصرية . نظرا لما يمكن أن يؤدي إليه من شيطنة للتحركات الاحتجاجية ؛ وتفاقم للاستقطاب المجتمعي ؛ ورفع لدرجة حرارة الهستيريا الجماعية الحكومية والشعبية .
ومن هنا .. فإن السبيل الأولى بالاتباع هو التعويل على مباراة سياسية تتوالى أشواطها ؛ يكون المستهدف منها تحقيق أكبر قدر من النقاط لتهميش الرئيس سياسيا وخفوت نجمه شعبيا . بدلا من استنزاف الجهود في شوط واحد أملا في رحيله بلمس الأكتاف ، رغم أنه "مابيخافش" . 
ولعل ذلك التهميش السياسي سيساهم في تحرير الطبقة السياسية المصرية من الدوران في فلك الرئيس باعتباره الفرعون شبه الإله . كما سيساهم أيضا في فتح الطريق لممارسة الصلاحيات السياسية الواسعة التي رسمها الدستور لكل من مجلس النواب ومجلس الوزراء قياسا بالصلاحيات الهامشية التي خصصها للرئيس لضمان عدم تركز السلطات في يده دون غيره . علاوة على أن خفوت النجم الشعبي سيضع الرئيس في موضعه الحقيقي باعتباره قائدا مرحليا ، وليس مصلحا اجتماعيا ، أو مخلصا سماويا ، أو " مابيخافش " .
ولكن السؤال : كيف يمكن إدارة هذه المباراة السياسية التي تتطلع لتهميش الرئيس بالنقاط وتستبعد رحيله بلمس الأكتاف ؟
في تقديري ، فإن تلك المباراة السياسية تحتاج إلى برنامج عمل ثو/سياسي ؛ أي ثوري / سياسي ، يسعى إلى صياغة منهج جديد للاحتجاج يساهم في فضح السياسات الفاشلة والإصلاحات الغائبة والأزمات العبثية المتوالية ، كما يسعى إلى التأكيد على إعداد البديل السياسي الحزبي المؤهل للتداول السلمي للسلطة . 
ويتضمن هذا البرنامج عدد ٦ محاور تتمثل في الآتي :
أولا - الانتقال بالممارسات الاحتجاجية من الدائرة الثورية إلى الدائرة القضائية : بما يعني لف حبل قانون تنظيم التظاهر حول رقبة النظام بدلا من لفه حول رقبة النشطاء أو المعارضة . وذلك من خلال التنسيق مع كافة القوى الاحتجاجية المدنية الديمقراطية بشأن الالتزام بالخطوات القانونية التي حددها القانون للموافقة على الوقفات والمسيرات والتظاهرات . وإعداد إحصاءات دورية بعدد ما لم يحظ منها بموافقة الجهات الرسمية . ورفع الأمر للجهة القضائية المختصة للبت في مدي مشروعية قرارات عدم الموافقة . الأمر الذي سيمثل بمرور الوقت عنوانا قضائيا موثقا يوضح مدى عسف النظام تجاه الحقوق والحريات المقررة بالدستور ، ومدى عدم تقبله للاحتجاج أو المعارضة .
ثانيا - الانتقال بالممارسات الاحتجاجية من الدائرة الميدانية إلى الدائرة الإعلامية : بما يعني التمسك بالحق الوارد في المادة رقم ١٥ من قانون تنظيم التظاهر التي تنص على الآتي : يصدر المحافظ المختص قرارا بتحديد منطقة كافية داخل المحافظة تباح فيها الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات السلمية للتعبير السلمي فيها عن الرأي دون التقيد بإخطار . 
ولعل ذلك سيساهم في عدم قصر الاهتمام فقط على الميدان أو الشارع أو المنطقة التي سيتم في حرمها الاحتجاج ؛ قدر الاهتمام بدائرة الضوء الإعلامية التي ستتركز على المنطقة المخصصة باستمرار للتظاهر دون إخطار مسبق . الأمر الذي سيؤدي إلى التغطية الإعلامية للفاعليات الاحتجاجية بكل سهولة دون الجري في الشوارع خلف التظاهرات . ويضمن توفير حرم آمن يساهم في الدفع بفئات جديدة للتعبير عن احتجاجها أو غضبها أو معارضتها دون خوف من الملاحقة الأمنية . ويوفر ساحة مستديمة تتجاوز عائق رفض السلطات لمنح تراخيص لمعظم المظاهر الاحتجاجية .
ثالثا - الانتقال بالممارسات الاحتجاجية من الدائرة الشعبية الجماهيرية إلى الدائرة السياسية الحزبية : بما يعني مفارقة المقولة الساذجة التي تستحسن التأكيد علي تغييب وإخفاء الصفة الحزبية أو الهوية السياسية عند الاحتجاج على السياسات والإخفاقات والانتهاكات الحكومية الكارثية . والتحول نحو الإمعان في تجسيم الصفة الحزبية والهوية السياسية في الفاعليات الاحتجاجية باعتبار أن ذلك هو الذي سيقدم لجماهير الناخبين البديل السياسي المتطلع لتداول السلطة ، وليس مجرد الناشط الميداني المحرك للسخط الشعبي . علاوة على أن ذلك سيساعد على تكوين كوادر سياسية حزبية تكشف عن بدائلها وبرامجها في الشارع ووسط الجماهير ؛ وليس في الغرف والقاعات المغلقة داخل مقرات الأحزاب . 
رابعا - حتمية الاندماج السياسي للأحزاب المتقاربة أيدلوجيا : بما يعني ضرورة التحلي بالمسئولية الوطنية ؛ وتقدير المرحلة المفصلية التي تمر بها مصر بعد ثورتين للانتقال من الدولة الاستبدادية البوليسية إلى الدولة المدنية الديمقراطية . الأمر الذي يستدعي ضرورة وحتمية الاندماج بين كافة الأحزاب المدنية مهما تمايزت توجهاتها الأيدلوجية بين اليمين واليسار والوسط . وتدشين صيغة اندماجية تذوب فيها تلك الأحزاب في كيان حزبي واحد ؛ مع الاتفاق علي فترة انتقالية يتم فيها تداول منصب رئاسة الحزب الموحد بين رؤساء الأحزاب المندمجة فيه . 
وكما هو متعارف عليه في كل الدول الديمقراطية ، فإن الأحزاب الكبيرة تستوعب بداخلها أجنحة سياسية من اليمين مرورا بالوسط وصولا إلى اليسار . الأمر الذي سيفتح الطريق أمام حياة سياسية حقيقية وليست كرتونية ؛ يبدو فيها ذلك الكيان الحزبي الموحد كلاعب رئيسي في الساحة السياسية ؛ وبديل جاهز دائما لتولي مقاليد السلطة والحكم .
خامسا - الاستعداد المبكر لانتخابات المحليات وضمان عدم تكسير الأصوات : فالمعطيات السياسية تؤكد بأن إمكانية التغيير في منظومة السياسات الحكومية هو أمر بعيد المنال في مواجهة رئيس مابيخافش ، وحكومة بلا رؤية ، ومجلس نواب بلا عزيمة . ولذلك فإن النفاذ من أسفل السلم السياسي بدءا من المحليات بمجالسها المنتخبة ؛ قد يكون هو السبيل المتاح وأول الطريق للتغيير المتدرج ولكن المثابر المستمر .
ولعل الكيان الحزبي الموحد السابق الإشارة إليه لو تم تدشينه سريعا ؛ قد يكون بمثابة رمانة الميزان التي ستضمن عدم تكرار تجربة انتخابات مجلس النواب التي أدت إلى تكسير أصوات الناخببن بين مرشحين متقاربين أيدلوجيا ؛ بما أسفر عن أغلبية نيابية غير سياسية موالية للنظام ومداهنة للناخبين . 
سادسا - التأكيد على إبراز المسئولية التقصيرية للرئيس دستوريا وسياسيا : فلم يعد مقبولا التمسك بالمقولة اللزجة الممجوجة المكررة التي مفادها أن الرئيس حلو وكل اللي حواليه وحشين . فواقع الحال يؤكد بأن المحيطين بالرئيس هم نتاج اختياراته ، واختياراته هي ترجمة لمنهجه في الحكم والإدارة . ومن ثم فهو المسئول الأول عن مواطن القصور وغياب الإصلاح وتردي الأوضاع . 
وبالتالي ، فإن التأكيد على إبراز ذلك سيساهم في خفوت الهالة الشعبية التي أحاطت بالرئيس نتيجة خطابات عاطفية وممارسات استعراضية ؛ تتناقض في واقع الحال مع القرارات والسياسات الرئاسية التي تشير إلى عدم تبني بل ومخاصمة دفينة لكل أهداف الثورة المصرية على الفساد والاستبداد . 
------
إن المثابرة على إحراز النقاط دون الانشغال بلمس الأكتاف ؛ ستؤدي - حتى لو تمكن الرئيس من الفوز بفترة رئاسة ثانية - إلى وضع نقطة في نهاية السطر للرؤساء القادمين من خلفية عسكرية . وتؤسس لسطر جديد في كتاب مسيرة الوطن ؛ عنوانه : 
قيادة سياسية مدنية . 
ومؤسسة عسكرية غير سياسية غير اقتصادية .
وعلاقات مدنية عسكرية تمتثل للمعايير الديمقراطية . 
وسلطات تؤمن بأن الفصل فيما بينها هو جوهر الالتزام بالسيادة الشعبية . 
ونظام سياسي جديد يضع النظام القديم في مكانه المستحق بالمقابر السياسية .
وأخيرا .. رئيس لا يجرؤ على التصريح للشعب بإنه " مابيخافش " .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com