15 سبتمبر 2013

حسابات النصر و الهزيمة فى الحرب الإسرائيلية اللبنانية

حسابات النصر و الهزيمة فى الحرب الإسرائيلية اللبنانية

                                  دكتور / محمد محفوظ

نشر : أغسطس 2006

لا تنكشف نتائج الحروب إلا بنهايتها .. ولا يمكن التعرف على هذه النتائج  إلا من خلال استخدام المنهج المقارن لمقارنة الوضع القائم قبل الحرب بالوضع الجديد الناشئ بعدها . إذ إن الحرب ليست مشاجرة صبيانية تتحدد نتائجها بناءاً على قدرة أحد الأطرف على إغاظة الطرف الآخر أو استفزازه أو تمزيق ملابسه  .
 وبالتالى .. وحتى يمكن تقييم حسابات النصر وحسابات الهزيمة فى الحرب الإسرائيلية اللبنانية , فإنه لا بد من تطبيق هذا ( المنهج المقارن ) على ضوء ( القاعدة المعيارية ) التى توضح بأن : ( المنتصر هو الذى يصبح وضعه بعد الحرب أفضل من قبلها , والمهزوم هو الذى يصبح وضعه بعد الحرب أسوأ من قبلها ) .
ومن خلال استخدام ذلك المنهج و تطبيق تلك القاعدة المعيارية - على الأوضاع قبل الحرب و الأوضاع بعدها - يمكن أن نقرر بأسلوب علمى  أى الطرفين يقف فى خانة النصر وأيهما يقبع فى خانة الهزيمة .
فما هى إذن الأوضاع التى كانت قائمة ومستقرة قبل الحرب لكل طرف من الطرفين ؟؟

الأوضاع القائمة قبل الحرب بالنسبة لحزب الله :
-   الانتشار العسكرى فى مناطق الجنوب اللبنانى حتى الحدود اللبنانية الإسرائيلية ( الخط الأزرق ).
-      الدعم التمويلى و التسليحى من إيران و سوريا .
-      القدرات التسليحية المتمثلة فى الصواريخ التكتيكية القادرة على الوصول إلى شمال إسرائيل .
-   النفوذ الاجتماعى بمناطق الجنوب اللبنانى من خلال انتشار المؤسسات الاجتماعية والخيرية ( الصحية والتعليمية والإعلامية والتثقيفية والدينية ) .
-   التأييد الشعبى فى الداخل اللبنانى الناشئ عن الاحتفاء الدائم بحزب الله باعتباره (على حد قول اللبنانيين ) صاحب الفضل فى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان حتى تمام الانسحاب عام 2000 .
-   المناورة السياسية المتمثلة فى إمكانية استثمار النتائج العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية ( مثل عمليات تبادل الأسرى بين حزب الله و الجانب الإسرائيلي ) .

الأوضاع القائمة قبل الحرب بالنسبة لإسرائيل :
-   احتلال مزارع شبعا , و عدم التواجد العسكرى بباقى مناطق الجنوب اللبنانى بسبب الانسحاب عام 2000 .
-   التوجس من القدرات الصاروخية لحزب الله والتى يمكن أن تصل إلى مدن شمال إسرائيل .
-      التفوق العسكرى الإسرائيلي جوياً وبحرياً وبرياً .
-      ضعف الدعم الأوربي للسياسات الإسرائيلية بمنطقة الشرق الأوسط .

كانت هذه إذن الأوضاع القائمة قبل الحرب بالنسبة للطرفين , ولكن بوقوع الحرب واستمرارها لمدة شهر وصدور قرار مجلس الأمن رقم 1701 , فإن ثمة أوضاعاً جديدة ستنشأ  لترسم مجموعة من التحولات تعزز من حسابات النصر أو  تفضح حسابات الهزيمة . فما هى إذن الأوضاع الجديدة التى ترتبت على هذه الحرب ؟؟؟

الأوضاع الناشئة بعد الحرب بالنسبة لحزب الله :
      -  عدم تحرير مزارع شبعا .
-   انتشار الجيش اللبنانى و قوات الطوارئ الدولية فى جنوب لبنان حتى الحدود مع إسرائيل وسوريا .
-   فرض طوق من الحصار على الدعم التسليحى المتسرب لحزب الله من سوريا وإيران أو أية أطراف أخرى واقتصار التسليح على الجيش اللبنانى .
-   تدمير نسبة كبيرة من القدرات الصاروخية لحزب الله خلال القصف الجوى الإسرائيلي والتوغلات البرية .
-   صياغة رسالة شديدة الوضوح من إسرائيل إلى حزب الله مفادها بأن الرعب الصاروخى وإن أدى إلى تعطيل الحياة فى إسرائيل , فإنه أدي إلى تدمير البنية التحتية للحياة المدنية فى لبنان , وبالتالى فإن هذا الثمن الفادح يمسخ شعار توازن الرعب لكى يتحول إلى تفاوت الرعب .
-   تدمير البنية المؤسسية لحزب الله فى المجتمع اللبنانى من خلال قصف معظم المقرات والمؤسسات الاجتماعية والخيرية والصحية والاجتماعية .. إلخ .
-   موت المناورة السياسية بالسكتة العسكرية , والتى تمثلت فى القراءة السياسية الخاطئة لحدود الرد الاسرائيلى على عملية خطف الأسرى الإسرائيليين , وبدلا  من جنى ثمار هذه العملية لتحقيق نتائج سياسية كالمرات السابقة , فقد أدت النتائج العسكرية إلى نتائج عسكرية مضادة وكارثية .
-      اتساع التأييد الجماهيرى لحزب الله ليمتد من الداخل اللبنانى إلى الخارج العربى والإسلامي.

الأوضاع الناشئة  بعد الحرب بالنسبة لإسرائيل :
-   استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا , وإعادة احتلال الجيش الإسرائيلي لمناطق من جنوب لبنان . ولعل المفارقة هنا تتمثل فى أن المقاومة التى يتم التعامل معها باعتبارها أخرجت إسرائيل من الجنوب عام 2000  , هى نفسها التى أعادت الاحتلال مرة أخرى .
-   استمرار التفوق العسكرى الجوى والبحرى لإسرائيل , وتراجع التفوق العسكرى البرى فى مواجهة القوات غير النظامية لحزب الله التى تمارس أساليب حرب العصابات .
-   إحراج قوى السلام فى إسرائيل وقوى اليمين المعتدل , وإتاحة الفرصة لصعود حجج المتشددين و قوى اليمين المتطرف الرافضة للإنسحابات الأحادية الجانب للقوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة والتى ما إن تخرج منها إسرائيل حتى يسيطر عليها المتشددون الإسلاميون ( حماس فى غزة و حزب الله فى جنوب لبنان ) .
-      تراجع سمعة الجيش الإسرائيلي انطلاقاً من مأزقه فى مواجهة قوات غير نظامية .
-   تصاعد الدعم الأوربي للسياسات الإسرائيلية فى مواجهة حزب الله , مما انعكس على المقررات التى نص عليها القرار 1701 وتوافقها مع معظم الأهداف الإسرائيلية من الحرب مع حزب الله.

وبناءاً على ما سبق .. فإن مقارنة أوضاع ما قبل الحرب بالأوضاع الجديدة الناشئة بعدها - على ضوء القاعدة المعيارية السابق توضيحها – ستوضح بأنه  إذا كان معظم ما  أرادته إسرائيل قبل الحرب قد تحقق بعدها , وإذا  كان معظم ما رفضه حزب الله قبل الحرب قد وافق عليه أو اضطر إلى الموافقة عليه بعدها . فإن إسرائيل بهذا المعنى تكون قد انتصرت مادياً و لكنها انهزمت معنوياً , فى حين أن حزب الله قد انهزم مادياً  ولكنه انتصر معنوياً .

فلقد انتصرت إسرائيل مادياً لأنها ما زالت تحتل مزارع شبعا وأصبحت تحتل مناطق من الجنوب اللبنانى ودمرت المؤسسات الاجتماعية لحزب الله و نسبة كبيرة من قدراته الصاروخية و العسكرية . وأجبرت الدولة اللبنانية على استخدام ورقة الجيش اللبنانى ونشره فى الجنوب معززاً بقوات الطوارئ الدولية لإضعاف سيطرة حزب الله . ولعل ما حققته إسرائيل سياسياً بالقرار 1701 كان بسبب التدخل العسكرى وبعده ومترتباً عليه . وبالتالى أكملت النتائج السياسة العملية العسكرية كما فعلت مصر فى حرب أكتوبر عام 1973 , عندما أكمل السادات الهجوم العسكرى بالمبادرة السياسية فاكتمل بذلك النصر العسكرى . إذ إن السياسة دائماً هى الأصل والحرب ما هى إلا حلقة من العنف داخل سلسلة العملية السياسية الدبلوماسية .
ولكن إسرائيل انهزمت معنوياً لأن سمعة جيشها وسطوة نفوذه قد ضُربت فى الصميم عندما لم يحقق الهدفين الكبيرين عسكرياً وهما الإفراج عن الجنديين الأسيرين ووقف إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل . ولعل أى خبير عسكرى يستطيع أن يتفهم بأن القادة العسكريين الإسرائيليين لم يكونوا بالسذاجة التى يتوقعون من خلالها إمكانية تحقيق هذين الهدفين عسكرياً  , ولكنهم اعتقدوا أنه من خلال شدة وطأة القصف على لبنان - نتيجة تداخل المقاومة بمؤسساتها فى بنية المجتمع المدنى اللبنانى – فإن حزب الله سيرضخ ويوقف إطلاق الصواريخ ويفرج عن الأسيرين من أجل حماية المدنيين اللبنانيين . ولعل تقدير إسرائيل هنا للحسابات الإنسانية للحركات الإسلامية المسلحة كان خاطئاً , مما أدى إلى هزيمتها المعنوية  . ولكن هذه الهزيمة ما هى إلا هزيمة مؤقتة تتعلق بمرحلة عسكرية انتقالية تمر بها كافة الجيوش النظامية فى الوقت الراهن , وتتمثل فى أن التكنولوجيا العسكرية الراهنة تعجز عن إلحاق الهزيمة الساحقة بأية قوات غير نظامية . ويؤكد ذلك مأزق الجيش الأمريكي فى مواجهاته مع الجماعات المسلحة فى العراق ومن قبله الجيش السوفيتى فى أفغانستان . وهذا يوضح بأن الكرة الآن أصبحت فى ملعب مراكز أبحاث التكنولوجيا العسكرية التى ستعكف على ابتكار تكنولوجيا جديدة يمكنها إلحاق الهزيمة الساحقة بأية قوة غير نظامية بأقل الخسائر الممكنة . ولعل العقد القادم لن يمر قبل ظهور هذه التكنولوجيا فى ظل الاستنفار العالمى لمواجهة المنظمات الإرهابية  .
أما حزب الله .. فقد انهزم مادياً لأن إسرائيل مازالت تحتل مزارع شبعا بل وزادت عليها بمناطق من جنوب لبنان . ولأن الجيش اللبنانى بدأ انتشاره فى مناطق الجنوب معززاً بقوات الطوارئ الدولية الأمر الذى سينتقص بلا شك من انفراد حزب الله بالسيطرة على هذه المناطق . ولا شك بأن الدولة اللبنانية ستعد برنامجاً طموحاً لإعادة إعمار مناطق الجنوب لكى تقلص من النفوذ الاجتماعى لحزب الله وتفوت عليه الفرصة للانفراد بإعادة الإعمار .
كما انهزم حزب الله مادياً لأنه كان السبب فى تدمير البنية التحتية للدولة اللبنانية وإحراجها وإظهارها بمظهر الدولة ناقصة السيادة , بل وأدت الحرب إلى أن يظهر الجندى الإسرائيلي وهو  يموت دفاعاً عن شعبه , بينما كان الشعب اللبنانى يموت بسبب اندماج المظاهر العسكرية للمقاومة داخل البنية المدنية اللبنانية .
ولكن فى المقابل فقد انتصر حزب الله معنوياً , لأن دائرة مؤيديه اتسعت لتشمل الجماهير العربية والإسلامية . و لكنه نصر مؤقت فرضته حالة المراهقة السياسية التى تعيشها الجماهير العربية , تلك الحالة الناتجة عن أساليب التضليل الإعلامي التى مارستها لسنوات وسنوات  المؤسسات الإعلامية العربية التابعة لأنظمة الحكم الاستبدادية , مما أدى إلى تشويه البنية الفكرية لدى الجماهير . فالاستبداد لا يشوه فقط البنية السياسية والاقتصادية والتركيبة الاجتماعية , وإنما يشوه أيضاً البنية الفكرية لدى الجماهير ويشوه الصور فى رؤوسها , ويجعلها  تتخذ مواقفها السياسية وفقاً لمحددات عاطفية تتغذى بمشاعر التعصب و الكراهية , وهكذا تتورط هذه الجماهير دائماً لكى ترفع على أعناقها أسوأ أبناءها  .
وبالتالى فإن الجماهير العربية ستكتوى بنيران زعمائها المقاومين الجدد , كما اكتوت بنيران قادتها المستبدين الراحلين أو الجاثمين . ولعل هذه الجماهير فى مراهقتها السياسية تشبه المراهق الذى أحب فتاة ساقطة ولم يعرف حقيقتها لقلة خبرته بأمور النساء , وعندما هجرته فجأة لتذهب لغيره , انكسر قلبه وظل الجرح متوارياً داخله , حتى مرت الأعوام وأصبح عقله أكثر نضجاً  فتخلص من ذلك الجرح وعرف حقيقة الفتاة التى أحبها , وإذا به يتعجب من حبه لها فى يوم من الأيام , ويتساءل دائماً : كيف أحببت يوماً ما هذه الساقطة ؟!!
ولعل أحفاد الجماهير الألمانية التى عاصرت هتلر وهللت له عندما غزا أوربا وشن حرباً على العالم , يتساءلون اليوم نفس السؤال : كيف أيد أجدادنا هذا الدكتاتور المهووس ؟!!  و لعل أحفاد الجماهير العربية فى المستقبل البعيد سيتساءلون السؤال ذاته : كيف أيد أجدادنا يوماً ما هؤلاء المتشددين الفاشلين صُناع الموت والدمار والانتصارات الوهمية ؟!!

*****

دكتور / محمد محفوظ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق