17 مايو 2016

د. محمد محفوظ يكتب : الدولة البوليسية

يتردد مصطلح الدولة البوليسية كثيرا في أوساط المثقفين ، وفي الحوارات والكتابات الإعلامية ، والمؤتمرات والمنتديات والأوراق البحثية .


ويتم تداول المصطلح باعتباره وصفا للدولة القمعية ، إلا أنه في حقيقته يمثل توصيفا علميا لمجموعة من الممارسات السلبية الرديئة الفاسدة في مجال الإدارة السياسية ، لتتحول إلى إدارة أمنوسياسية ( أمنية / سياسية ) .


وبالطبع ، فإن كل دولة بوليسية هي دولة قمعية ، ولكن ليس بالضرورة كل دولة قمعية هي دولة بوليسية ، ما لم تستخدم الأدوات وتنتهج الأساليب والممارسات التي ينبغي توافرها لكي تكتسب الدولة هذا التوصيف ، بحيث يصبح عنوانا لمنهجها في الحكم والإدارة .

وهذه الإدوات والأساليب والممارسات التي تتسم بها الدولة البوليسية .. تتمثل في الآتي :


١ - فالدولة البوليسية ، هي الدولة التي تلتبس فيها العلاقة بين نصوص القانون وبين التجاوزات والانتهاكات التي تمارسها الاجهزة الأمنية في المجتمع ؛ حيث تذوب الحدود الفاصلة بين الاثنين ؛ الأمر الذي يجعل ما تفعله هذه الأجهزة أو ما تريده هو بمثابة القانون ، مهما تعارض أو تصادم معه .


وبالتالي ، يرتبط تنفيذ القانون في الدولة البوليسية بالتعليمات الفوقية التي تسمح أو لا تسمح بتنفيذه ؛ ولا يرتبط بقوة القانون الذاتية المجردة .


ولهذا يصبح القانون أحد أدوات السيطرة والبطش ، وليس المحاسبة وتحقيق العدل . فالقانون قد يصبح نافذا وحاضرا للنيل من الخصوم ، أو غائبا لتلفيق التهم لهم . أو معطلا للتعمية على فشل الدولة وفسادها واستبدادها ، وضمان إفلاتها من العقاب والمساءلة .


الأمر الذي يجعل الدولة البوليسية - وللمفارقة - دولة منفلتة أمنيا ، وفقا لمفهوم الأمن الاجتماعي والاقتصادي . بينما هي دولة متمترسة أمنيا وفقا لمفهوم الأمن السياسي .


ولذلك تسمح الدولة البوليسية بحرية الفوضي الاجتماعية والاقتصادية . 

بينما تترصد أي معارضة سياسية أو مظاهر احتجاجية . ولا يتم ذلك الترصد بالقوات الخاصة وقوات مكافحة الشغب وعناصر الشرطة السرية فقط ، بل تتم الاستعانة بمجموعات من البلطجية لإبعاد شبهة الانتهاكات عن الأجهزة الأمنية ، في مقابل غض الطرف أمنيا عن كل ممارسات الخروج عن القانون التي ترتكبها تلك المجموعات من البلطجية .


ولهذا يبدو القانون وفقا لهذا التوصيف بالدولة البوليسية كخيوط العنكبوت ، تتعثر فيه الحشرات الضعيفة بينما تعصف به الوحوش الكاسرة . والحشرات الضعيفة هنا - وياللعار - هم رعايا الدولة البوليسية ، بينما الوحوش الكاسرة هم حكامها وأجهزتها السيادية ودوائر النفوذ والقوة بها أياً كانت مسمياتها .


٢ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تترك معظم المشكلات سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية .. إلخ ؛ لكى تتفاقم حتى تتحول إلى مشكلات أمنية ، بما يحتم استدعاء جهاز الأمن للتدخل والتصدي لها ومواجهتها بحلول أمنية ؛ تميل بالطبع نحو أساليب القمع والبطش والتنكيل ؛ وفقا لمنهج إطفاء الحرائق وليس القضاء على مسببات اندلاعها . 


ولذلك تكون الحلول التي تسفر عنها التدخلات الأمنية مرحلية ؛ لأنها قد تخفي مظاهر الاحتجاج المترتبة على هذه المشكلات ؛ ولكنها لا تمنع من تصاعد الغضب حتى يحدث الانفجار مرة أخرى .


فمنهج الدولة البوليسية في علاج المشكلات بالعصا الأمنية يتوقف عند حد مواجهة العرض وليس معالجة المرض ، مجابهة نتائج المشكلات وليس وأد مسبباتها . 

ولذلك هي دولة تطارد البعوض ولا تجفف مستنقعات توالده وتكاثره .


٣ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تجعل الترشح للمناصب الحكومية الهامة في كافة مؤسساتها باختلاف أنشطتها ؛ مرتبطا بموافقة الأجهزة الأمنية ؛ حتى لو لم يتم النص في القوانين على ذلك .


ونظرا لأن ميزان الأجهزة الأمنية يقيس الأفضلية بمعيار الثقة لا بمؤهلات الجدارة ، فإن أهل الولاء تصبح لهم الأولوية دوما عن الأكفاء .


وبالتالي ، هي دولة معنية دائما بتصنيف مواطنيها ما بين ( الأنصار والأعداء ) ، ( الموالاة والمعارضة ) ، ( أهل الشر وأهل الخير ) . فلا يفوز بمناصبها إلا هؤلاء المحسوبون عليها لا ضدها ، المنغمسون في حبائلها لا المعزولون عن دوائر رضاها واسترضائها .


ولهذا تصبح السيرة المطلوبة لأي منصب هي السيرة الشخصية لا السيرة الوظيفية . فلا القدرات الفنية أو العلمية أو التخصصية هي المحل للتقدير والاعتبار . وإنما يحل محلها السيرة الشخصية المتعلقة بالموالاة السياسية والخضوع الوظيفي ، باعتبارها عنوان الجدارة وموجهات الاختيار .


وللمفارقة ، فجواز المرور الأمني لمناصب الدولة البوليسية لا يتناقض في أغلب الاحوال مع السمات السلبية في السيرة الشخصية ، وخصوصا ما يتعلق منها بنقاط الضعف المسلكية أو الأخلاقية . بل هو متناغم معها باحثا عنها محتفيا بوجودها . باعتبار أن كافة النقائص الأخلاقية والنوازع الدونية هي مفاتيح للتحكم والسيطرة ، يمكن استثمارها لضمان استغلال مواطن الابتزاز لدى أي شخصية في حال تمردها أو خروجها عن القواعد المرعية غير المعلنة .


٤ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تقوم بتخصيص نسبة كبيرة من المناصب الحكومية على اختلاف تخصصاتها النوعية لرجال الأمن . 


ولذلك يمتد داخل دولاب عملها طابور من رجال الأمن المتقاعدين إسميا ، المجندين عمليا لصالح أجهزتهم الأمنية . الأمر الذي يوفر عينا أمنية راصدة وقبضة بوليسية متنفذة داخل كل المرافق . بما يضمن تكريس موارد الدولة لخدمة مصالح النظام ، وضمان تسكين مؤيدي الدولة أو تابعيها أو مرشديها ومخبريها في كل مستويات اتخاذ القرار .


وللمفارقة ، فإن هذا ( الذراع الأمني ) داخل كافة المرافق الحكومية يكون راعيا وحارسا لكل مظاهر الفساد ، بما يوفر دائرة موثوقة لتجنيد الفاسدين وابتزازهم من أجل استخدامهم كعيون لرصد أي متمردين محتملين داخل بنية مؤسسات الدولة وأجهزتها .


٥ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تسند الكثير من الأنشطة المجتمعية غير الأمنية إلى الأجهزة الأمنية . 


ولذلك تزدحم وتتضخم الهياكل التنظيمية لوزارة داخليتها وباقي أجهزتها الأمنية ، نتيجة تحميل هذه الهياكل بإدارات ومصالح تمارس أعمالا وتخصصات ليست لها أي صفة أمنية ، كان ينبغي - وفقا للمقتضيات الرشيدة من منظور قواعد التنظيم والإدارة - أن يتم إلحاقها بوزارات أخرى تدخل هذه الأعمال ضمن نطاق اختصاصها .


بل ، ويتطور الأمر في الدولة البوليسية إلى حد السماح للأجهزة الأمنية بإنشاء منظومتها الاستثمارية الخاصة بها والتي تمتد لكافة الأنشطة الاقتصادية وتصب أرباحها داخل موازنتها . بما يجعل من تلك الأجهزة لاعبا في ساحة كعكة الاقتصاد المحلي ، ومن ثم يحتم وقوعها في مصيدة تضارب المصالح بين مسئولياتها الأمنية وطموحاتها الاستثمارية .


علاوة علي ذلك ، فإن الأنشطة المجتمعية التي تفلت من التبعية التنظيمية للمؤسسات الأمنية لا تفلت من التبعية الترخيصية لها . حيث يتم ربط الكثير من هذه الأنشطة بموافقات وجوبية ينبغي صدورها عن الجهات الأمنية للبدء في هذه الأنشطة أو الاستمرار فيها . وذلك دون الاستناد غالبا إلى نصوص من القانون تستوجب ذلك .


الأمر الذي يقسم الكثير من أنشطة المجتمع ؛ إلى الآتي :

- أنشطة غير أمنية تتولاها حصريا الجهات الأمنية . 

- ‏أو أنشطة غير أمنية لا يتم الترخيص لمزاولة نشاطها إلا بموجب موافقات أمنية مسبقة . 

- ‏أو أنشطة غير أمنية تدخل ضمن المنظومة الاستثمارية لأجهزة الأمن .


وبذلك ، يصبح المجتمع بمؤسساته رهن القبضة الأمنية ، تنظيما .. أو ترخيصا .. أو استثمارا .


٦ - والدولة البوليسية ، هي الدولة التي تضع عينا أو قدما أو ذراعا او أصبعا أمنية، داخل التنظيمات الحزبية ، أو النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني ، أو المؤسسات الإعلامية .


ولا يقتصر ذلك على استخدام الوسائل التكنولجية للمراقبة غير القانونية لأنشطة هذه الجهات ولأسرار الحياة الشخصية لأعضائها ؛ لاستغلال ما يتوفر من معلومات لتصفية هذه الجهات وأعضائها معنويا أمام الرأي العام . 


بل يمتد الأمر  إلى تجنيد عناصر يتم انضمامها لتلك الجهات بغرض نقل أخبارها واتجاهات أعضائها ؛ وترتيب سيناريوهات لإحداث وقيعة داخل صفوفها ؛ تمهيدا لحلها أو إرباك نشاطها نتيجة الصراعات بين أجنحتها .


أو من خلال إنشاء الدولة البوليسية لكيانات حزبية أو أهلية أو إعلامية تابعة لها ، أو وضع يدها على كيانات قائمة أصلا ، لتخترق بها ساحة الحياة الحزبية أو ساحة منظمات المجتمع المدني أو الساحة الإعلامية. 


ولقد تطور الأمر في ظل الفضاء الإلكتروني الناجم عن شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، حيث بدأت الأجهزة الأمنية بالدول البوليسية في إدخال التحديث على أساليبها المتعلقة بإرباك الرأي العام أو تأليبه أو تخديره ؛ من خلال ما يسمى باللجان الإلكترونية التي تدار بمعرفة هذه الأجهزة ، لنشر الشائعات ، والاغتيال المعنوي للشخصيات ، والإرهاب النفسي للمعارضين باستهدافهم بالسباب والتجريس والاستهزاء .

.... .....


كانت هذه هي المظاهر أو الممارسات التي تتسم بها الدولة البوليسية .. 


ولكن ، قد تتعقد وتلتبس ملامح الدولة البوليسية ، عندما تنبثق من داخل دولة تخضع لحكم المؤسسة العسكرية ، فيظهر نمط الإدارة الأمنوعسكروسياسية ( أمنية / عسكرية / سياسية ) . 


حيث تنفتح دائرة المناصب الحكومية لكي تضم قطاعا كبيرا من المتقاعدين ذوي الخلفية العسكرية . بما يقلص كثيرا من الكوادر المدنية داخل بنية الدولة التنظيمية . ويصبغ مؤسساتها بصبغة عسكرية تضاف إلى الصبغة الأمنية بما يجرف طبيعتها المدنية . 


علاوة على اقتطاع جانب أكبر من الكعكة الاقتصادية لبناء المنظومة الاستثمارية للمؤسسة العسكرية التي تؤمن بقاءها في الحكم من خلال ترسيخ قاعدتها الاقتصادية .


إلا أن المأزق العسير الذي تواجهه الدولة البوليسية حتى لو كانت تقودها المؤسسة العسكرية ، يتمثل في أن نفاذ الأجهزة الأمنية بالدولة البوليسية للكثير من الأنشطة والمؤسسات ؛ يؤدي إلى تجرؤ هذه الأجهزة واستقوائها بصلاحياتها الأمنية ، وانفلاتها وارتكابها لحماقات كارثية ؛ تؤلب عليها باقي مؤسسات الدولة بما فيها حتى المؤسسة العسكرية . 


بما يؤدي بمرور الوقت إلى اططفاف هذه المؤسسات في جانب ؛ وأجهزة الأمن المنفلتة المتجرئة في جانب آخر .


علاوة على أن تجنيد الأجهزة الأمنية لخدمة أهداف النظام مع تخليها عن دورها في تحقيق الأمن بالمجتمع ؛ يخلق فجوة واسعة بينها وبين غالبية مكونات المجتمع ، بما يرسخ النظرة لها باعتبارها العصا الغليظة للسلطة المستبدة الفاشلة ، والعين المتغافلة عن حماية أموال الناس وممتلكاتهم وأرواحهم وأعراضهم .


الأمر الذي يعمق الشرخ بين الأجهزة الأمنية والمجتمع بغالبية مواطنيه أو مؤسساته . وينذر بحدوث انفجار ، بالطبع لا تصب نتيجته في صالح استمرار الدولة البوليسية .


ولعله من الواضح ، أن بولسة المجتمعات الحديثة أو عسكرتها هو أمر يتناقض مع الطبيعة المنفتحة للحضارة الإنسانية الراهنة ؛ التي تؤدي منجزاتها التكنولجية إلى تجاوز الحدود والأسوار ، وتعدد الآراء والأفكار ، ومن ثم تعميق الحقوق والحريات .


ولذلك ، فإن الدولة البوليسية بكل منطلقاتها ، هي دولة تحمل داخل أحشاءها بذرة فناءها . بوصفها خلطة كريهة تفسدها وتسممها بهارات البولسة . وباعتبارها دولة ضد الحاضر ، ومن ثم لا مكان لها بالقطع في .. المستقبل .


ولكن ، لا يمكن الوصول لذلك المستقبل إلا من خلال تفعيل حزمة متكاملة من الضمانات التي تسمح بتفكيك بنيان الدولة البوليسية ؛ بما يسد الطريق أمام أية محاولات لإعادة إنتاجها حال سقوطها . 


ولكن لهذا حديث آخر ، يمكن مطالعة تفاصيله بدراستي المرفق رابطها بالهامش تحت عنوان :

الضمانات المطلوبة لعدم إعادة إنتاج الدولة البوليسية ( ضمانات : وظيفية - هيكلية - إدارية - تشريعية ) .


دكتور / محمد محفوظ

#الدولة_البوليسية


هامش :

- رابط دراستي :

الضمانات المطلوبة لعدم إعادة إنتاج الدولة البوليسية ( ضمانات : وظيفية - هيكلية - إدارية - تشريعية ) .

https://drmmahfouz.blogspot.com/2011/07/necessary-safeguards-against.html

الدراسة تم عرضها بمؤتمر : 

( تحديات التحول الديمقراطي في مصر خلال المرحلة الانتقالية ) .

المنعقد بالقاهرة بتاريخ ٢٦ - ٢٧ يوليه ٢٠١١ ، بالتعاون بين كل من : 

- مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان 

- مركز العلاقات الدولية والحوار الخارجي FRIDE بأسبانيا 

- ‏صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية UNDEF


06 مايو 2016

د. محمد محفوظ يكتب : الرئيس .. بين الرحيل بلمس الأكتاف أو التهميش بالنقاط .. برنامج عمل ) ثو / سياسي (

 اللي وقف يوم ٣/  ٧ مابيخافش
" السيسي "

لم يعد لدي أدنى شك في أن أولويات الرئيس ليست هي أولويات أغلب المصريين . وأن انحيازاته ليست كانحيازات معظم مثقفيها ومفكريها وصحفييها وإعلامييها وشبابها وثوارها . فالأزمات العبثية الهزلية التي تتوالى على رؤوسنا كالصواعق ؛ توضح بأن متخذ القرار منشغلا بأولويات وانحيازات أخرى ليس لها علاقة بما يرجوه أغلبنا من مسار .
كما لم يعد لدي أدنى شك في أن الرئيس ليس طيعا في نزع المُلك أو فتح مساحات للمعارضة ، مثلما هو طيعا في نزع الأرض بموجب اتفاقيات ترسيم الحدود .
ولذلك ، فكما تمسك غير المأسوف عليه محمد مرسي بحبال وخيوط الشرعية الزائفة التي ما دونها الدماء . 
فسوف يتمسك السيسي باعتبار إنه ما " بيخافش " كما قال في خطابه بتاريخ ٥ مايو ٢٠١٦ بالفرافرة ، سوف يتمسك بسلاسل وجنازير حماية مؤسسات الدولة من الهدم جراء " المؤامرة الجهنمية " الداخلية الخارجية التي يقف وراءها " أهل الشر " .
وكما رفع أنصار مرسي بنادق الإرهاب وزرعوا متفجراته ودبروا اغتيالاته . 
فسوف يتقدم أنصار السيسي من " أهل الخير " بالبلاغات لعقد محاكمات الاتهام بالعمالة والخيانة والتمويل ؛ بموجب القضية رقم ٢٥٠ والقضية رقم ٢٥٠ مكرر ؛ وهلم جرا ؛ ليتم الزج بالمعارضين داخل غياهب السجون بموجب قرارات الحبس الاحتياطي أو بالأحرى "الاعتقال القضائي" .
ولهذا .. لا يبدو رحيل الرئيس قبل نهاية فترته بلمس الأكتاف أمرا يكتسب الأفضلية في ميزان تحقيق أهداف الثورة المصرية . نظرا لما يمكن أن يؤدي إليه من شيطنة للتحركات الاحتجاجية ؛ وتفاقم للاستقطاب المجتمعي ؛ ورفع لدرجة حرارة الهستيريا الجماعية الحكومية والشعبية .
ومن هنا .. فإن السبيل الأولى بالاتباع هو التعويل على مباراة سياسية تتوالى أشواطها ؛ يكون المستهدف منها تحقيق أكبر قدر من النقاط لتهميش الرئيس سياسيا وخفوت نجمه شعبيا . بدلا من استنزاف الجهود في شوط واحد أملا في رحيله بلمس الأكتاف ، رغم أنه "مابيخافش" . 
ولعل ذلك التهميش السياسي سيساهم في تحرير الطبقة السياسية المصرية من الدوران في فلك الرئيس باعتباره الفرعون شبه الإله . كما سيساهم أيضا في فتح الطريق لممارسة الصلاحيات السياسية الواسعة التي رسمها الدستور لكل من مجلس النواب ومجلس الوزراء قياسا بالصلاحيات الهامشية التي خصصها للرئيس لضمان عدم تركز السلطات في يده دون غيره . علاوة على أن خفوت النجم الشعبي سيضع الرئيس في موضعه الحقيقي باعتباره قائدا مرحليا ، وليس مصلحا اجتماعيا ، أو مخلصا سماويا ، أو " مابيخافش " .
ولكن السؤال : كيف يمكن إدارة هذه المباراة السياسية التي تتطلع لتهميش الرئيس بالنقاط وتستبعد رحيله بلمس الأكتاف ؟
في تقديري ، فإن تلك المباراة السياسية تحتاج إلى برنامج عمل ثو/سياسي ؛ أي ثوري / سياسي ، يسعى إلى صياغة منهج جديد للاحتجاج يساهم في فضح السياسات الفاشلة والإصلاحات الغائبة والأزمات العبثية المتوالية ، كما يسعى إلى التأكيد على إعداد البديل السياسي الحزبي المؤهل للتداول السلمي للسلطة . 
ويتضمن هذا البرنامج عدد ٦ محاور تتمثل في الآتي :
أولا - الانتقال بالممارسات الاحتجاجية من الدائرة الثورية إلى الدائرة القضائية : بما يعني لف حبل قانون تنظيم التظاهر حول رقبة النظام بدلا من لفه حول رقبة النشطاء أو المعارضة . وذلك من خلال التنسيق مع كافة القوى الاحتجاجية المدنية الديمقراطية بشأن الالتزام بالخطوات القانونية التي حددها القانون للموافقة على الوقفات والمسيرات والتظاهرات . وإعداد إحصاءات دورية بعدد ما لم يحظ منها بموافقة الجهات الرسمية . ورفع الأمر للجهة القضائية المختصة للبت في مدي مشروعية قرارات عدم الموافقة . الأمر الذي سيمثل بمرور الوقت عنوانا قضائيا موثقا يوضح مدى عسف النظام تجاه الحقوق والحريات المقررة بالدستور ، ومدى عدم تقبله للاحتجاج أو المعارضة .
ثانيا - الانتقال بالممارسات الاحتجاجية من الدائرة الميدانية إلى الدائرة الإعلامية : بما يعني التمسك بالحق الوارد في المادة رقم ١٥ من قانون تنظيم التظاهر التي تنص على الآتي : يصدر المحافظ المختص قرارا بتحديد منطقة كافية داخل المحافظة تباح فيها الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات السلمية للتعبير السلمي فيها عن الرأي دون التقيد بإخطار . 
ولعل ذلك سيساهم في عدم قصر الاهتمام فقط على الميدان أو الشارع أو المنطقة التي سيتم في حرمها الاحتجاج ؛ قدر الاهتمام بدائرة الضوء الإعلامية التي ستتركز على المنطقة المخصصة باستمرار للتظاهر دون إخطار مسبق . الأمر الذي سيؤدي إلى التغطية الإعلامية للفاعليات الاحتجاجية بكل سهولة دون الجري في الشوارع خلف التظاهرات . ويضمن توفير حرم آمن يساهم في الدفع بفئات جديدة للتعبير عن احتجاجها أو غضبها أو معارضتها دون خوف من الملاحقة الأمنية . ويوفر ساحة مستديمة تتجاوز عائق رفض السلطات لمنح تراخيص لمعظم المظاهر الاحتجاجية .
ثالثا - الانتقال بالممارسات الاحتجاجية من الدائرة الشعبية الجماهيرية إلى الدائرة السياسية الحزبية : بما يعني مفارقة المقولة الساذجة التي تستحسن التأكيد علي تغييب وإخفاء الصفة الحزبية أو الهوية السياسية عند الاحتجاج على السياسات والإخفاقات والانتهاكات الحكومية الكارثية . والتحول نحو الإمعان في تجسيم الصفة الحزبية والهوية السياسية في الفاعليات الاحتجاجية باعتبار أن ذلك هو الذي سيقدم لجماهير الناخبين البديل السياسي المتطلع لتداول السلطة ، وليس مجرد الناشط الميداني المحرك للسخط الشعبي . علاوة على أن ذلك سيساعد على تكوين كوادر سياسية حزبية تكشف عن بدائلها وبرامجها في الشارع ووسط الجماهير ؛ وليس في الغرف والقاعات المغلقة داخل مقرات الأحزاب . 
رابعا - حتمية الاندماج السياسي للأحزاب المتقاربة أيدلوجيا : بما يعني ضرورة التحلي بالمسئولية الوطنية ؛ وتقدير المرحلة المفصلية التي تمر بها مصر بعد ثورتين للانتقال من الدولة الاستبدادية البوليسية إلى الدولة المدنية الديمقراطية . الأمر الذي يستدعي ضرورة وحتمية الاندماج بين كافة الأحزاب المدنية مهما تمايزت توجهاتها الأيدلوجية بين اليمين واليسار والوسط . وتدشين صيغة اندماجية تذوب فيها تلك الأحزاب في كيان حزبي واحد ؛ مع الاتفاق علي فترة انتقالية يتم فيها تداول منصب رئاسة الحزب الموحد بين رؤساء الأحزاب المندمجة فيه . 
وكما هو متعارف عليه في كل الدول الديمقراطية ، فإن الأحزاب الكبيرة تستوعب بداخلها أجنحة سياسية من اليمين مرورا بالوسط وصولا إلى اليسار . الأمر الذي سيفتح الطريق أمام حياة سياسية حقيقية وليست كرتونية ؛ يبدو فيها ذلك الكيان الحزبي الموحد كلاعب رئيسي في الساحة السياسية ؛ وبديل جاهز دائما لتولي مقاليد السلطة والحكم .
خامسا - الاستعداد المبكر لانتخابات المحليات وضمان عدم تكسير الأصوات : فالمعطيات السياسية تؤكد بأن إمكانية التغيير في منظومة السياسات الحكومية هو أمر بعيد المنال في مواجهة رئيس مابيخافش ، وحكومة بلا رؤية ، ومجلس نواب بلا عزيمة . ولذلك فإن النفاذ من أسفل السلم السياسي بدءا من المحليات بمجالسها المنتخبة ؛ قد يكون هو السبيل المتاح وأول الطريق للتغيير المتدرج ولكن المثابر المستمر .
ولعل الكيان الحزبي الموحد السابق الإشارة إليه لو تم تدشينه سريعا ؛ قد يكون بمثابة رمانة الميزان التي ستضمن عدم تكرار تجربة انتخابات مجلس النواب التي أدت إلى تكسير أصوات الناخببن بين مرشحين متقاربين أيدلوجيا ؛ بما أسفر عن أغلبية نيابية غير سياسية موالية للنظام ومداهنة للناخبين . 
سادسا - التأكيد على إبراز المسئولية التقصيرية للرئيس دستوريا وسياسيا : فلم يعد مقبولا التمسك بالمقولة اللزجة الممجوجة المكررة التي مفادها أن الرئيس حلو وكل اللي حواليه وحشين . فواقع الحال يؤكد بأن المحيطين بالرئيس هم نتاج اختياراته ، واختياراته هي ترجمة لمنهجه في الحكم والإدارة . ومن ثم فهو المسئول الأول عن مواطن القصور وغياب الإصلاح وتردي الأوضاع . 
وبالتالي ، فإن التأكيد على إبراز ذلك سيساهم في خفوت الهالة الشعبية التي أحاطت بالرئيس نتيجة خطابات عاطفية وممارسات استعراضية ؛ تتناقض في واقع الحال مع القرارات والسياسات الرئاسية التي تشير إلى عدم تبني بل ومخاصمة دفينة لكل أهداف الثورة المصرية على الفساد والاستبداد . 
------
إن المثابرة على إحراز النقاط دون الانشغال بلمس الأكتاف ؛ ستؤدي - حتى لو تمكن الرئيس من الفوز بفترة رئاسة ثانية - إلى وضع نقطة في نهاية السطر للرؤساء القادمين من خلفية عسكرية . وتؤسس لسطر جديد في كتاب مسيرة الوطن ؛ عنوانه : 
قيادة سياسية مدنية . 
ومؤسسة عسكرية غير سياسية غير اقتصادية .
وعلاقات مدنية عسكرية تمتثل للمعايير الديمقراطية . 
وسلطات تؤمن بأن الفصل فيما بينها هو جوهر الالتزام بالسيادة الشعبية . 
ونظام سياسي جديد يضع النظام القديم في مكانه المستحق بالمقابر السياسية .
وأخيرا .. رئيس لا يجرؤ على التصريح للشعب بإنه " مابيخافش " .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

16 أبريل 2016

الموت السياسي للرئيس

د. محمد محفوظ .. يكتب : الموت السياسي للرئيس

" أتى أمر الله فلا تستعجلوه .. "
سورة النحل / الآية ١

مات السيسي سياسيا .
فمثلما مات الملك فاروق سياسيا عقب هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل عام ١٩٤٨ ، ثم مات فعليا في مارس عام ١٩٦٥ .
ومثلما مات جمال عبد الناصر سياسيا عقب هزيمة يونيه ١٩٦٧ ، ثم مات فعليا في سبتمبر  ١٩٧٠ .
ومثلما مات أنور السادات سياسيا عقب اعتقالات سبتمبر ١٩٨١ ، ثم مات فعليا في أكتوبر من العام ذاته .
ومثلما مات محمد مرسي سياسيا عقب صدور إعلانه الديكتاتوري التمكيني في نوفمبر ٢٠١٢ .
فقد مات السيسي سياسيا عقب موافقته على أحقية المملكة العربية السعودية في ملكية جزيرتي تيران وصنافير في إبريل٢٠١٦ .
ومثلما لا يعود أحد من الموت الفعلي . فإن أحدا لا يعود أيضا من الموت السياسي . فالموت موت ، فعليا كان أم سياسيا .
كتب السيسي شهادة وفاته السياسية بنفسه . 
وعندما يأتي ملك الموت السياسي ، تبتعد الأجهزة القريبة من الرئيس عن فراش الموت ، وتبدأ المؤسسات في التعامل مع الشبح السياسي للرئيس بمنطق المسايرة لا بمنطق الولاء . فالأجهزة والمؤسسات رغم أنها قد تتفانى في خدمة الرئيس ، إلا أن ولاءها عند الأزمات ليس إلا لنفسها .
العزلة التي يعاني منها أي رئيس بعد موته السياسي ، تجعله زاهدا في الحكم ، ولكن كبرياء السلطة يمنعه من اعتزالها . فعندما تفقد السلطة بريقها ويتشرخ نفوذها ، يصبح أمر مغادرتها - إما بالموت الفعلي أو بالرحيل لنهاية المدة - بمثابة آمال وأحلام تراود النفس الرئاسية وتتوثب لها .
مات السيسي سياسيا .. لأنه ألقى على رؤوس الناس قنبلة مفادها : كل تضحياتكم وكبرياءكم ووطنيتكم وانتفاضاتكم وثوراتكم لا وزن لها. فما زلتم رعايا في بلادكم ، لا اعتبار لكم ، ولا رأي لكم في أرضكم أو حدودكم أو اتفاقياتكم أو معاهداتكم . والاستهانة والاستخفاف مازالتا الميراث المتبع لتجاهل ردود أفعالكم .
مات السيسي سياسيا .. لأنه أسقط الشعب من معادلة الدولة ، وظن لوهلة أن الدولة : سلطة ؛ وكفى .
مثلما يظن " حامل التوكيل العام " بأن له حق التصرف دون استشارة " صاحب التوكيل " . وينسى أنه ما حمل التوكيل إلا ليمثل صاحبه لا لينفي إرادته ويسلبه مشيئته .
مات السيسي سياسيا .. ومهما بدت أمارات الكبرياء والممانعة . فثمة حقائق سترسم على الأرض لوحاتها .
ولا تعتمد تلك الحقائق على التظاهرات أو الاحتجاجات ومدى حجمها أو عددها أو تواتر استمرارها . كما لا تعتمد أيضا على ما ستثبته الدراسات الفنية من تأكيد تبعية الجزر للسعودية أو نفيها . وذلك لأنه ما كان قبل التنازل عن الجزيرتين ، لن يكون بكل بساطة مثل ما هو بعدها . فثمة علامات فارقة وومضات كاشفة تعري أساسات الثقة وتزلزل ثباتها .
فلن يغفر قطاع كبير من رجال القوات المسلحة للسيسي - وهو خارج من بين صفوفهم - ما فعله واقترفه . ومهما ارتدى القادة أقنعة المسايرة ، فإن القاعدة العريضة من ضباطهم وأفرادهم ستشعر بالخجل من سلطة أهانت تضحياتهم وأهدرت نضالهم . بالطبع لن يخرجوا على قائدهم الأعلى ، ولكن ربما يكون ملائما أن يخرجوه هو - ولو جزئيا - من دائرة الصورة التي تصدِّرها للمجتمع أجهزة دعايتهم وإعلامهم .
كما ستبدأ الأجهزة السيادية في فتح قنوات الاتصال لتبادل المعلومات فيما بينها ، خلافا لتنافسها السابق من أجل حجبها عن بعضها بعضا تقربا للقيادة السياسية وطمعا في الانفراد بثقتها . بالطبع لن تطرمخ الأجهزة على المعلومات أو تزيف بعضها ، ولكنها بالتأكيد ستتباطأ في رفعها كي لا تحقق أثرا يساهم في توريطها .
كما ستبدأ باقي مؤسسات الدولة في التشرنق حول ذاتها ؛ لوقاية نفسها من أي ركام يتساقط من جثة سلطة باتت ترقد في نعشها .
مات السيسي سياسيا . ولكن .. ماذا بعد ؟؟؟
بالطبع ، لا تملك مصر رفاهية رحيل رئيس قبل نهاية فترته الرئاسية ، حتى لو أدار السلطة من المقابر السياسية في قصر العروبة أو الاتحادية . 
ولكنها تملك أن تهرب من قضاء السياسة إلى قضاء السياسة ، بأن تبادر بتفعيل نصوص دستورها ، ودسترة رئيسها من خلال حصره في المساحة الدستورية المرسومة له .
وبالتالي ، لن يسامح التاريخ مجلس النواب لو منح الثقة لحكومة شريف إسماعيل بكل رجالها ونسائها . فالحكومة التي فقدت المرؤة السياسية والنخوة الوطنية ولم يبادر رجل أو امرأة من أعضائها بالامتعاض أو بالاعتراض على الاستهانة والاستخفاف بالشعب الذي يدفع مرتباتها ويمول مخصصاتها ، هي حكومة لا تستحق البقاء في مقاعد السلطة داخل وطنها . 
لذلك على مجلس النواب أن يعلن سحب الثقة من تلك الحكومة الخائرة ، ويبادر بتشكيل حكومته . 
وقد يرى الكثيرون بأن البرلمان بتشكيلته الحالية لن يأتي بحكومة أفضل من الحكومة القائمة . ولكننا نقول بأن حكومة ائتلافية تتنوع أجنحتها لتنال ثقة برلمانها ، وتتجادل تياراتها السياسية لرسم سياساتها، ويتمرد على توجهاتها بعض أعضاءها ، هي حكومة أفضل لمصر من حكومة موظفين خاضعين خانعين خائرين ، لا رأي ولا لون ولا طعم لهم .
وعلى الحكومة الائتلافية ومجلس النواب ؛ أن يعضوا بأسنانهم على دسترة السيسي بموجب نصوص دستور النوايا الحسنة ، ويؤكدوا على محدودية سلطاته في مواجهة سلطاتهم . 
ولئن كان الوفاء يحتم عليهم بأن يحفظوا للسيسي مكانته وهيبته حتى نهاية فترته تقديرا لوقوفه ضد الإخوان مع الشعب في ثورته . فإن هذا لا يمنع من التزامهم بنسف ما سبق وأعوج من سياساته وقراراته . وأولها، رفض التصديق على إتفاقية " تيران وصنافير " ،  وتخيير المملكة العربية السعودية للجوء إلى الجهات الدولية للمطالبة بما تراه حقا لشعبها وحكومتها وأرضها .
مات الرئيس سياسيا .. 
ولكن يمكن لمصر أن تحفظ المسافة بينها وبين مصيره . لو اعتنق مجلس نوابها حكمة خالدة مفادها أن : إكرام الميت سياسيا .. دفن سياساته . 
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

02 أبريل 2016

نقول كمان .. حرية التعبير وفوبيا ازدراء الأديان

 د. محمد محفوظ يكتب : نقول كمان .. حرية التعبير وفوبيا ازدراء الأديان

لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتاً ولو كان معززاً بالقانون
المحكمة الدستورية العليا

يبدو انه لم يسلم أحد من فوبيا إزدراء الأديان . فقد اكتوى بها الكبار والأطفال . المسلمون والمسيحيون . الرجال والنساء . المفكرون والمبدعون . العلمانيون والأزهريون . 

بل وتبدو مواد الدستور في مواجهة النصوص القانونية التي تعاقب بالحبس على ازدراء الأديان مجرد حبر على ورق سوليفان . ويبدو مجلس النواب منشغلا عنها بناديه ولائحته وميزانيته وتوزيع لجانه ومكافآت أعضائه ، ولا يبالي بمن تحبسهم السجون خلف قضبانها بلا دليل من الدستور أو برهان .

ولذلك كان لزاما علينا أن نجتر البديهيات التي حسمها العالم المتقدم منذ زمن طويل . تلك البديهيات التي يؤدى غيابها إلى حتمية الصدام المتكرر مع المواد الفكرية أو الدرامية أو الأدبية أو الفنية أو الإعلامية التى تتضمن إساءة حقيقية أو مزعومة للأديان والرموز الدينية . مما أهدر الكثير من القدرة على استيعاب وفهم تلك المواد في إطارها الصحيح ومعناها الحقيقي ؛ وفتح الباب واسعاً لتكريس ممارسات التزمت والتشدد ومحاصرة الوعى ومحاكمة الضمائر والأفكار .

وتتمثل هذه البديهيات في ٥ تساؤلات ؛ ربما تؤدى الإجابة عليها إلى إزالة اللبس المطروح على الساحة ؛ إذ أن استمرار وجود هذه التساؤلات بلا إجابات فى ثقافتنا المعاصرة ؛ يمثل المقدمات التى يتم البناء عليها للوصول الى نتائج مغلوطة ؛ وعواقب كارثية ، وأجواء مورستانية  .

ولنستعرض معا هذه التساؤلات :

 السؤال الأول : هل حرية التعبير تُمنح للتعبير الإنساني ذاته ، أم إلى الأفراد ؟

 ويثور هذا التساؤل لأن مصطلح حرية التعبير يفتقر إلى الدقة الإصطلاحية ، نظراً لأن معناه المستقى من تركيبته اللغوية ، يجعل الذهن ينصرف إلى أن الحرية هنا تتعلق بالتعبير ذاته ، بينما هى تتعلق بالأفراد الذين يمارسون هذا التعبير . فالمادة التعبيرية تتكون من رموز تتشكل في صوت مسموع وصور مرئية أو مطبوعة ، إلى آخر الأشكال المتعددة لصياغة الرموز التعبيرية للإنسان . وبالتالي فهى مجرد رموز فاقدة للحياة ولا يمكن أن تتمتع بأي حرية ، وإنما تنصرف الحرية إلى الفرد ذاته ، الذي يتولى توليد هذه الرموز وصياغتها وتوصيلها للآخرين . 

وبالتالي يصبح التركيب اللغوي الصحيح للمصطلح هو : حرية الأفراد في التعبير . ونظراً لأن الأفراد مختلفين بحكم المنطق والواقع والضرورة ، فإن المجادلة بأن حريتهم في التعبير مصونة في كافة المجالات ، باستثناء الأمور الدينية ، هى مجادلة غير صحيحة . لأنها تتناسى بأن هناك بعض الأفراد غير المؤمنين بالأديان بصفة عامة أو ببعض الأديان بصفة خاصة ؛ أو الذين تختلف درجة إيمانهم عن درجة إيمان أقرانهم فى نفس الدين ؛ أو الذين ينتمون لمذهب يتعارض مع مذهب آخر فى ذات الدين ، وبالتالي سيتم الحجر على حق كل هؤلاء في الجهر بآرائهم اللادينية ، أو الدينية المعارضة ؛ لو تم استثناء القضايا الدينية من دائرة حرية الأفراد في التعبير .

 ولعل هذا يزيل اللبس ، ويوضح بأن عدم استبعاد الإساءة الفعلية أو المزعومة إلى الأديان أو إلى الرموز الدينية من دائرة حرية الأفراد فى التعبير ، هو أمر ينطلق من مبدأ هام ، مفاده : أن كافة الأفراد متساوين أمام القانون والدستور ، ولا يجوز حرمان أية طائفة من حق ممنوح بالضرورة لباقي الطوائف الأخرى . وبالتالي لا يمكن فتح الساحة للمؤمنين ـ أو لبعض المؤمنين ــ بمفردهم للتعبير عن توجهاتهم الدينية ، وإغلاقها أمام غير المؤمنين بالديانات عموماً أو غير المؤمنين بدين معين أو مذهب معين ؛ للتعبير عن توجهاتهم غير الدينية أو الدينية المعارضة . 

ولعل هذه هى البديهية الأولى الغائبة عن ثقافتنا المنغلقة المعاصرة .

 السؤال الثاني : هل حدود حرية الفرد في التعبير تتوقف عند حدود حرية الآخرين في التعبير ؟

يجادل الكثير من المتحدثين بأن حرية كل فرد تتوقف عند حدود حريات الآخرين . ولعل هذا صحيح ، و لكن – فقط – في مجال الحريات المادية التي تدخل في نطاق الأفعال . 
أما حرية التعبير فهى حرية رمزية - غير مادية - لأن مادتها الوحيدة تتمثل في الرموز . وهذا يوضح بأنه بينما يستحيل على الحرية المادية للفرد أن تتقاطع مع حريات الآخرين ، لأن هذا التقاطع سيؤدى بالضرورة إلى التصادم بحكم طبيعتها المادية ؛ إذ لا يمكن ــ مثلاً ــ الانطلاق بالسيارة في شارع مكتظ بالمشاة ، لأن هذا يعنى بالضرورة الاصطدام بهم . بينما الحريات الرمزية يمكن أن تتقاطع ؛ حيث يمكن للفرد المجاهرة بآراء تتعارض تماماً مع آراء البشر جميعاً ، وهذه الآراء لن تتصادم بحيث يدفع بعضها الآخر . فالنطاق الرمزي لحرية الأفراد في التعبير يجعل نطاقات ممارسة هذه الحرية لا تتدافع أو تتصادم ، لأنها تتشكل في دوائر رمزية يمكنها أن تتداخل وتتقاطع مع بعضها البعض . 
وبالتالي لا يمكن الاحتجاج بأن حرية الفرد في التعبير تقف عند حدود حرية الآخرين في التعبير ، لأن نطاق هذه الحرية هو نطاق رمزي غير محدود .

 ولهذا فإن عدم استبعاد الإساءة الحقيقية أو المزعومة إلى الأديان أو إلى الرموز الدينية من دائرة حرية الأفراد فى التعبير ، هو أمر ينطلق من مبدأ هام ، مفاده : أن الحريات الرمزية يمكنها أن تتقاطع وتتداخل ولا تتصادم مع بعضها البعض نظراً لطبيعتها الرمزية ، بخلاف الحريات المادية التي لا يمكنها أن تتقاطع أو تتداخل وإنما تتصادم بحكم طبيعتها المادية . و

ولعل هذه هى البديهية الثانية الغائبة عن ثقافتنا المأزومة المعاصرة .

 السؤال الثالث : هل من المشروع استخدام الفعل المادي للرد على التعبير الإنساني ؟

يقرر المنطق الفطري والقانوني بأن قيام أحد الأفراد برش آخر بالماء ، لا يبرر للآخر الرد عليه بإطلاق الرصاص ، وذلك رغم وقوع الفعلين في دائرة الأفعال المادية . و لعل ذلك يتحدد وفقاً لقاعدة هامة مفادها : أن رد الفعل يجب أن يتناسب مع الفعل ، وإلا أصبحت المبالغة في رد الفعل خروجاً عن المألوف . ولكن ما بالنا لو كان رد الفعل المادي بمثابة رد على التعبير الرمزي . لا شك بأن عدم التناسب يصبح صارخاً ، نظراً لاختلاف المجال المادي لرد الفعل عن المجال الرمزي للتعبير الإنساني . 

ولنا في آيات القران أسوة حسنة ، إذ يقول سبحانه في قرآن يُتلى على أسماعنا صباح مساء .. في قوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم . البقرة / ١٩٤ . بما يعنى قياساً أنه إذا كان العدوان الواقع رمزياً ولا يدخل في دائرة الأفعال المادية ، فإن الرد عليه ينبغي أن يظل محصوراً في دائرته الرمزية ، ولا يتطور إلى الأفعال المادية . وإلا أصبح هذا العدوان غير مبرر ، ولا يتناسب مع منطق الشرع والتوجيه الإلهي ، الذي وإن أباح الرد على العدوان بما يتناسب معه .. في قوله تعالى : والعين بالعين . المائدة / ٤٥ . فإنه أشار بالمثل إلى فضل العفو والغفران .. في قوله تعالى : والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين . آل عمران / ١٣٤ .. وفي قوله تعالى : وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم . النور / ٢٢.

 وهكذا تتضح عدم مشروعية استخدام الفعل المادي للرد على التعبير الإنساني سواء من ناحية المنطق أو القانون أو الدين . وسواء تمثل هذا الرد المادي في استخدام العنف أو حتى استخدام الحق فى التقاضى الذى تنتج عنه عقوبات بدنية أو سالبة للحرية أو مالية أو أى أساليب مادية أخرى . إذ لا يفقد التعبير الرمزى الحماية التى ينبغى أن تكون مقررة له ؛ إلا إذا ترتبت عليه آثار مادية مباشرة ضارة بالأشخاص أوالممتلكات ؛ الأمر الذى يبيح التعامل معه بأساليب مادية نظراً لفقدانه لصفته الرمزية . 

ولعل هذه هى البديهية الثالثة التي تغيب عن ثقافتنا المتراجعة المعاصرة ، بما يجعلنا نخالف تعاليم ديننا من حيث ندعي الدفاع عنها .

 السؤال الرابع : هل الاستناد الى حرفية النصوص القانونية ؛ دون ربطها بنصوص الدستور أو بأحكام المحاكم العليا ؛ يمكن أن يكون مبرراً لمحاصرة حرية الأفراد فى التعبير؟

 والواقع أن الغابة التشريعية المصرية مسكونة بالعديد والعديد من الشراك والأفخاخ القانونية ؛ التى تجعل السجن أو الحبس هما العقوبة التلقائية فى مواجهة أى ممارسة لحرية التعبير تخرج عن نطاق العرف أو تتصادم مع المألوف أو تتعارض مع الفكر المحافظ أو تحمل أى نوع من التجديد . 

ولذلك فقد انتصر الدستور لحرية التعبير وأسبغ عليها حماية تحصن صاحبها من أي عقوبة سالبة للحرية ، وذلك بموجب المادة رقم ٦٧ التي تنص على الآتي : ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفنى أو الفكري أو الأدبي . وبموجب المادة رقم ٧١ التي نصت على الآتي : ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أوالعلانية .
وللأسف فان هناك طائفة من رجال القضاء لا ينشغلون بالبحث الدستوري  والقانونى ؛ ويتغافلون عن التصدي للنصوص القانونية التي تحمل شبهة عدم الدستورية فلا يحيلونها للمحكمة الدستورية للفصل فيها . 
فضلا عن عدم متابعتهم لأحكام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض والمحكمة الادارية العليا وقرارات النيابة العامة المصرية ؛ التى انتصرت فى دعاوى كثيرة لحرية الأفراد فى التعبير . 
تلك الأحكام والقرارات التى ينبغى التعامل معها باعتبارها مبادئ وتفسيرات دستورية وقواعد قانونية وسوابق قضائية ؛ ينبغى الاستناد إليها فى الانتصار لحرية الكلام والنقاش والإبداع والتفكير والاعتقاد ؛ وباعتبارها تمثل خلاصة تجربة مؤسسة العدالة فى مصر فى أزهى صورها .

واسمحوا لى أن أقدم لكم طائفة من نصوص أحكام المحكمة الدستورية العليا التي انتصرت لحرية التعبير ؛ والتى أعتقد بأن القضاة الذين مازالوا يصدروا أحكاما بالحبس في قضايا فوبيا ازدراء الأديان لم يقرأوها أو يعلموا أصلا عن وجودها . وبالتالى هم لا ينشغلون بالبحث عن الحكمة التى هى سند العدل عند التصدي للفصل في النزاعات بين الأفراد . 

وفيما يلى جواهر منتقاة من أحكام المحكمة الدستورية العليا فى عهد المرحوم المستشار الدكتور / عوض المر .

١- حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم ٣٧ لسنة ١١ قضائية دستورية بتاريخ ٢ فبراير ١٩٩٣ :
 ” إن من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها ،  وإن الطريق إلى السلامة القومية إنما يكمن فى ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح …. إذ لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتاً ولو كان معززاً بالقانون . ولأن حوار القوة إهدار لسلطان العقل ، ولحرية الإبداع والأمل والخيال ، وهو فى كل حال يولّد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن آرائه بما يعزز الرغبة فى قمعها ، ويكرس عدوان السلطة العامة المناوئة لها ، مما يهدد فى النهاية أمن الوطن واستقراره “.

٢- حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم ٧٧ لسنة ١٩ قضائية دستورية بتاريخ  ٧ فبراير ١٩٩٨:
 ” وحيث أن المشرع وكلما تدخل بلا ضرورة لتقييد عرض آراء بذواتها بقصد طمسها أو التجهيل بها بالنظر إلى مضمونها ، كان ذلك إصماتاً مفروضاً بقوة القانون فى شأن موضوع محدد انتقاه المشرع انحيازاً ، مائلاً بالقيم التى تحتضنها حرية التعبير عن متطلباتها التى تكفل تدفق الآراء وانسيابها بغض النظر عن مصدرها أو محتواها ، … وإن الحمل على اعتناق بعض الآراء أو إقماع غيرها ، سوءتان تناقضان مفهوم حوار يقوم على عرض الأفكار وتبادلها والإقناع بها . كذلك فإن موضوعية الحوار شرطها شفافية العناصر التى يدور الجدل حولها ، بما يحول دون حجبها أو تشويهها أو تزييفها “.

٣- حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم ٣٧ لسنة ١١ قضائية دستورية بتاريخ ٢ فبراير ١٩٩٣ :
 ” إن الطبيعة البناءة للنقد لا تفيد لزوماً رصد كل عبارة احتواها مطبوع وتقييمها – منفصلة عن سياقها – بمقاييس صارمة . ذلك أن ما قد يراه إنسان صواباً فى جزئية بذاتها ، قد يكون الخطأ بعينه عند آخرين ، ولا شبهة فى أن المدافعين عن آرائهم ومعتقداتهم كثيراً ما يلجأون إلى المغالاة ، وأنه إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفس فى المجال الذى لا يمكن أن تحيا بدونه ، فإن قدراً من التجاوز يتعين التسامح فيه ، ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط فى بعض الآراء مستوجباً إعاقة تداولها “.

والواقع أن مضمون هذه الأحكام يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ؛ بأن المحكمة الدستورية العليا تنظر إلى كافة القوانين التى تقيد حرية الأفراد فى التعبير باعتبارها قوانين غير دستورية ؛ فما بالنا وقد أصبح الدستور المصري يقيد العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والعلانية . ومن ثم كان ينبغى على أى قاضٍ يحترم مقعد العدالة الذى يجلس عليه ؛ أن يحيل أي دعوى تستند إلى نصوص قانونية تقيد حرية التعبير أو تعاقب صاحبها بالحبس إلى المحكمة الدستورية العليا لإبداء الرأى فيها ؛ قبل أن يلوث يديه بإصدار حكم يصادر به حرية الأفراد فى التعبير ويزج بهم خلف القضبان. 

 السؤال الخامس : وهو سؤال أتصور أن يُطرح في ظل النموذج الثقافي الفكري الإعلامي المتعصب المنغلق السائد ؛ وهو :

 هل كاتب المقال يؤيد إزدراء الأديان والرموز الدينية ؟

 والإجابة قولاً واحداً ؛ هي : إن كاتب المقال لا يؤيد الإساءة للأديان والرموز الدينية .

ولكن .. ما أهون الإساءة الرمزية التي يُتَّهَم بها البعض ، قياساً بالإساءة الفعلية والعملية التي يمارسها كل يوم أتباع الإسلام من المسلمين . 
ألا تتم الإساءة للإسلام بمظاهر الفوضى والإهمال والتسيب ، ألا تتم الإساءة للإسلام بتدني أخلاقيات معاملات المسلمين مع بعضهم بعض التي يحكمها الجشع والطمع والاجتراء على الأموال والأعراض وانعدام الضمير ، ألا تتم الإساءة للإسلام بمظاهر الخنوع وانعدام الكرامة والسلبية وخشية بأس السلطة أكثر من خشية الله تعالى ، ألا تتم الإساءة للإسلام باحتقار العلم والإيمان بالخرافات ، ألا تتم الإساءة للإسلام بتأييد القتل وسفك دماء الأبرياء تحت راية : لا إله إلا الله محمد رسول الله .

لهذا .. على كل الغاضبين من الإساءة إلى الأديان والرموز الدينية بصفة عامة ، أو  الإساءة للإسلام والرموز الإسلامية بصفة خاصة ، أن يوجهوا غضبهم المادي إلى الإساءة المادية ؛ وليس الإساءة الرمزية الفعلية أو المزعومة ، وليحاسبوا أنفسهم على أفعالهم المسيئة للإسلام قبل أن يحاسبوا الآخرين على أقوالهم . مصداقا لقوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون . البقرة – ٤٤ ، وقوله تعالى : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً . الكهف - ١٠٣ / ١٠٤ 

 وأخيراً ، فإن عدم استبعاد الإساءة الفعلية أو المزعومة إلى الأديان أو إلى الرموز الدينية من دائرة حرية التعبير ؛ هو أمر نضطر للقبول به على مضض ؛ من أجل غاية سامية ، وهى : حماية حرية الإنسان في التعبير ، تلك الحرية التي يؤدى ترسخها في أي مجتمع إلى تداول الأفكار وتربية الناس على احترام قيم الاختيار والحوار والنقاش . ومن ثم تتقدم المجتمعات بأفكار كل أبناءها ؛ ويقوم الناس بدورهم في إصلاح الأرض وتعميرها .

أما الذين يمارسون الإساءة الفعلية والعملية إلى الأديان ، من خلال عدم الالتزام بجوهر تعاليمها ، فما هى الغاية السامية التي تقف وراء أفعالهم اللهم إلا غياب الإيمان .. مصداقا لقوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم . الحجرات – ١٤.

وتأكيداً على ما سبق .. فإن كاتب المقال لا يؤيد الإساءة للأديان ورموزها بصفة عامة أو الإسلام ورموزه بصفة خاصة ، ولكنه مضطر إلى التعايش معها على مضض ، في سبيل احترام حرية الاعتقاد وحرية التعبير عن ذلك الاعتقاد ؛ التي نص عليها القرآن الكريم .. في قوله تعالى : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين . يونس – ٩٩ . وهذا التعايش على مضض مع هذه الإساءة ، لا يمنع من الرد عليها بنفس أدواتها الرمزية من خلال الحوار والنقاش والتفنيد ، بحيث يظل الرد في نطاقه الرمزي ، ولا يتطور إلى المجال المادي .. مصداقا لقوله تعالى : فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر . الغاشية /٢١-٢٢ 

 .. كانت هذه بعض من البديهيات المفقودة في ثقافتنا المنغلقة المأزومة المتراجعة المعاصرة ، التي جعلت الكثيرين منا مرضى بفوبيا ازدراء الأديان أو الأوطان او حتى كل صاحب نفوذ أو سلطان . بحيث أصبح لزاما علينا في دولة تشبه المورستان ، أن نوظف لكل قلم أو لسان جلاد أو سجان . وبينما تتصالح الدولة مع سارقي وناهبي المال العام ، فإنها لا تتسامح مع حاملي رايات الفكر والرأي وأصحاب الرؤى والأحلام . 

.. يادولة البؤس والغم والهوان .. تنحط الأمم عندما يخشى أصحاب العقول فيها من الكلام .. مجرد الكلام .
 *****
 dr.mmahfouz64@gmail.com

12 مارس 2016

د. محمد محفوظ يكتب : الثنائيات المكسورة لبناء الإنسان وتنظيم المجتمع في مصر

د. محمد محفوظ يكتب : الثنائيات المكسورة لبناء الإنسان وتنظيم المجتمع في مصر

- القيم / السلوكيات .
- المعارف / المهارات ( التطبيقات ) .
- السياسات / الإجراءات .
- القوانين / النظم Systems .
- السلطات / المسئوليات .

إنها الثنائيات المكسورة غير المترابطة في العقل المركزي للدولة المصرية ، التي يؤدي انكسارها إلى ممارسات الدولة المتعثرة المتخبطة العشوائية في أرض الحاضر ، وإلى رؤيتها الكليلة الفقيرة الواهمة لخريطة المستقبل .

وتبدو تلك الثنائيات جديرة بتنظيم المجتمعات وبناء الإنسان ، لو تم الحفاظ على تماسكها وتوازنها دون أن تتخللها الفجوات العملية التي تستمر في الاتساع ، لتكسر روابط تزاوجها واتحادها .

ولنستعرض معا هذه الثنائيات المكسورة في واقعنا المعاصر .

١- ثنائية القيم / السلوكيات :
تظل القيم مجرد براويز أو لافتات معلقة على الحوائط والجدران ، لو لم يتم ترجمتها الى سلوكيات يمارسها الناس . وكلما تصلبت القيم وتجمدت كلما تعاكست مع السلوك لتصادمها مع الفطرة الإنسانية .

وتظن بعض المجتمعات أن تطابُق منظومة القيم مع حزمة المحرمات الدينية ، يمثل بالضرورة حصن الأمان لبناء الشخصية الإنسانية السوية . ولكن يغيب عن هذا التوجه حقيقة هامة مفادها : أن الحرية الإنسانية هي مناط التكليف الإلهي للإنسان ، فالإنسان مكلف لأنه حر ، حر في الالتزام بالتكليف أو التقصير فيه أو حتى التحلل منه . ولذلك تبدو المجتمعات التي لا ترتبط فيها منظومة القيم بالمحرمات الدينية وإنما ترتبط بالمقصد الكلي للدين ، تبدو هي المجتمعات التي تتعزز فيها ثنائية القيم / السلوكيات . 

وليست هذه مفارقة ، فتلك المجتمعات تقبل على مضض التعايش مع المحرمات الدينية التي تندرج تحت بند الحريات الشخصية ؛ طالما كانت لا تمثل تعديا على حريات الآخرين . انطلاقا من الإيمان بأن المقصد الكلي للدين هو كفالة الحرية للإنسان ، باعتبار الحرية هي القيمة العليا التي تميزه عن باقي الكائنات على الأرض . 

ولذلك بينما تبدو الفجوة العملية واسعة بين منظومة القيم وبين شبكة السلوكيات في المجتمعات المقيدة . 

فإن تلك الفجوة تتقلص إلى أضيق الحدود في المجتمعات الحرة التي تتبنى الاعتراف بقيمة عليا هي : حرية الإنسان . 

وتعاني الشخصية المصرية من انفصال متفاقم بين القيم والسلوكيات ، نتيجة سيادة قيم التدين الكاذب التي يتشدق بها الناس في أقوالهم ، بينما تخاصمها سلوكياتهم . 

ولا مجال لردم الفجوة العملية العميقة بين القيم والسلوكيات في الشخصية المصرية ، إلا باتباع سبيل واحد هو : إعلاء قيمة احترام الحرية الإنسانية ، باعتبارها القيمة العليا في منظومة القيم التي تتماشى مع المقصد الكلي للدين ومع الفطرة الإنسانية ، وتترابط مع شبكة السلوكيات الحياتية اليومية في ثنائية غير مفتعلة ولا متوهمة. 

٢- ثنائية المعارف / المهارات ( التطبيقات )  :
من المالوف أن يستوعب الإنسان العديد من المعارف ، دون أن يتقن أو حتى يهتم بالمهارات المرتبطة بها . كما أنه من السائد أن يتقن الإنسان الكثير من المهارات ، دون أن يدرك المعارف الحاكمة لها . 

ولكن من الخطورة ، أن لا تتوفر في أي مجتمع علمي أو نظام تعليمي ؛ طائفة أو نسبة من الكيانات أو المناهج الضامنة للربط الوثيق بين المعارف والمهارات أو التطبيقات ، بحيث لا يتحول الإنسان إلى مجرد وعاء معرفي لو تم الاقتصار على تكديس المعارف داخل عقله دون المهارات ، أو يتحول إلى محض روبوت آلي لو تم الاقتصار على إلمامه بالمهارات دون المعارف . 

ولعل ذلك المنطق هو المحفز ؛ لضرورة تمهيد الطريق للكوادر البشرية التي تمتلك الاستعداد الفطري للنبوغ في المجال الذي تندمج فيه المعارف مع المهارات في ثنائية متدفقة . وهذا المجال هو : مجال البحث العلمي . 

وتمثل مؤسسات البحث العلمي المرتبطة بالقطاع العلمي أو التعليمي أو بالقطاع الصناعي ، البوتقة المؤهلة لاحتضان ثنائية المعارف / المهارات . 

ولعل الواقع يقرر ؛ بأن المجتمعات تفقد القدرة على حل مشكلاتها وتطوير أوضاعها ، لو لم تهتم بتوفير سياق يضمن الربط بين المعارف والمهارات والتطبيقات بنسب متفاونة داخل مؤسساتها التعليمية ، وصولا إلى درجة الترابط الوثيق داخل المؤسسات البحثية ؛ العلمية أو الصناعية . 

٣- ثنائية السياسات / الإجراءات  :
السياسات هي الأداة التي يمكن من خلالها تنظيم الإجراءات أو تحديثها . ولا يمكن إدارة أي عمل إنساني على مستوى المجتمعات المعاصرة بتعقيداتها وتشابكاتها ؛ في ظل وجود فجوة عملية واسعة في ثنائية السياسات / الإجراءات. 

وفي المجتمعات المتراجعة تغيب السياسات أو تتجمد ، ومن ثم يتغول دولاب العمل البيروقراطي ، ويتم إضفاء التقديس على إجراءاته الروتينية المتقادمة والمتكلسة . الأمر الذي لا يُفرِّخ إلا كوادر قيادية جاهلة بالسياسات ، تدمن الغرق في مستنقعات التفاصيل والجزئيات . 

ولهذا .. لا تتقدم المجتمعات إلا لو سلمت زمام أمورها للخبراء في السياسات ، ليبسطوا مظلة ولايتهم على سراديب الإجراءات ودهاليزها ، فيمهدوا مسالكها ودروبها ، وينظموا بيروقراطيتها وروتينها ، ويحدثوا تجهيزاتها وأساليبها ، ويلجموا سدنتها وكهانها .

٤- ثنائية القوانين / النظم Systems :
لا تمتلك القوانين قوة ذاتية تضمن لها التنفيذ داخل مجتمعاتها ، بل تحتاج إلى سياق تعمل خلاله يوفر معززات نفاذها . 

ولنضرب مثلا بالتعديلات المتتالية التي تم إدخالها مرارا وتكرارا علي قانون المرور لتغليظ العقوبات ، ورغم ذلك مازالت الفوضي المرورية قائمة بمعظم شوارع وميادين محافظات مصر ، بسبب عدم وجود " نظام " متكامل للتخطيط المروري وهندسة الطرق يعتمد على التكنولجيات المتقدمة .

ولهذا تظل القوانين في المجتمعات الفوضوية حبرا على الورق ، طالما اتسعت الفجوة العملية بينها وبين النظم التي تساعد الناس على الالتزام بمحدداتها . 
الأمر الذي يفرز غابة تشريعية تتمدد أحراشها وتتغلظ عقوباتها ، ورغم ذلك يندر الالتزام بنصوص قوانينها . طالما ظلت ثنائية القوانين / النظم ؛ مكسورة بفعل فجوة عملية تتسع وتتمدد بدلا من ردمها .

وتواجه الحكومات العقيمة كل مشكلاتها السقيمة بإسهال تشريعي مزمن ، يفتقر دائما إلى النظم المسانِدة . فتكون النتيجة تلال من المشكلات يتم دفنها تحت ركام من التشريعات التي تشبه المسكنات ، تخدر الألم ولا تعالج الكارثة .

٥- ثنائية السلطات / المسئوليات  :
يحرص كهنة الدولة الاستبدادية على توسيع الفجوة العملية بين السلطة والمسئولية ، إلى الحد الذي تبدو معه السلطات في مراحل الانحطاط ، متحررة ومتفلتة من أية مسئوليات .

فسلطة استخدام القوة لفرض القانون لا تقابلها مسئولية الالتزام بحقوق الإنسان . 
وسلطة جباية الضرائب والرسوم لا تقابلها مسئولية الالتزام بجودة السلع والخدمات وفاعلية برامج الرعاية والحماية .

ولا يقتصر التحلل من شق المسئولية على السلطة التنفيذية فقط ، بل يمتد ليطال كل سلطات الدولة بما فيها القضائية والتشريعية .  

فسلطة القضاء في توقيع العقوبات وفض المنازعات ، لا تقابلها مسئوليته عن كفاءة كوادره وسرعة إجراءاته وانشغال قضاته بتفعيل أحكامه ونفاذها .

وسلطة البرلمان في التشريع ، لا تقابلها مسئوليته عن الرقابة والمساءلة والتوجيه.

ولهذا تبدو الدول التي تتسع فيها الفجوات بين السلطات ومسئولياتها ، وكأنها إقطاعيات يشقى رعاياها بقبضة السلطات وبأسها ، بينما تنحسر عنهم مظلة المسئوليات بكل واجباتها والتزاماتها .
.....................................................................
إن المجتمعات التي تتسع فيها الفجوة العملية بين " القيم / السوكيات " ، هي مجتمعات بلا أخلاق .. بلا خُلق .

والمجتمعات التي تتعمق فيها الفجوة العملية بين " المعارف / المهارات " ، هي مجتمعات تتموضع علي سلم الحضارات في مرتبة الطفيليات .

والمجتمعات التي التي تتمدد فيها الفجوة العملية بين " السياسات / الإجراءات" ، هي مجتمعات متردية في متاهات التفاصيل والجزئيات .

والمجتمعات التي تترسخ فيها الفجوة العملية بين " القوانين / النظم " ، هي مجتمعات العقوبات التي لا تغرس في نفوس مواطنيها أي عِبَر أو عظات .

والمجتمعات التي تتوحش فيها الفجوة العملية بين " السلطات / المسئوليات " ، هي مجتمعات الأحرار الرعية والمماليك السادات .

.. ولهذا .. ستظل مصر في أزمتها العصية المزمنة ، طالما استمرت روابط ثنائياتها - على مستوى : الأخلاق ، والعلم ، والعمل ، والتحكم ، والحكم - متكسرة متصدعة . ورغم ذلك لا يبالي حكامها .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com




    

27 فبراير 2016

إلى الرئيس .. هذا فراق بيني وبينك

د. محمد محفوظ .. يكتب : إلى الرئيس .. هذا فراق بيني وبينك

" .. هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا "
سورة الكهف / الآية ٧٨

يشهد من قرأ لي .. إنني أيدتك من أجل مصر .
ويشهد من سيقرأ لي .. إنني أنفض يدي الآن من تأييدي لك ، أيضا من أجل مصر .
هذا فراق بيني وبينك ..
فلا خير فينا .. إن لم نقلها ..
سمعتها .. أم لم تسمعها .
فالغصة تملأ القلب .
والمرارة تكوي الحلق .
وملايين علامات الاستفهام والتعجب تعصف بالعقل .
فما هكذا تدار الدول !!
وما هكذا يتكلم المسئول الكبير .. أو حتى الصغير !!
وما هكذا يتم تجاهل كل العبر والعظات ، فإذا بك تكرر كلمات وممارسات مَن سبقوا على الدرب الأسود لتاريخ الشطحات والزلّات. 
وكأننا من ماضينا ومخازينا ومآسينا .. لم نتعلم شيئا .
أصبحنا ننتظر من كل تصربح أو خطاب - بلسان الأب الروحي لا ببيان القائد السياسي - مشكلة .
فمن فاجعة : " الدستور المصري كُتب بنوايا حسنة والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة فقط " .
إلى نائبة : " ما يصحش كده " .. و "خليك في حالك " .
وأصبحنا نتألم من الممارسات التي تؤكد الانفصال عن الواقع ، والاستسلام لهواجس وهلاوس الأجهزة ، والاستهانة بمشاعر الناس وصبرهم . 
فمن فضيحة السجادة الحمرا بطول ٤ كيلو متر .
إلى استفزاز طابور الموتوسيكلات والبهرجة الزائدة عن أى معنى وكل حد . 
.. كنا لا نلتفت إلى حقد ونفسنة الإخوان الذين يحرفون كلامك عن مواضعه ، لعلمنا بإفكهم وضلالهم .
ولكننا الآن أصبحنا نخجل من التظاهر باللامبالاة ، ونحن نرى صلفا وكبرا وعنادا ..  سواء كلاما كان ، أم فعلا وممارسة .
ما كنا ننتظر في أشد كوابيسنا سوادا ، أن نسمعك تردد جملة القذافي الشهيرة : من أنتم .. من أنتم . 
ولكن تحقق الكابوس وإذا بك تقول : انتوا مين .. انتوا مين .. ها .
فمن كنت تخاطب ، الشعب ، أم معارضيك ومنتقديك ، أم أعدائك وكارهيك .
يقولون بأن الرئيس ينبغي أن يكون رئيسا لكل المصريين .. فمَن مِن بين المصريين الذي كان ينبغي عليه أن يتلقى بصدره لكمة وشلوط : أنتوا مين .. أنتوا مين .. ها .
وما كنا ننتظر في أشد كوابيسنا سوادا ، أن نسمعك تردد جملة فرعون : ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد .
ولكن تحقق الكابوس وإذا بك تقول : ما تسمعوش كلام حد غيري ، أنا راجل لا بكدب ولا بلف وأدور ولا ليا مصلحة غير بلدي .
وكأن مصر بملايينها قد خلت من الصادقين المخلصين المتجردين . 
وما كنا ننتظر في أشد كوابيسنا سوادا ، أن نسمعك تردد جملة مرسي : اللي حيحط صباعه جوه مصر حقطعه .
ولكن تحقق الكابوس وإذا بك تقول : قسما بالله اللي حيقرب لها لأشيله من فوق وش الأرض .
وما كنا ننتظر في أشد كوابيسنا سوادا ، أن نسمعك تردد جملة الحاكمين بالحق الإلهي من الخلفاء والملالي : لااا .. دوول تسعين مليون وأنا مسئول أدام ربنا إن أنا أقف أدامه يوم القيامة وأقول له أنا خليت بالي منهم .
ولكن تحقق الكابوس وقلتها ، فكان واجب علينا أن نصحح لك : لااا .. أنت مسئول أمام الشعب ، ومن أجل هذا اختارك الشعب . أما مسئوليتك أمام الله سبحانه وتعالى فهي لا تخص الشعب .
فقد سبق للشعب أن اختار من كان يعتقد بأنهم " بتوع ربنا " ، فعصوا الرب وخانوا الشعب وأخرجونا عن صحيح الدرب . 
فلماذا تجعلوا الله سبحانه وتعالى عُرضة لمسئولياتكم ، بينما لا تذكروه في كل سلطاتكم ؟!
فلا قضاء طورت ، ولا شرطة أصلحت .
ولا خطابا دينيا جددت ، ولا فكرا دعمت ، ولا إبداعا حميت .
ولا تعليما او صحة بهما نهضت ، أو حتى بدأت .
ولا جهازا إداريا نظمت ، ولا محليات طهرت .. ولا .. ولا .. 
ورغم ذلك تنكر على الناس غضبهم وحنقهم !
وترى أن من ينتقدونك ، هم سبب يأس الناس وإحباطهم وتدني معنوياتهم .
ولكن أليس الصياح في وجه الكاميرات والانفعال المتفجر بلا زمام ، هو الذي يعطي للناس الانطباع ، بأن غضب المسئول الكبير دليل يشير إلى دخول البلاد في مأزق خطير .. فمن إذن الذي يحطم للناس معنوياتهم!!
وهل تظن أن سيل الكلمات وفيض العبارات في الخطب المطولات مع بضع دمعات ، ستجعل الناس يرون ما غاب وتاه عن حياتهم !
كيف تريد أن تريهم ما ترى ، بينما هم مطحونون فيما لا ترى !
فقل ما تشاء في ألف خطاب وخطاب ، ولكن لن يرى الناس إلا ما يملأ جيوبهم وييسر حياتهم ، وسط كل هذه المسخرة .
أتكرر ما أتحفنا به المعزول مرسي في خطاباته المطولة !
كان لا يرص للناس إلا كلاما ، بينما يوطد لجماعته من خلف الستار النفوذ والسيطرة .
أم تكرر ما أورثنا إياه المخلوع مبارك ، من مئات الطرق والكباري وآلاف الشقق والمساكن وعوائد الاستثمار !
ورغم ذلك حوصرنا في عهده ومازلنا محاصرين في عهدك ، بنفس فوضى المرور الطاحنة وأزمة الإسكان المزمنة وبالونات الاستثمار المتبخرة .
قالوا قديما : كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة . 
ونقول حاليا : كلما غابت الرؤية ، تكدست العبارات وتوحشت ، وأفسدت أكثر مما أصلحت .
وبالتالي .. ألم يحن الوقت لاعتزال الميكروفونات ، إلا من أجل خطب قصيرة ومكتوبة ، لا مساحة فيها للانفعال والارتجال ؟!
فإغراء الارتجال ، قد ينال من منازل الرجال . 
لأن اللسان إذا انفتح له المجال ، جواد بلا لجام .
وألم يحن الوقت لهجرة المطارات ورحلات الطائرات للدوران على دول الست قارات ؟!
فالاتصال ، أصبح بديلا عن الانتقال والزيارات والسفريات ، في عصر الاتصالات وشبكات المعلومات .
أم ربما فات الوقت ..
ربما فات الوقت ، لتعلم وتعرف ، بأنه قد أهلك الذين من قبلك ، أنهم إذا اشتكى الشعب أم بكى لم يسمعوه ، وإذا وسوس فصيل الإفك والضلال صدقوه .
وربما فات الوقت ، لتدرك ، بأن الفشل يتحصن بمظاهر الكبرياء ، ويتجمل بمساحيق الإنكار والصلف والعناد .
نعم .. ربما فات الوقت .. وها أنت قد خذلت فيك رجاءنا ..
فلماذا مازلت تظن إذن .. أنه سيظل لك رجاء عندنا !!
*****
هامش : نص بعض العبارات التي تضمنها خطاب الرئيس بتاريخ ٢٤ فبراير ٢٠١٦ :
شوفوا أنا عارف مصر زي ما أنا شايفكم أدامي كده
وعارف علاجها زي ما أنا شايفكم أدامي كده
وأنا بقول الكلام ده لكل اللي بيسمعني في مصر
لو سمحتم ما تسمعوش كلام حد غيري
أنا بتكلم بمنتهي الجدية
ما تسمعوش كلام حد غيري
أنا راجل لا بكدب ولا بلف وأدور ولا ليا مصلحة غير بلدي .. بلدي بس
مش بس ليا مصلحة غيرها
وفاهم أنا بقول إيه
فاهم أنا بقول إيه .............
لكن إحنا النهارده حنقطع مصر ولا إيه
أنا مش حسمح بكده
خلي بالكم .. خلي بالكم أنا مش حسمح بكده
محدش يفكر إن طولة بالي وخلقي الحسن معناه إن البلد دي تقع
قسما بالله اللي حيقرب لها لأشيله من فوق وش الأرض
أنا بقولكم كلكم لكل مصري بيسمعني
أنتوا فاكرين الحكاية إيه
أنتوا عايزين تـــ .. أنتوا
أنتوا مين .. أنتوا مين .. ها
لا .. دوول تسعين مليون وأنا مسئول أدام ربنا إن أنا أقف أدامه يوم القيامة وأقول له أنا خليت بالي منهم
عايزين تخلي بالكم منهم معايا .. أهلا
مش عايزين لو سمحتم .. أسكتوا .. أسكتوا
أنا بكلمكم عشان مصر برقبتنا كلنا
وأنا لما بقولكم كده ما بشككش في حد .. بس خلي بالك .. خلي بالك 
خلي بالك أنت بتتكلم مع كل المصريبن بكل ظروفهم
أنت بتفقدهم معنوياتهم ........
أنا لو كان عليا والله .. حقول تعبير صعب جدا جدا
والله العظيم أنا لو ينفع أتباع .. لتباع .. 
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

07 فبراير 2016

دولة السيسي

د. محمد محفوظ .. يكتب : دولة السيسي

النظام زائل لا محالة ، بينما الدولة أكثر منه باقية .
ولكن يبدو النظام مثل الدماء التي تسري في شرايين الدولة ، فتنضح عليها وترسب فيها أمراضها وعللها ، بفيروساتها وباقي ميكروباتها .
ولذلك يصيب النظام المتخلف الدولة بالعته والسفه .
ويصيب النظام الأكتع أو الأعرج أو الكسيح الدولة بالإعاقة أو الشلل .
ويصيب النظام المستبد المارق الأخرق الدولة بالانحراف والبطش والعوج .
ولقد ورث السيسي دولة مصابة بكل أدران وأوساخ وسوءات النظام السابق .
ولكنه حتى الآن يحافظ على هذا الميراث ، ويحفظ له نموه وترعرعه وثباته وتمكُنه .
شعار السيسي في دولته هو : " لاقيني ولا تغديني " . فالرئيس لين الجانب خلوق التعامل عف اللسان في معظم تعاملاته وتصريحاته وخطبه وجولاته . إلا بالطبع ما يتعلق بـتصريحين : تصريح " مايصحش كده " ، وتصريح " الدستور المصري كُتب بنوايا حسنة والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة فقط " .
وبالتالي يتبع الرئيس تكتيك : لاقيني ولا تغديني . وهو تكتيك ينال رضا الناس واستحسانهم ، بل ويلحس عقول عامتهم وبسطائهم . ولكن السؤال : إذا ظللت تلاقيني ولا تغديني .. تلاقيني ولا تغديني ، ففي النهاية سأفطس من الجوع .
أما إستراتيجية السيسي في دولته ، فهي : تثبيت الدولة والحفاظ على عدم انهيارها . ولكن إذا كان تثبيت الأشياء المادية دوما ما يكون من خلال ربطها أو تقييدها أو ضمها لبعضها البعض بالغراء أو الأسمنت أو المسامير ، فإن الدولة ككيان اعتباري قانوني سياسي اجتماعي اقتصادي إنساني ؛ لا يمكن تثبيتها إلا من خلال الفصل بين سلطاتها ومن خلال إطلاق حرياتها وضمان التعدد والتنوع والاختلاف بين أفرادها . فالدول يتم تثبيت أركانها بالحرية والديمقراطية وليس بالأسمنت والمسامير والخوازيق ، وبتحقيق السيولة والمرونة في التعامل مع مشكلات مؤسساتها وليس بتجميدها وتصنيمها .
وما بين إستراتيجية الرئيس لتثبيت الدولة مؤسسيا ، وتكتيكاته لتثبيت الجماهير عاطفيا .
فإن دولة السيسي ، هي الدولة التي تدعي الإيمان بثورة ٢٥ يناير بينما لا تحقق أهدافها ، وإنما تحتفي بأعداءها ، ولا تستعين برموزها بل تحبس بعضهم داخل سجونها ، وتعزل بعضهم الآخر عن وسائل الإعلام التابعة أو الموالية لها . ولهذا يقبع أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح وغيرهم من نشطاء الثورة في سجونها ، ولا يرى أحمد حرارة إلا ظلامها ، بينما يتمتع عبد الرحيم علي وتوفيق عكاشة ومصطفى بكري ولميس جابر بحصانة مجلس نوابها .
دولة السيسي ، هي دولة العدالة المؤجلة .. المؤجلة إلى ما شاء دولاب العمل المترهل المتضعضع في مؤسسة القضاء . وبالطبع فإن القاعدة العريضة من القضاة ووكلاء النيابة غير مسئولين عن تخويلهم سلطة بلا أدنى مسئولية ، وغير مسئولين عن بيروقراطية الأوراق العاجزة وروتين الإجراءات العقيمة وغابة القوانين المتضاربة المتراكبة . وإنما المسئولية تقع على عاتق الدولة التي لم تكلف نفسها عناء تطوير مؤسسة العدالة ، وإنما اكتفى رئيسها بمطالبة مجلس القضاء الأعلى للقيام بذلك ، ورغم أن هذا المجلس لم يقم حتى الآن بواجبه الذي طولب به ، إلا أن دولة السيسي حتى الآن أيضا لم تبد تبرما أو عتابا أو اندهاشا ، وإنما صمت عمييييق .. وتخاذل مريييب .
ولعل مبعث ذلك الصمت وذاك التخاذل ، أن دولة السيسي لا تتعاطى مع سيادة القانون باعتبارها أمر يشغل بالها . ولا مع الأحكام القضائية بوصفها عنوان للحقيقة في مواجهتها . ولذلك لا يبدو الانصياع لسلطة القضاء مسلمة تجد لها مكانا داخل أروقة مؤسساتها مهما تباينت مجالات عملها .
فمؤسسات دولة السيسي المدنية والنظامية تبدو مترفعة على الخضوع للقانون مجترأة على ضوابطه ونواهيه غير عابئة بأحكام قضائه ومحاكمه ومستشاريه. ولذلك تعطي لنفسها الحق في أن تتعامل مع أحكام القضاء باعتبارها نصوص انتقائية ، يمكن أن تختار منها ما تشاء وتتغافل عما تشاء وتهدر ما تشاء وتؤول ما تشاء . ومن ثم لا تتورع عن أن تسلب باليسار ما أعاده القضاء لصاحب الحق باليمين . فلا ينال المحكوم له إلا جزاء " سيزيف " فيعاود الصعود بصخرة الحق المسلوب مرة تلو الأخرى ، بينما ترمح مؤسسات الدولة بمخالفتها للقانون ولأحكام القضاء ، ويشقى المحكوم له من الالتزام بهما . 
ولهذا تبدو شعارات تطوير مرفق العدالة في دولة السيسي شعارات مؤجلة ، طالما أن ما آل إليه القضاء من مآل يضمن لمؤسسات الدولة استمرار سطوتها وانفلاتها . كما تبدو شعارات احترام حقوق الإنسان في دولة السيسي شعارات معطلة ، طالما ظلت سيادة القانون مكبلة داخل الغرف المنسية المهملة .
دولة السيسي ، دولة المشروعات العملاااااااااقة .. والإنجازات الضئييييييييلة المتقازمة . دولة الشعارات البراقة .. والخطوات المرتبكة الكليلة المتعثرة . 
ولهذا تتجاهل دولة السيسي الأولويات الملحة والمشاكل المزمنة ، وتغرز قدميها وتلغوص يديها وتغوص حتى رقبتها في افتكاسات غير ملزمة ، فينشغل مسئولوها بما لم يطالبهم به الناس ، بينما يتغافلون عما طالبوهم ويطالبوهم به حتى جف ريقهم وبحت أصواتهم وتدلدلت ألسنتهم منذ عقود وأزمنة . 
دولة السيسي ، هي الدولة التي يرتفع فيها سعر الدولار ويرتفع ويرتفع ولا ينخفض . وتنحسر فيها الاستثمارات وتنكمش ولا تنتشر . بينما يدعي مسئولوها بأن الاقتصاد يتعافى وتتسارع عجلته وتتعزز قوته .
دولة السيسي ، استلمت مصر ومتوسط سعر البترول يساوي ٩٦ دولار للبرميل ، ثم أصبح سعره خلال عام ٢٠١٥ يساوي في المتوسط ٤٩ دولار للبرميل ، بينما وصل سعره الآن إلى ما دون ٣٠ دولار للبرميل . ولكن رغم ذلك لم تنخفض أسعار السلع والخدمات ، وكأنها دولة خارج قواعد وبديهيات نظام الاقتصاد العالمي بقواعده ونظرياته وآلياته الحاكمة . 
دولة السيسي ، لا تتحرج من تدخل بعض الأجهزة المسماة بالسيادية في العملية السياسية ، من خلال دفع البعض لتشكيل بعض الأحزاب ، أو تقديم الدعم المستتر لبعض الائتلافات أو بعض المرشحين للانتخابات . فيفسد الأمن وتتخرب السياسة ، وتبوء السلطة التشريعية بعملاء من المخبرين والمنافقين والانتهازيين والأفاقين والقوادين والرقاصين والمطبلاتية .
دولة السيسي ، كلما مر الوقت زاد مقدار تبرمها من النقد ، وانخفض سقف تقبلها للتوجهات المعارضة والرأي الضد . فالفشل يتخفى بالكبرياء ، والميكروبات عندما تغزو الجسد ترفع درجة حرارته فتبدأ العصبية ، يعقبها نفاذ الصبر .. ثم الهذيان .
دولة السيسي ، تشكو دائما أبدا من ضعف الموارد والإمكانيات وعجز الموازنة ، بينما لا تتحرج من التكاليف الباهظة للعناية والرعاية بالقصور والاستراحات والمخصصات  الرئاسية ، وأساطيل سيارات المرسيدس والبي أم دبليو والدفع الرباعي الفارهة المخصصة لوزرائها ورؤساء هيئاتها وجنرالاتها ، فضلا عن مشتملات مكاتبهم واستراحاتهم بأثاثاتها ومكيفاتها وتجهيزاتها . ولا تتأذى من العدد المهول على مستوى العالم لسفاراتها وقنصلياتها ، والمخصصات المالية والعينية لطوابير سفرائها وقناصلها وملاحقها وموظفيهم وخدمهم وحشمهم .
دولة السيسي ، لا يتحرج كل مسئوليها وقياداتها من السفر للعلاج في الخارج على نفقة الدولة أو بالأحرى على حساب الشعب الغلبان ، ولا يطمئنون للعلاج في مستشفيات مصر العامة أو الخاصة ، باعتبارها مخصصة فقط لطبقة الرعايا وليس للصفوة الحاكمة المتحكمة . فقد كذب المثل ، فطباخ " السم " .. لا يذوقه .
دولة السيسي ، لا تتبنى الابتكار وتسد في وجهه كل طريق ومسار ، ولذلك تسلم ثرواتها للأجانب يحصدون نصف إيراداتها ، ولا تكلف نفسها عناء التساؤل : ماذا تفعل كل جامعات مصر ومعاهدها ومراكز بحوثها بكل خريجيها وباحثيها وأعضاء هيئات تدريسها ، إذا كان من المستحيل حتى الآن أن ننشئ محطة كهرباء ، أو نستكشف ونستخرج برميلا من البترول أو مترا مكعبا من الغاز ، أو نصنع سيارة أو أتوبيسا أو قطارا ، أو نصنع دواء .. أو .. أو .
دولة السيسي ، تدعو الشباب والألتراس إلى الحوار ، وتدعو جموع المصريين إلى التنازل " شوية " . ولكن السؤال : حوار حول ماذا ؟ وتنازل عن ماذا ؟ 
ما يعرفه المصريون شبابا وشيوخا ، أن الثورة قامت لبناء الديمقراطية وترسيخ العدالة الاجتماعية وضمان الكرامة الانسانية ، وليس للتفاوض على أي منهم . فعن ماذا إذن سيكون التنازل أو الحوار ؟ هل للتفاوض على الديموكتاتورية أم الدكتوقراطية ، أم عدالة ليست اجتماعية ، أم كرامة غير إنسانية . المعروف لا يُعرف ، والأوليات والأولويات ليست محلا للحوار أو التنازل أو التفاوض . والسياسة ليست مصاطب كلامية وإنما أهداف وإنجازات محسوسة وواقعية .
دولة السيسي ، هي التي يدعو رئيسها لتجديد الخطاب الديني ، بينما لا تزيد هذه الدعوة الخطاب الديني إلا تحنطا وركودا ، ولا تزيد الأزهر إلا تصلبا وجمودا .
ولذلك فهي الدولة التي يُسجن فيها إسلام بحيري ، ويُحكم فيها بالحبس على فاطمة ناعوت ، ويُستهزأ فيها بالشيخ محمد عبد الله نصر ، بينما ينتظر الدكتور سيد القمني مصيره المحتوم من التجريس أو الحبس . في حين يتمتع فيها ياسر برهامي وغيره من ذقون الدعوة السلفية بحرية بث الكراهية والتعصب والفتنة الطائفية . فدولة السيسي منشغلة بثمار الإرهاب لكنها مُهادنة لجذوره الفكرية ، وبالتالي ستظل شجرة الإرهاب ثابتة الأصل وفروعها تشق سماء مصر الإسلامية.
دولة السيسي ، هي دولة مبارك .. إلا " قليلا " .
وهي ، دولة مرسي .. إلا  " إخوانية خائنة ولحية كاذبة " .
وهي دولة لم تنف حتى الآن خَبَثَها ، ولم يستقم حتى الآن اعوجاجها ، طالما تمتد لمئات الأمتار السجاجيد الحمراء على أسفلتها ، لتدوس عليها العجلات الشريفة والأحذية الرهيفة لسيارات وأقدام حكامها .
ولذلك ، هي دولة لم تتعلم أو تتعظ من التاريخ ، فكان لزاما عليها أن تكرر في الحاضر أخطاءه ومآسيه ومخازيه  ، ومن ثم ستنهزم لا محالة وبكل حسرة وغصة أمام المستقبل .
ولكن السؤال : من الذي سيدفع الثمن ....... ؟؟؟
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com