14 سبتمبر 2013

ثقافة التعصب والكراهية 1/2

ثقافة التعصب والكراهية ( 1/2 )

دكتور / محمد محفوظ
نشر : يونيو 2007

لا يصلح التعصب والكراهية لكى تقوم عليهما أى سياسة , لأن السياسة التى تعتمد على منهج التعصب والكراهية هى سياسة  قد تبدو ناجحة في المدى القصير , ولكنها وفقاً لكل تجارب التاريخ فاشلة على المدى البعيد .
وتعتبر السياسة فى الفقه السياسى هى فن وعلم إدارة المصالح , وبالتالى فإن ( المصلحة ) في أبجديات العمل السياسى هى الإستراتيجية , بينما ( الولاء ) هو التكتيك . فأينما تكون المصلحة يتوجه مؤشر الولاء . لأن السياسة لا تعرف عداوات دائمة أو صداقات أبدية , وإنما عداوات مرحلية وصداقات وقتية , وكل ذلك وفق مؤشر واحد هو : مؤشر المصلحة . 
وبالتالى .. لا يجيد دعاة التعصب والكراهية استخدام لغة السياسة لأنهم لا يجيدون استخدام لغة المصالح . وإنما يجيدون استخدام لغة الانتقام الصاخبة , من خلال السعى إلى الإضرار بالآخر ( العدو ) دون الاهتمام بالسعى إلى بناء الذات . فإستراتيجية الانتقام تلهى صاحبها عن ذاته , وبالتالى لا  يفكر إلا في إيذاء العدو  بينما تغيب عنه مصالحه الذاتية . ولكن نظراً لأن هذا العدو سيحاول دائماً الدفاع عن نفسه , فإن كافة أساليب الانتقام لن تؤدى إلا إلى حث العدو على إجادة أساليب الدفاع عن الذات , ومن ثم يرتد سهم الانتقام إلى صدر صاحبه .
إن الذين يفجرون أدمغتنا ليل نهار بكراهيتهم لأمريكا وإسرائيل والغرب , لا يجيدون إلا لغة التعصب والغل الأسود , وتغيب عنهم لغة السياسة التى توجهها بوصلة المصالح . وياويل الشعب الذى يشاء له حظه العاثر أن يتولى أموره مثل هؤلاء المتعصبين الكارهين . لأنهم بلغة التعصب والانتقام الصاخبة يزجوا بالوطن في مشاحنات وصراعات مع القوى العظمى والدول المجاورة , تؤدى إلى التورط في حروب ونزاعات عبثية تأكل الأخضر واليابس وتدمر الاقتصاد وتسفك دماء الأبرياء .
أقول هذا لأننى ألمح في هذا الوطن موجة متصاعدة  لثقافة التعصب والكراهية . وأجد ميلاً لدى الكثير من المثقفين والبسطاء للانقياد خلف مروجى هذه الثقافة -  أصحاب الخطب الرنانة والسياسات الضبابية -  التى لن تؤدى إلا إلى تعطيل مسيرة هذا الوطن نحو الحرية والديمقراطية أكثر مما هى معطلة .  وبالتالى تنصرف أنظار الجماهير عن العدو الحقيقى المتمثل في الاستبداد والفساد , وغياب العدل وحكم القانون و الديمقراطية .
يا أبناء هذا الوطن .. لا تستمعوا لمن يحرضونكم على قتل أو قتال أعداءكم , سواء كان ذلك باسم الدين أو العروبة أو القومية أو الاشتراكية . ولكن استمعوا لمن يفكرون في إصلاح حياتكم بالعدل والمساواة والحرية والديمقراطية . وأؤكد لكم بأن اليوم الذى تنصلح فيه حياتكم بالعدل والديمقراطية والمساواة , سيكون هو اليوم الذى تنتصرون فيه على أعدائكم بدون قتال , لأنهم وقتها سيخشون بأسكم , ولعل هذا هو الانتصار الحقيقى , لأنه سيكون الدافع الأكبر للسلام والوئام . وتدبروا فى قول الله سبحانه وتعالى في وصفه لدعاة التعصب و الكراهية :  
( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد *  وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد * ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله  والله رءوف بالعباد * يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين  ) ( سورة البقرة  /  الآيات 204- 208  ) .
فادخلوا فى السلم ولا تتبعوا خطوات الذين ينفخون  فى نار التعصب و الغل و الكراهية ,لأنكم وقتها ستتّبعون خطوات الشيطان .


*****
دكتور / محمد محفوظ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق