15 سبتمبر 2013

ثقافة التعصب والكراهية 2/2


ثقافة التعصب والكراهية ( 2/2 )
التسامح المفقود .. في المنطقة العربية

بقلم دكتور / محمد محفوظ

نشر : يونيو 2007

يدل انتشار ثقافة التعصب والكراهية في أى مجتمع على  فقدان هذا المجتمع لثقافة التسامح . ويعتبر التسامح قيمة سياسية عليا في النظم الديمقراطية , ومبدأ ليبرالى هام تتأسس بموجبه  قدرة المجتمع على  تحمل عبء الممارسة الديمقراطية . وقد يتعجب البعض لوصف الممارسة الديمقراطية بالعبء , ولكن الواقع يؤكد بأن الحكومات المستبدة تحكم شعوبها بكل استسهال وإهمال - وبدون أية أعباء - باستخدام عصا القمع و الطغيان , وتمرر  سياساتها  غير الرشيدة دون أن تعبأ بأية معارضة , لأن مسوغ البقاء في السلطة يعتمد على القوة والقهر . وذلك بخلاف الحكومات الديمقراطية التى تكابد  أعباء الممارسة الديمقراطية , ويعتمد بقاءها في السلطة على الرضى العام للجماهير  , وبالتالى تمارس تلك الحكومات عملية مستمرة من العرض والشرح  والتبرير لسياساتها , وتخضع لحساب يومى مستمر من السلطات الأخرى ومن المؤسسات الإعلامية ومن منظمات المجتمع المدنى . ولهذا تهتز دائماً المقاعد بالزعماء في الدول الديمقراطية , نتيجة الزلازل البرلمانية والرياح الإعلامية والمظاهرات الشعبية . بينما تستقر مقاعد الزعماء في الدول المستبدة وكأنها خارج إطار الزمان والمكان والأحداث , لأنها مثبتة إلى الأرض بسلطان الخوف وأوتاد الطغيان .
ولكن التسامح الذى نتحدث عليه , ليس هو التسامح -  فقط - بمعناه اللغوى الذى يعنى القدرة على العفو والتعامل بود أو  ما يسمى في تعبيراتنا الشعبية ( الطِيبَة ) . وإنما يمتد التسامح -  في المعنى السياسى -  إلى قدرة المجتمع على إدارة الاختلاف واحتواء التنوع  . ذلك الاختلاف الذى هو أمر لازم في كل مجتمع على وجه الأرض , لأنه سنة الله في الخلق . لهذا تتوجه كافة القوى السياسية في المجتمعات الديمقراطية بأفكارها وبرامجها المختلفة إلى الجماهير , ومن خلال صناديق الاقتراع في العملية الانتخابية تكشف الجماهير عن اختياراتها . وبالتالى تحترم النظم الديمقراطية ثقافة التسامح , لأنها توفر المناخ الذى يتيح لكل الاتجاهات السياسية التعبير عن توجهاتها , مما يُجنب المجتمع أية احتقانات نتيجة محاصرة بعض الأفكار  أو عزلها .
وتشير ثقافة التسامح إلى مبدأ هام , مفاده أنه لا يجوز التعامل مع الأفكار باعتبارها تجسيداً لأصحابها , وإنما ينبغى عزل الأفكار عن أصحابها , حتى لا يتم إقصاء الآخر المختلف , و يتحول المجتمع إلى ساحة للقتال والشقاق , أو إلى جزر معزولة تستقل كل منها بتوجهاتها الفكرية . ومن هنا كانت ثقافة التسامح هى حصن الأمان لدعم قدرة المجتمع على إدارة الاختلاف , والتعامل مع الأفكار المتنوعة بالحوار والجدل و النقاش الحر  .   
وللأسف فإن المنطقة العربية تفتقر افتقاراً شديداً إلى ثقافة التسامح , وتروج مؤسساتها التعليمية والدينية والإعلامية والسياسية - دون كلل أو ملل - لثقافة التعصب والكراهية والغل الأسود  . ولذلك تتملكنى الدهشة الشديدة عندما أرصد الحيرة  التى يقع فيها أغلب المحللين العرب عند تصديهم لتحليل النزاعات المزمنة في المنطقة , ويدفعهم الفشل في كشف الأسباب الحقيقية لهذه  النزاعات , إلى تعليق الأمر كله على شماعة نظرية المؤامرة . وذلك رغم وضوح السبب الحقيقى مثل وضوح الشمس , والذى يتمثل في غياب ثقافة التسامح في المجتمعات العربية , مما يؤدى  إلى عدم القدرة على إدارة الاختلاف واحتواء التنوع , وبالتالى يتم الانزلاق إلى العنف والقوة والسلاح والسب والشتم والاتهام بالعمالة والخيانة والخروج على ثوابت الأمة والدين والهوية .. إلى آخر قائمة الاتهامات الرخيصة والافتراءات الدنيئة . ويتحول المجتمع بذلك إلى جماعات متحاربة وفرق متصارعة على مذبح الكراهية والتعصب . ولننظر إلى النزاعات في لبنان ( تجمع 14 آذار ضد حزب الله ) وفلسطين ( فتح ضد حماس ) والعراق ( السنة ضد الشيعة ) والصومال ( الحكومة ضد المقاومة الإسلامية ) ودارفور ( العرب ضد الأفارقة ) , لندرك بأنها نزاعات لا يمكن أن تصل إلى أية نتيجة من خلال الحوار , لأنه حوار محكوم عليه بالفشل لافتقاره  إلى عنصر هام , وهو ثقافة التسامح , التى تُرسِّخ إدارة الاختلاف وتحترم  النقاش والجدل كسبيل متحضر  لحل الخلافات بين أبناء المجتمع الواحد .
لقد فقدت المنطقة العربية قدرتها على إدارة الاختلاف , عندما سلمت منابرها الإعلامية والثقافية لدعاة التعصب والكراهية والغل الأسود , من أجل حشد الجماهير ضد إسرائيل أو أمريكا أو الغرب . وبالتالى تم تغذية الجماهير وإرضاعها ليل نهار  بثقافة الكراهية .  فأصبح الاعتدال هو الاستثناء بينما أصبح التطرف هو الأصل , رغم أن المجتمعات الطبيعية هى التى يصبح المتعصبون فيها هم الأقلية - و ليس العكس -  وإلا أصبح هذا نذير خطر يقود المجتمع نحو الانزلاق لصراعات عبثية مزمنة  سواء أكانت  داخلية أم خارجية .
ولعل دروس التاريخ تؤكد لنا بأن ثقافة الكراهية والتعصب لا تحل النزاعات بل تعقدها , ولنضرب مثلاً بالنزاع بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان إبان الحرب العالمية الثانية . فاليابان هى الدولة الوحيدة على وجه الأرض التى تم قصفها بقنبلتين ذريتين , مما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين في لمح البصر , غير مئات الآلاف من المصابين والمشوهين . ولعل هذا القصف الأمريكى , كان يمكن أن يكون المبرر الأكبر لكى ينزلق الشعب اليابانى خلف دعاة الكراهية والتعصب , من أجل الانتقام والقصاص لدماء المدنيين الأبرياء . ولكن الشعب اليابانى نبذ التعصب و الكراهية , واختار طريق العقل والحكمة وبناء الذات , بدلاً من طريق الهوس بتدمير العدو . وبالتالى حققت اليابان بقوتها الاقتصادية  ما كانت ستعجز عن تحقيقه بالقوة العسكرية , ألا  و هو احترام و تقدير العالم أجمع .
ولعل ما سبق يوضح أن أى نزاع مهما تفاقمت آثاره المادية أو طال مداه الزمنى , فإنه يمكن أن يصل إلى منتهاه , لو تم التعاطى معه بعيداً عن ثقافة التعصب والكراهية . والمنطق الرشيد يقرر بأن النزاع العربى الإسرائيلى ليس استثناءً من هذه القاعدة .
إن تبنى ثقافة التسامح هو السبيل لكى تخرج هذه المنطقة البائسة  من أزماتها , وتودع أحزانها , وتعالج جنون الكراهية وتشنجات التعصب وهلاوس الغل الأسود , بوقار الاعتدال وتجليات التعددية وفتوحات الديمقراطية .

*****

   دكتور / محمد محفوظ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق