20 مايو 2015

السيسي .. ونقص القادرين على التمامِ

د. محمد محفوظ .. يكتب : السيسي .. ونقص القادرين على التمامِ

http://albedaiah.com/articles/2015/05/20/89730

ولم أر في عيوب الناس شيئاً
كنقص القادرين على التمامِ
( المتنبي )

أما قبل .. فهذا حديث محب صبور  .
وأما بعد .. فإن التوقعات تكون على مستوى التقدير  .
والثقة تكون على قدر الحب والتوقير  .
ولكن تظل التوقعات مجرد أمنيات حتى تلامس أرض الواقع ودنيا الناس .
وتظل الثقة محض حسن ظن مالم يؤكدها ما تصل إليه الأعمال من حسن مآل .
ويظل الحب موطنه القلب ولكن يبقى العقل هو القائد والموجه وصاحب اللجام .
ولهذا يدخل السيسي وهو يقترب من إتمام العام الأول لرئاسته في هذه الزاوية التي توزن فيها الأقوال بميزان الأفعال ، وتقاس فيها الأحلام بمقاييس التحقق والإنجاز ، وتتوارى فيها العاطفة خلف ما يرصده العقل من مواطن الضعف والتقصير .
وتوضح موازين الأفعال ومقاييس التحقق والإنجاز ، بأن الطريق الذي يسير فيه السيسي تحكمه في الغالب الأعم 3 من المحددات المادية و 2 من المحددات المعنوية .
أولاً - المحددات المادية :
- المحدد الأول يتمثل في أن السيسي يري أن الأزمة التي تعاني منها مصر هي : أزمة تمويل ، ومن ثم فإن توفر التمويل هو الكفيل بتقديم الدفعة التي تساهم في حل مشاكل مصر المزمنة ؛ في مجالات التعليم والصحة والكهرباء والمياه والطرق والإسكان والزراعة والصناعة .. إلخ . وينطلق السيسي في تلك الرؤية من اتخاذه لدول الخليج باعتبارها النموذج العربي الإسلامي الشرق أوسطي الذي يؤكد بأن وفرة التمويل تؤدي إلى جودة الخدمات وارتفاع مستويات الرعاية التي تقدمها الدولة لمواطنيها . وأيضا من استيعابه لتجارب دول مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية باعتبارها جميعاً اعتمدت في انطلاقتها الأولى على التمويل الغربي سواء من مشروع مارشال أو ما كان على غراره .
- المحدد الثاني يتمثل في أن السيسي يعتمد على : إستراتيجية المحاور البديلة ، تحسباً لعدم التورط في مغامرة فك بكرة الخيوط المتراكبة المتعقدة وعدم الغوص في مستنقع المشاكل المزمنة المتراكمة ؛ التي استوطنت الجسد المصري على مدى العقود الماضية . وهذه الإستراتيجية في صورتها الأبسط ترى مثلاً بأن إنشاء طريق جديد أفضل من إصلاح الطريق القديم المتهالك . وبالتالي لا تنشغل هذه الإستراتيجية بمدى استقامة الخط بين النقطة أ والنقطة ب بل هي تؤسس لخط مستقيم يصل بين نقطتين جديدتين النقطة  ج  والنقطة  د  .
- المحدد الثالث يتمثل في أن السيسي يتبنى : منهج احترام المؤسسات ، انطلاقاً من خلفية عسكرية تعتمد على خبرة علمية في مناهج الإستراتيجية توفر قدرة على استقراء التهديدات والتربصات القائمة والمحتملة على المستويات الداخلية والاقليمية والعالمية . ولذلك تبدو المؤسسات في ظل هذا المنهج بمثابة الأركان التي ينبغي ضمان استقرارها وثباتها وعدم قلقلتها باعتبار تصدعها أو انهيارها هو الثغرة التي ستنفذ منها أدوات التربص وأي أطراف متآمرة .
ثانياً - المحددات المعنوية :
- يتمثل المحدد المعنوي الأول في : منهج الدعوة إلى القيم الأخلاقية الفاضلة والسلوكيات الراقية ، ويأخذ هذا المحدد مكانه إما في دعوات رئاسية مستمرة في الخطابات والتصريحات للالتزام بالأخلاقيات ، أو من خلال ممارسات رئاسية فعلية تتسم بالتواضع والسماحة وعفة اللسان وفضيلة الاعتذار والمصارحة والمكاشفة .
- ويتمثل المحدد المعنوي الثاني في الدعوة المستمرة إلى ضرورة : تجديد الخطاب الديني ، وهذه الدعوة تهدف إلى إنتاح خطاب ديني عصري يواجه فتاوى وممارسات التطرف والتشدد والغلو ، بما يضمن تجفيف منابع الإرهاب التي تتلفع بعباءة الدين .
.. هذه هي المحددات الخمسة المادية والمعنوية التي تمثل المعالم الرئيسية للطريق الذي يسير فيه السيسي ، بعض هذه المحددات أعلنها السيسي في خطبه وتصريحاته ، والبعض الآخر يتم استقراءه من واقع سياساته التي يتبعها في إدارة الدولة .
ونظراً لأنه لا يمكن تقييم تلك المحددات إلا في إطار السياق المحيط بالرئيس والذي يعمل في ظله . فإن المعادلة التي يمكن من خلالها تقييم تلك المحددات ينبغي أن لا تخلو من عامل هام ومحوري وحاسم وهو : الشعبية الجارفة والجماهيرية الكاسحة ، التي تحيط بالرئيس ويحظى بها عند قطاع كبير من المصريين .
وهذه الشعبية والجماهيرية ليست بمثابة تشريف وشرفة يتطلع منها الرئيس ليلوح لمحبيه ويستمع لهتافاتهم ، وإنما هي تكليف وكلفة باهظة الثمن ينبغي ترجمتها على أرض الواقع إلى سياسات تغير حياة هذه الجماهير  إلى الأفضل .
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام يتمثل في الآتي :
هل تم ترجمة تلك الشعبية والجماهيرية التي يحظى بها الرئيس ، بحيث تنعكس على مجمل المحددات التي تمثل معالم الطريق الذي يسير فيه ؟
ولعل الإجابة وبكل الأسف .. مازالت بعيداً عن نعم ؛ وأكثر قرباً إلى لا  . فحتى الآن لم يتم ترجمة تلك الشعبية إلى محددات تتضمن سياسات أو مناهج أو أساليب أو إستراتيجية تتلاءم مع زخم هذه الشعبية وقوتها وفيضها .
فالمراقب المسلح بأدوات الرصد والتحليل ، والمواطن المكابد لويلات العشوائية والفساد والتقصير ، كلاهما لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة محبطة مفادها أنه : حتى الآن لم تشهد أرض الواقع المرير مستويات مقبولة أو ملموسة من التغيير .
وبالتالي فإن الممانعة التي تسد الأبواب أمام التغيير ، تستدعي ضرورة تقييم المحددات التي ترسم معالم الطريق الذي يسير فيه الرئيس ؛ من أجل كشف ما يعتريها من خطأ أو قصور .
فالمحدد الأول الذي يتعامل مع الأزمة في مصر باعتبارها أزمة تمويل هو محدد ينبغي مراجعته ، إذ أن أزمة مصر في حقيقتها ليست أزمة تمويل بقدر ما هي : أزمة في إدارة وتنمية الموارد والأصول ، الموارد الطبيعية والبشرية والأصول العقارية والصناعية والتجارية والتاريخية التي تمتلكها بالفعل الدولة المصرية . الأمثلة التي توضح هذه الأزمة لا تحصى ، نختار منها مثلاًً  محلياً معاصراً  يتمثل في كل من : مستشفى سموحة الجامعي ومستشفى برج العرب الجامعي بمحافظة الإسكندرية ، فكلاهما كان قد تم افتتاحهما ورغم ذلك ظلا خارج إطار التشغيل لسنوات رغم تجهيزهما بكل المستلزمات والإمكانيات الطبية بتكلفة تصل لمليار جنيه للمستشفى الواحد . أما مشروع توشكي الذي ابتلع المليارات فهو نموذج فاضح صائح تعجز أمامه الكلمات  .
إذن ما كانت الأزمة في هذا الأمثلة المحلية المعاصرة أزمة تمويل ، وإنما أزمة في إدارة وتنمية الموارد والأصول أو بالأحرى إهدار الموارد والأصول وتبديدها . وقس على هذا المثل الآلاف والآلاف من الحالات الفاضحة المتبجحة التي يتسرب فيها التمويل - رغم توفره - في بلاعة مهولة ليس لها قاع اسمها : الفشل في إدارة وتنمية الموارد والأصول .
أما المحدد المادي الثاني الذي يتبني إستراتيجية المحاور البديلة بدلاً من أن يتبني إستراتيجيتين أكثر ملاءمة لظروف الواقع المصري ، وهما : إستراتيجية المحاور المتوازية ؛ أو : إستراتيجية المحاور المتشابكة المتكاملة ، باعتبار أن أي من الإستراتيجيتين يمكن أن تكون الأكثر توافقاً للتعامل مع المحددات المادية على طريق العمل الوطني ، بخلاف إستراتيجية المحاور البديلة التي هي الأكثر تناسباً مع المحددات المعنوية في ظل واقعنا الحالي .
وتعني : إستراتيجية المحاور المتوازية ، توزيع الاهتمام بصورة متوازية ، بما يعني - مثلاً - إقامة طريق جديد بالتوازي مع إصلاح الطريق القديم . بينما : إستراتيجية المحاور المتشابكة المتكاملة ؛ تهتم هي الأخرى بالطريقين القديم والجديد معاً ، ولكن مع ربطهما بالدائرة الواسعة لكل الأبعاد المتشابكة والمتكاملة لتحقيق التنمية الشاملة .
ولعل أكبر مثال على فشل إستراتيجية المحاور البديلة فيما يتعلق بالمحددات المادية ، يتمثل في التجربة المصرية المعاصرة الخاصة بإنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة التي تصل إلى 27 مدينة جديدة ؛ كانت جديدة فقط بمنطق الزمن ولكنها كانت عتيقة بمنطق الإدارة والتنمية الذي انتقل إليها من المدن الأم التي أهملت استراتيجية المحاور البديلة تطويرها ، مما أدى إلى أن تصبح معظم هذه المدن الجديدة مدناً هامشية ليس بمفهوم الجغرافيا فقط ، ولكن أيضاً بمفهوم التنمية الشاملة .
أما المحدد المادي الثالث الخاص بمنهج احترام المؤسسات ، فإنه رغم وجاهته في ظل الظرف الأمني الدقيق الذي تمر به مصر وهي تحارب الإرهاب ، إلا أن الاقتصار على التعامل مع المؤسسات باعتبارها هياكل تنظيمية دون توسيع دائرة الرؤية لكي يتم التعامل معها باعتبارها كيانات وظيفية تمارس دوراً وظيفياً محدداً في المجتمع ، هذا المنحى غير الصائب في التعامل مع المؤسسات هو الذي يجسم حالة الممانعة الداخلية المريرة التي تعطل أي محاولة لإصلاحها .
لذلك فإن المنهج الأجدر بالاتباع هو : منهج احترام الدور الوظيفي للمؤسسات . لأنه بينما يؤدي منهج احترام المؤسسات إلى تأكيد الحرص على استمرار وجودها ، فإن منهج احترام الدور الوظيفي للمؤسسات هو الذي يربط بين احترام وجودها وبين قيامها بدورها الوظيفي المنوط بها ، فإذا ما تخلت المؤسسات عن الالتزام بدورها أو أخلت به ، فإن التدخل الحاسم الجازم لإصلاحها حتى تقوم بما هو منوط بها هو الذي سيضمن استمرارها وليس .. تصنيمها .
ومن هنا فإن منهج احترام المؤسسات هو منهج يساهم في تصنيم المؤسسات ودعم عوامل الممانعة بداخلها لرفض أي إصلاح مؤسسي . بينما منهج احترام الدور الوظيفي للمؤسسات هو الذي يضمن فتح النوافذ والأبواب لتقبل الإصلاح والتطوير  والقضاء على عوامل القصور المتراكمة المتوارثة المزمنة . ولعل الأمثلة واضحة فيما يتعلق بالجهاز الإداري للدولة والمؤسسة الأمنية والمؤسسة القضائية ومؤسسة الكنيسة ومؤسسة الأزهر .. إلى آخر منظومة المؤسسات المصرية . فقد أدى منهج احترام المؤسسات إلى تصنيمها وتضخيم عوامل الممانعة للإصلاح المؤسسي الكامنة في صلب بنيانها .
.. ونصل الآن إلى تقييم المحددين المعنويين اللذين يمثلا معالم الطريق الذي يسير فيه السيسي .
وفي هذا المجال تبرز  إستراتيجية المحاور البديلة باعتبارها الإستراتيجية الأكثر ملاءمة للواقع المصري ، والتي ينبغي أن تحظى بالأولوية لتكون هي الجديرة بالاتباع لتحقيق الأهداف المنوطة بهذين المحددين .
فبالنسبة للمحدد المعنوي الأول الذي يتعلق بمنهج الإعلاء من القيم الأخلاقية الفاضلة والسلوكيات الراقية الذي يتبعه الرئيس من خلال التزامه بمسلك أخلاقي نبيل في أقواله وتعاملاته . فإن هذا المنهج رغم نبله ومثاليته يبدو بمثابة وضع للعربة أمام الحصان . ففي مجال القيم الأخلاقية ، فإن الاعتقاد بأن مجرد الاستمرار في الدعوة إلى الإيمان بالقيم الأخلاقية الفاضلة ، هو أمر سيؤدي بالضرورة إلى الالتزام بالسلوكيات الراقية ، هذا الاعتقاد لا يتفق مع الفهم العلمي المتراكم عن الطبيعة البشرية لعامة الناس . إذ أن الواقع يقرر بأن إنشاء نظام صارم وحاسم لإجبار الناس على الالتزام بالسلوكيات الراقية هو الذي سيؤدي بمرور الوقت إلى ترسيخ القيم الفاضلة في وجدان الناس ، طالما أصبحت هذه القيم تمثل الخلفية الفكرية التي لا تتصادم مع أسلوب حياتهم . بينما الدعوة المستمرة للالتزام بالقيم في ظل واقع يخلو من النظام ويتسم بالفوضى والعشوائية هو أمر لن يساعد على التمسك بأي سلوكيات راقية .
ومن ثم فإن السلوكيات الراقية لن تترسخ في المجتمع إلا من خلال تطبيق نظام قانوني صارم وحاسم يحمي وجودها ويجرم من خلال أساليب حديثة مبتكرة - تبتعد عن الأساليب العقابية التقليدية - حالات الخروج على هذه السلوكيات وعدم الالتزام بموجباتها . وبالتالي لن يعنينا في هذا المقام أن ننشغل بمدى إيمان الناس أو عدم إيمانهم بقيم محددة طالما يضمن النظام الالتزام بسلوكياتها المرتبطة بها .
أما المحدد المعنوي الثاني المتمثل في الدعوة إلى إصلاح الخطاب الديني ، فإنه يفتقر إلى نقطة الارتكاز الصحيحة التي ينطلق منها . حيث ينبغي أن تهدف الدعوة إلى : نقد الفكر الديني ؛ وليس إلى إصلاح الخطاب الديني . لأنه بينما يحمل مفهوم : الإصلاح ؛ معنى التقويم بما يفيد إمكانية التغليف الجيد لمنتج ردئ ، وهو المنهج الذي تتبعه المؤسسة الدينية إسلامية أم مسيحية لتجميل الظاهر دون الجوهر والباطن والمضمون . فإن مفهوم : النقد ؛ يحمل معنى التقييم ثم التقويم بما يفيد استبعاد المنتج الردئ والتغليف الجيد للمنتج الجيد . وبالتالي تبرز هنا إستراتيجية المحاور البديلة باعتبارها الأكثر اتساقاً مع منهج نقد الفكر الديني ، وذلك من خلال إنشاء محور بديل لا يعنيه التوازي أو التشابك والتكامل مع أي محاور إصلاحية أخرى تقوم بها مؤسسات لم تخضع لأى علاج حتى الآن لتتخلص من عقدة تصنيم دورها في المجتمع . وهذا المحور البديل سيتفرد بالاضطلاع بمهمة الدراسة النقدية للفكر الديني من خلال تدخل تشريعي يلزم المؤسسات التعليمية الدينية بإنشاء أقسام للدراسات النقدية للتراث داخل كلياتها ومعاهدها . ويتولى رموز التيار النقدي للتراث مهام التدريس داخل هذه الأقسام ووضع مناهجها ، الأمر الذي سيفضي بمرور الوقت إلى نمو العقلية النقدية داخل رؤوس طلاب تلك الكليات والمعاهد ، بما يساعد على نمو فكر ديني معاصر يكشف مدى رجعية وتحجر الفكر التراثي الذي يعتمد على علوم زائفة أو مناهج منقرضة .
........
بالطبع لا تمثل المحددات الخمسة السابق عرضها النموذج الجامع المانع لكل تفاصيل معالم الطريق الذي يسير فيه السيسي ، فقد تخرج بعض السياسات أو الأساليب أو الممارسات عن هذه المحددات . ولكن يظل الغالب الأعم منها يلتزم بها ، بما يجعلها المعلم الرئيسي الذي يلخص مجمل توجهات الطريق وعلاماته الإرشادية .
وبالتالي .. لو استمر السيسي في انتهاج ذات الطريق الذي تحكمه تلك المحددات ، فإن النتائج ستنخفض كثيرا عن مستوى التوقعات والطموحات . بما يعني بأن مصر لن تتقدم بخطوات واسعة إلى الأمام ، وإنما بخطوات بطيئة واهنة تقيدها أمراضها وأوجاعها المزمنة التي أهملها مشرط الجراح فتم اخضاعها للعلاج بالأدوية ، أو أهملها العلاج الدوائي فتم تسليمها للمشرط الجراحي .
إذن .. لن تتراجع مصر للخلف ، فزخم الثورة قد قطع الطريق على أصحاب الخطوات والأحلام والأوهام المتراجعة . ولكنها أيضاً لن تقفز للأمام طالما ظلت محددات الطريق قاصرة أو خاطئة .
ولذلك لو استمر الحال على ما هو عليه ، فإن التقدم في مصر سيكون ناتجاً عن التطور الديمقراطي التدريجي ، المتولد عن التداول السلمي للسلطة بين أحزاب متنافسة ، والفصل بين السلطات التي هي بطبيعة أدوراها غير متجانسة ومن ثم تراقب بعضها .
وأما عن الرئيس السيسي ، فإنه سيظل يتمتع بحب الجماهير دون نقصان فادح في شعبيته وجماهيريته . ولكن لا يبقى الحب مبهجاً ومحفزاً على العطاء إلا لو ارتبط بالتقدير ، بينما يمسي الحب باعثاً على الشجن وموسوساً على التخاذل لو انخفض به منسوب التقدير واهتزت به أعمدة الثقة .
سيادة الرئيس .. تمتلك بين يديك شعبية جارفة وجماهيرية كاسحة لم يتم ترجمتها حتى الآن إلى قوة دافعة تجعل مصر تفلت من أسر جاذبية الماضي لتنطلق بكامل قدراتها نحو المستقبل . وبالطبع طالما مازالت تتعثر الترجمة فإن هذا يعني بأن العيب ليس في النص الأصلي وإنما فيمن يقوم بالترجمة .
فمتى ستستعين ياسيادة الرئيس بمن يبرعون في فك مغاليق النصوص الشعبية الجماهيرية ويجيدون الترجمة ؟ بالطبع لا يمكن إنكار أنك بالفعل تستعين ببعضهم ، ولكن ربما تكون سياساتهم الرشيدة التي تجيد ترجمة مطالب الناس تضيع آثارها وسط المنظومة الكلية العصية على التغيير . وأزعم بأن وزير التموين أحد هؤلاء الذين يمكن الاعتماد عليهم للخروج من دائرة العبث المغلقة ، فهو يمتلك التفكير العلمي ويعتنق مبدأ الاعتماد على التكنولجيا لتنظيم خيوط أي منظومة مهما تعقدت . وفي تقديري فإنه الشخص المناسب للقفز بمصر الى الأمام في هذه المرحلة .
سيادة الرئيس .. مفاتيح الأمس لا يمكن أن تفتح أبواب الحاضر أو نوافذ المستقبل . ومفاتيح الأمس تتمثل في كوادر فاشلة أو فاسدة ، كما تتمثل في سياسات خاطئة أو قاصرة .
سيادة الرئيس .. رجال الدولة لا يجب أن يكونوا بديلاً عن رجال الثورة ، والثورة هنا لا تقتصر على المعنى السياسي وإنما تمتد إلى الثورة بمفهومها الشامل السياسي والاقتصادي والعلمي والإداري والتكنولوجي والديني . ولكن حتى إن كان رجال الدولة هم البديل المؤقت لضعف أو قصور في خبرة بعض رجال الثورة بشئون الحكم ودهاليز السلطة ، فإن على القائد مسئولية جسيمة في إلزامهم بالسير على صراط  الثورة وأهدافها.
وأخيراً .. فقد كان هذا حديث محب صبور ، تدفعه إحباطات الحب إلى التشبث بحبال الصبر ، أملاً في ألا يأتي اليوم الذي يغيب فيه عن هذا الحب عبير التقدير ، فيجد نفسه مضطراً للتأسي بأبيات .. المتنبي :
يُحبّ العَاقِلُونَ على التصافي .. وَحُبّ الجَاهِلِينَ على الوَسَامِ
وَمَنْ يَجِدُ الطّرِيقَ إلى المَعَالي .. فَلا يَذَرُ المَطيَّ بِلا سَنَامِ
وَلم أرَ في عيوبِ النّاسِ شيئاً .. كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com


16 أبريل 2015

د. محمد محفوظ يكتب : كي لا يظل الأزهر جامعة للعلوم الزائفة والمناهج المنقرضة


ليس هناك معرفة مطلقة
وكل من يدعيها عالماً كان أم عقائدياً إنما يفتح الباب للمأساة 
إن كل البيانات قاصرة وعلينا أن نعالجها بتواضع 
هذا هو الشرط الإنساني للمعرفة وما دونه هو معرفة الآلهة 
( جاكوب برونوفسكي )



أولاً - المدخل  :

يتطور العلم بالتراكم المعرفي .
ولكن هذا التراكم لا يعني حتماً أن كل المعارف السابقة صحيحة .
بل على العكس ، فقد يكون بعضها خاطئاً ويكون التراكم هنا طامراً لها وليس متأسساً عليها .

وبالتالي تظل المعارف المطمورة حاضرة فقط في كتب تاريخ العلم ، ولكنها تبتعد تماماً عن كتب العلوم المعاصرة وتطبيقاتها العملية في أرض الواقع .

وتضم المعارف المطمورة ، العلوم الزائفة التي لا تندرج تحت بند العلوم أصلاً ، أو العلوم التي ترتبط بمناهج انقرضت نتيجة التطور العلمي .
ويدخل تحت بند العلوم الزائفة - على سبيل المثال وليس الحصر - ما اصطلح على تسميته بعلم  الأبراج أو التنجيم المرتبط بقراءة الطالع والتنبؤ بالمستقبل ، أو علم السحر بمعناه الخارق للقوانين الطبيعية ، أو علم الباراسيكولوجي بمسلماته حول التخاطر عن بعد والتحكم العقلي في الأجسام المادية ، بالإضافة إلى ما يُطلق عليه نظرية المؤامرة بمسلماتها حول الحكومة العالمية الخفية والمؤامرة الكونية الكبرى .. إلى آخر هذه العلوم الزائفة المُدّعاة التي لا تساندها قوانين ثابتة توفر نتائج متساوية في الظروف المتماثلة ، أو نتائج متناسبة في الظروف المتناسبة .

بينما يدخل تحت بند العلوم التي تستند إلى مناهج منقرضة - على سبيل المثال وليس الحصر - ما اصطُلح على تسميته بعلم الخيمياء ، بتطلعاته لما يُسمى بحجر الفلاسفة وتحويل المعادن إلى ذهب ، اعتماداً على منهج كان سائداً في العصور القديمة مفاده بأن هناك خواص أو أبعاد سحرية للعناصر يختلط فيها المادي بالروحي ، بما قد يسفر عن نتائج خارقة للطبيعة دون مقدمات منطقية منضبطة .

 لهذا يجب على أي جامعة أو هيئة علمية معتبرة أن تهتم بمراجعة العلوم المدرجة على لائحة برامجها التعليمية ، بحيث تميز بين ما ينبغي إدراجه منها تحت بند تاريخ العلم وبين ما يندرج تحت بند العلوم المعتمدة .

والواقع أن الأزهر الشريف باعتباره هيئة علمية متخصصة في مجال العلوم الدينية ، تقع عليه مسئولية جسيمة وحساسة فيما يتعلق بهذه المراجعة . إذ أن معظم العلوم الدينية التي تندرح في لائحة برامجه التعليمية تعتمد اعتماداً كلياً في الغالب الأعم على أصول تراثية تسمى بأمهات الكتب ، تم تأليفها منذ قرون عديدة ولكنها رغم ذلك باتت تمثل المراجع المعتبرة بل وربما الوحيدة لأي برامج تعليمية أو خطط بحثية في المناهج الأزهرية .

ولقد أدى ارتباط هذه العلوم التراثية بالدين وقرب صلتها الزمنية ببعثة الرسول أو بالقرون الهجرية الأولى ( القرون المفضلة ) وقرب نشأة الأزهر الشريف ذاته من تلك القرون ، إلى تغليف هذه العلوم بصبغة تقديسية بمرور الوقت ، بما جعلها تفارق دائرة الفكر الديني التي تنتمي إليها وتصبح امتداداً للدين ذاته .

ولعل هذا يوضح ، لماذا توقف الاجتهاد أو تعطل في الفكر الإسلامي نتيجة لختم القداسة غير المستحق الذي انطبعت به هذه العلوم الدينية ، بما أخرجها من دائرة المراجعة النقدية والتمحيص العلمي .

والواقع أن التطور العلمي الهائل أسفر عن مجموعة من النظريات والأدوات والمناهج التي لا ينبغي تجاهلها عند التعامل مع العلوم الدينية التراثية لإعادة مراجعتها وتصنيفها في ضوء هذا التطور ، فيتبين ما الذي ينتمي منها إلى العلم بمعناه المعاصر ولا يدخل تحت بند العلوم الزائفة ، وما الذي يعتمد فيها على المناهج العلمية المنضبطة ولا يرتبط بمناهج منقرضة تصدعت مبادئها وسقطت مسلماتها .

ولعل المتفحص للعلوم الدينية التراثية في مجال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والفقه . سيجد بأن ثمة مقدمات معرفية استندت إليها تلك العلوم قد تتناقض مع تعريف العلم بمفهومه المعاصر ومع المنهج العلمي بضوابطه المنطقية . مما يستدعي ضرورة إخضاعها للدراسة النقدية في ضوء النظريات والمناهج والعلوم الحديثة . 

فالقراءة النقدية لعلوم القرآن الكريم بهدف مراجعة الأسس العلمية التي تأسست عليها ستفتح الباب لإعادة النظر علي سبيل المثال وليس الحصر في العديد من المسائل والقضايا. 

ففي علم التفسير ، تبدو مسألة الترادف والحروف الزائدة والتورية في ألفاظ القرأن الكريم جديرة بتسليط الضوء عليها لإعادة فهم هذه الألفاظ في ضوء السياق العام للنص الإلهي المقدس وليس السياق اللغوي للمحيط الاجتماعي البشري . فالتناول الإلهي للغة غير الاستخدام الإنساني لها . ولا يستقيم في المدلول الإلهي أن تتشابه المعاني بين الكلمات غير المتشابهة في الحروف . فكلمة رسول لا تساوي المدلول الإلهي لكلمة نبي ، ونفس القياس ينطبق على عبارتي أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب ، أو اليهود وبني إسرائيل ، أو الرب والإله .. وهكذا . 
وبنفس المنطق ، فإن التسليم بوجود حروف زائدة في القرآن الكريم قد ينحرف بالمدلول الإلهي الذي لا يستقيم إلا بحسبان كل الحروف واجبة لاكتمال المعنى دون أدنى احتمال لأي زيادة .

ولذلك يصبح من المهم الاستفادة من ( نظرية الحقول الدلالية ) لتقديم نموذج علمي للسياقات التي تأتي فيها الكلمات القرآنية بمدلولاتها الإلهية ، بما ينعكس على مراجعة الكثير من المسلمات التراثية في علم التفسير التي استندت إلى منهج عشوائي ينبغي انقراضه لتفريغه النص القرآني من مدلوله الإلهي وتسليط مدلولات بشرية أو خرافية عليه تنحرف بمعانيه ومقاصده  .

وفي علم الناسخ والمنسوخ ينبغي الاستفادة من ( أسلوب أو أداة تحليل المضمون ) لتجاوز المنهج التراثي الذي ينبغي انقراضه القائم على الفهم السطحي للمعاني القرآنية ، بما أدى إلى نسخ عدد مُختَلَف عليه من آيات القرآن بما تتضمنه من أحكام وأوامر ونواهي بل ومقاصد إلهية ، ومن ثم ترسيخ الانطباع بأن آيات القرآن تتصادم مع بعضها بعضاً بدلاً من دورانها في إطار تكاملي تعاضدي ، وهو ما يؤكد بأن علم الناسخ والمنسوخ ينبغي أن يحتل مكانه الواجب في كتب تاريخ العلم باعتباره علم زائف يستند لمنهج عشوائي غير منضبط بل ومختلق .

والواقع أن استمرار التعامل التراثي مع علوم القرآن اعتماداً على مقدمات معرفية غير علمية ، أو مناهج عتيقة كان ينبغي منذ زمن أن تتراجع  إلى موقعها المستحق في كتب تاريخ العلم ، كل ذلك أدى الى تغييب الكثير من المعاني الإلهية الكامنة أو حتى الظاهرة في النص ، بما جعل هذا النص المقدس قد يبدو عاجزاً - والعياذ بالله - عن بيان مقاصده إلا بالاعتماد على عامل مساعد هو السنة الشريفة ، التي لم تسلم علومها هى الأخرى من المسلمات التراثية غير العلمية .

فعلوم السنة الشريفة بما تتضمنه - على سبيل المثال وليس الحصر - من علم الجرح والتعديل ، وعلم الرجال أو طبقات الرجال أو التراجم ، وعلم مُختَلَف الحديث ، وعلم مُشكِل الحديث ، كل هذه المعارف ينبغي مراجعتها لتقييم المقدمات المعرفية التي تأسست عليها في ضوء المناهج العلمية المعاصرة . 

فعلم الرجال أو طبقات الرجال أو التراجم يتأسس على مرويات وسرديات لا دليل علمي منهجي موثق على صحتها ، أو عدم خضوعها للتعصبات القبلية أو المبالغات الشائعة أو النوازع الشخصية ، ولا مقياس منضبط لاعتماد مسلماتها حول درجة التقوى أو الورع أو الأمانة أو الصدق أو القدرة على الحفظ التي يتم الركون إليها في جرح رواة الحديث أو تعديلهم .  فلا أحد يعلم ما هى طبيعة ومواصفات ( العينة العلمية ) التي تم الاعتماد عليها لجمع المعلومات حول الرجال في علم الرجال أو طبقاتهم أو تراجمهم . وإذا سلمنا بقيام شخص ( أ ) استناداً لتلك المعلومات بجرح أو تعديل شخص ( ب ) فإن الشخص ( أ ) سيكون هو الآخر بحاجة إلى شخص ( ج ) لجرحه أو تعديله ، وهكذا سندخل في سلسلة لا تنتهي من التقييم ؛ الذي حتى إن تم فإنه لا يمكن أن يستند في بعض جوانبه لأي منهج علمي منضبط . 
فبينما يمكن حالياً - وهو مالم يكن متوفراً قديماً - قياس درجة تحصيل المعلومات والقدرة على الحفظ ، إلا أنه لم يتوفر قديماً - ولا حتى في وقتنا الحالي - أي إمكانية لقياس درجة الورع أو التقوى أو الصدق ، مصداقاً لقوله تعالى : ( .. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) . وهو ما يتفق تماماً مع رأي معظم الأوساط العلمية العالمية التي لا تعترف - على سبيل المثال - بنتائج جهاز كشف الكذب باعتبارها غير موثوقة ولا تستند إلى منهج علمي منضبط .

علاوة على ذلك ، فإن كل من علم مُختَلَف الحديث وعلم مُشكِل الحديث يعتمدان منهجية جدلية سوفسطائية تحاول التوفيق الذي يصل إلى حد التلفيق بين الروايات المتعارضة ، من خلال استبدال المعاني الظاهرة للألفاظ والعبارات بمعاني بعيدة عن سياق النص الأصلي ، بما يهدره ويسلط عليه نصاً متخيلاً لمجرد الحفاظ على النص في صورته الشكلية ولكن بعد تفريغه من مضمونه الصريح .

ومن ثم ، فإن الاستفادة من مبادئ ( نظرية الإدراك الانتقائي والتذكر الانتقائي ) لتطبيق مسلماتها على درجة الحفظ لدى رواة الأحاديث النبوية الشريفة ، والاعتماد على ( منهج دراسة الحالة ) بخطواته العلمية المنضبطة لتطبيقه على مسلمات علم الرجال وطبقاتهم وتراجمهم ، والاستفادة من ( نظرية الفروق الفردية ) و( نظرية السمات ) و( علم سيكولجية الشخصية ) لمراجعة مسلمات علم الجرح والتعديل ، وكشف مدى اعتماده على فرضيات غير علمية تتناقض مع الفهم العلمي المعاصر لتعقد منظومة النوازع والغرائز البشرية الكامنة في الشخصية الإنسانية ، بما يوضح مقدار صعوبة الجزم بعدول أشخاص ما أو تجريحهم . لاسيما أن الحوادث الدموية المعروفة في تاريخ المسلمين بــ ( الفتنة الكبرى ) تمثل الدليل الأكبر  على تعقد الشخصية الإنسانية ، وتراوحها ما بين التقوى والغواية باختلاف المراحل وتشابك الحوادث وتقدم الأعمار !!

وفي تقديري ، فإن الدراسة النقدية لعلوم القرآن الكريم وعلوم السنة الشريفة - وفقاً لمستحدثات نظرية المعرفة وفلسفة العلم ونظريات الاتصال وعلم الدلالة وعلم النفس وعلم الاجتماع - ستلقي بالضرورة بآثارها على المعارف الأخرى التي تم استنباطها من تلك العلوم ، بحيث تمتد أيضاً إلى علم الفقه بأصوله وقواعده وفروعه باعتباره متغير تابع في معادلة العلوم الدينية .

فأدلة الفقه التي تصل إلى 12 أو 13 دليلاً ، وأحكامه الشرعية التكليفية الخمسة ، وأحكامه الشرعية الوضعية ، وقواعده الخمس الكبرى ، وقواعدة الكلية الأربعين ، وقواعده الخاصة المتعددة بتعدد المسائل ، وفرعاه المتمثلان في فقه العبادات وفقه المعاملات .. كل هذا البحر المتلاطم من الاجتهاد البشري ينبغي أن يخضع للدارسة النقدية للخروج به من حيز ( المنطق البديهي ) والانطلاق نحو حيز ( المنطق المركب ) المتوافق مع النضج الإنساني في مدارج العلم المعاصر . 

فلا مجال في القرن الواحد والعشرين لاجتهادات فقهية تراثية تُسلّم بأن أقصى مدة الحمل 4 سنوات ، أو أن الطفل للفراش ، أو أن العلاقة الجنسية بين الإنس والجن حقيقة شرعية !!!

وبنفس المنطق ، فإن علم العقيدة ذاته ، ينبغي أن تمتد إليه جهود المراجعة والتجديد . فالتصورات التراثية عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله مرتبطة بالضرورة بالتصورات المعرفية التي كانت سائدة في القرون الهجرية الأولى عن عالمنا الأرضي المنبسط غير الكروي الذي بدأ خلقه منذ 4000 عام قبل الميلاد ويحتل مركز الكون وتدور حوله الشمس وباقي الكواكب وتزين سماءه النجوم  .. إلى آخر تلك التصورات التراثية المحكومة بسقف المعارف السائدة والخرافات الشائعة آنذاك . 

وبالطبع فإن التصورات التي يقدمها العلم المعاصر عن كوكب الأرض الذي يصل عمره إلى 4500 مليون سنة ، وعن الكون الذي يصل عمره  الي 13700 مليون سنة وطول قطره الذي يزيد عن 27000 مليون سنة ضوئية ، ومايزال في حالة زيادة نظراً لما أثبتته ( نظرية الانفجار العظيم ) و( نظرية الخلفية الإشعاعية للكون ) من أنه في حالة تمدد ... كل هذه التصورات التي يقدمها العلم المعاصر  تسمو بنا عالياً فوق الفهم التراثي البدائي المتعلق بالذات الإلهية وما يرتبط بها من صفات وأفعال ، كما تساهم في الارتفاع بمستوى وعينا المتخيل حول الملائكة وعالم الجن ويوم القيامة ، من خلال استلهام النتائج العلمية لــ ( نظرية النسبية ) لأينشتاين حول نسبية الزمان واعوجاج الزمكان والتكافؤ بين الكتلة والطاقة ، والنتائج العلمية الباهرة لــ ( نظرية الأوتار الفائقة ) التي وحدت بين تصورات ميكانيا الكم والنظرية النسبية ، وقدمت الوصف العلمي للجسيمات الأولية باعتبارها أوتار مهتزة تتنوع وفقاً لدرجة اهتزازها الجسيمات الذرية التي هي أصل كل الموجودات في كوننا الشاسع الفسيح .

لهذا ينبغي مفارقة الفهم التراثي للكون والوجود لتأسسه على تصورات وفرضيات بدائية تجاوزها العلم الحديث والمعاصر ، والتسليم بضرورة نقل المعارف الدينية التي أفرزها هذا الفهم من كتب العلوم إلى مكانها المستحق في كتب تاريخ العلم ، وإلى موقعها الطبيعي في خانة الفكر الديني باعتبارها ليست امتداداً للدين . 

ثانيا - المخرج  :
بالطبع من السذاجة أن نعتقد بأن علماء الأزهر الشريف ستكون لديهم القدرة على أو حتى الرغبة في استيعاب هذا ( المدخل ) الذي قدمناه لعرض جوانب المشكلة العلمية التراثية التي يعاني منها الأزهر ، بما يجعلهم ينشغلون بمهمة البحث عن ( المخرج ) .

فثقافة المؤسسة التي يتجاوز عمرها الألف عام ، قد رسخت في عقول وقلوب الأزهريين بأن الأزهر الشريف هو الحافظ للدين وعلومه التي اكتسبت بمرور الزمن جلالاً ساهم في جعلها - ودون حرج - امتداداً لهذا الدين .

ولذلك فإن التعويل على قيام الأزهر الشريف كمؤسسة علمية بمراجعة علوم الدين لتنقيتها من العلوم الزائفة والمناهج المنقرضة هو أمر يدخل في باب المحال .

كما أن الجنوح نحو منطق هدم المعبد العتيق لبناء المعبد الجديد  - في ظل المواجهة الضارية مع الإرهاب بارتباطاته الداخلية والإقليمية والدولية - هو أمر لا يتسع له جدول الأعمال .

وبالتالي ، مثلما هو من المحال الإصلاح من الداخل ، فإن الإصلاح من الخارج هو أمر بعيد المنال لأنه سيتم الترويج له باعتباره مؤامرة لهدم الدين تستدعي اشتعال الحرب بين الردة والإيمان .

وبالتالي : ما هو المخرج ؟؟؟ 

في تقديري ، فإن المخرج يتمثل في استلهام المنهج الآتي : 
منهج الإصلاح من الخارج من خلال الاختراق من الداخل . 

وهذا المنهج لن يتحقق إلا بتدخل تشريعي ، قد يبدو ليناً في مظهره ، ولكنه سيكون نافذاً في مخبره . 

ويتضمن هذا التدخل التشريعي استحداث قسماً علمياً جديداً بكل الكليات والمعاهد المختصة بالعلوم الدينية التابعة للأزهر الشريف . 
وهذا القسم سيحمل اسم : قسم الدراسات النقدية للتراث . 

ويتولى هذا القسم المهام الآتية :
- إعداد تخصصات علمية نقدية لكافة العلوم الدينية التراثية . 
- وصياغة هذه التخصصات في صورة مناهج دراسية يتم توزيعها على كافة المراحل الدراسية بكليات ومعاهد الأزهر الشريف لكي تترافق مع العلوم الدينية التراثية الأخرى . 
- ويضاف إلى هذه المناهج مواد دراسية عامة ، تهتم بتقديم إطلالة بانورامية على النظريات والعلوم الحديثة في كافة مناحي المعرفة الإنسانية التي ترتبط بالعلوم الدينية أو تتماس معها . 

وبالطبع لا ينبغي أن يتولى وضع المناهج الدراسية بهذا القسم المستحدث إلا لجنة علمية من خارج الأزهر الشريف ، تضم كوكبة من المفكرين والباحثين المتخصصين في قضايا نقد التراث الديني .

وفي تقديري ، فإن قسم الدراسات النقدية للتراث .. سيكون بمثابة الكيان الذي سيحتضن البذرة الأولى القادرة على نقل كروموسومات ( التجديد ) إلى تربة ( الخطاب الديني ) .

.. إن الربيع .. لا يعنيه أن يقتنع الخريف .. بتفتح الزهور . 
ولهذا ، لا ينبغي أن ننشغل مرة أخرى بمطالبة الأزهر الشريف بالتنقيب في خزائن تراثه عن العلوم الزائفة والمناهج المنقرضة ، طالما أننا نعلم بأنه لن يراها إلا بعيون الأقدمين .. مجداً وفخاراً . 

بل يجب أن نبادر بفتح نافذة أو شرفة لطلابه ؛ ليطلوا منها على العالم بغير عيون التراث العتيق السحيق .. فيعتاد وعيهم على الضوء .. فتتفتح القلوب .. وتسطع العقول .

وليعلم كل الأزهريين .. بأننا ما تطلعنا إلى ما نصبو إليه ، إلا خوفاً على الأزهر الشريف .

ليس خوفاً من أن يظل ( جامعة ) للعلوم الزائفة والمناهج المنقرضة .

ولكن فزعاً من أن يمسي ( متحفاً ) للعلوم الزائفة والمناهج المنقرضة .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

04 أبريل 2015

إلى الرئيس : من سيحمي إسلام بحيري ؟!!

د. محمد محفوظ .. يكتب : إلى الرئيس : من سيحمي إسلام بحيري ؟!!

النقد امتداد للنبوة ... وبقدر ما يخفت صوت الناقد ، يرتفع صوت الدجال
بيرم التونسي

هل ستتصاعد الأحداث ويتم ترك إسلام بحيري ليلقى مصير الراحل فرج فودة ؟!
وفجأة ، تبث لنا الفضائيات والمواقع الإلكترونية خبر اغتياله على يد أحد الجهلة المغرر بهم والممسوحة عقولهم بفتاوى مشايخ الشيطان والنفايات التراثية .
أم سنتركه ليلقى مصير دكتور نصر حامد أبوزيد ، فيشتري حياته بالهروب إلى خارج وطنه الذي لم يوفر له الأمن ليجهر بكلمة حق في وجه الذين يحتكرون المنابر والميكروفونات في المساجد ، ويستعمرون الشاشات في الإعلام ، ويجمدون المناهج في ثلاجات الأزهر .
أم سنتركه لتتكرر معه المحنة التي سبق أن مر بها دكتور سيد القمني ، فتنهال عليه التهديدات بالقتل والاغتيال له ولأفراد أسرته حتى يبلغ منه الخوف مداه ، فيعلن اعتزاله العمل الفكري وتوبته عن حمل مشعل التنوير وهو مكره ولكن قلبه مطمئن بالإيمان .
وعندما تصدمنا المفاجأة كعادتنا المصرية المزمنة المجرمة .. فهل ......
هل سيستريح ضمير الكاتب والروائي يوسف زيدان ، عندما يكون محسوباً على رموز تيار العقل والتنوير ، وإذا به ينضم إلى الميكروفونات السعرانة التي اتخذت من الفقهاء والمحدثين والعلماء المزعومين والأئمة المعصومين أرباباً من دون الله . فيساهم بموقفه المخزي المذري المشين في طعن تيار التنوير في عقله من أجل حماية نفايات تراثية تفسد الدنيا وتسمم الدين .
وهل ستطمئن إيمان الحصري مذيعة قناة المحور إلى أنها أرضت كبرياءها ، عندما أغلقت التليفون في وجه إسلام بحيري ، لأنه تجرأ وقال أنه يمكنه مناظرة شيخ الأزهر نفسه ، فإذا بها ترد بأنها لا تقبل هذا التطاول ، وكأن شيخ الأزهر كائن مقدس ﻻ يمكن أن يخضع للمناظرة والمراجعة والنقد ، رغم أنه يتربع على قمة مؤسسة جاهرت بعدائها لحرية التعبير ودعوات التنوير من خلال طلبها المقدم لهيئة الاستثمار  بضرورة وقف برنامج إسلام بحيري ، لأنه يقدح في ثوابت الدين ( الدين الموازي ) التي هى تحض على قتل كل الناس باعتبارهم إما كفرة أو زنادقة أو مرتدين أو شيعة أو بهائيين أو منكرين للتداوي ببول البعير وللرخصة برضاع الكبير  .
وهل سيستمر سيد البدوي في قيادة أكبر وأعرق حزب ليبرالي في مصر ( حزب الوفد ) بينما شبكة قنوات الحياة التي يرأس مجلس إدارتها ويملك حصة في ملكيتها ، تفتح أستوديوهاتها لأمثال خالد الجندي ، ليمارس هوايته في تحريض الناس على إسلام بحيري ويسفه بلغة خبيثة مشروعه الفكري التنويري ، مثلما سبق وأن حرض الدولة في ديسمبر عام 2005 على الفتك باللاجئين السودانيين الذين اعتصموا سلمياً بميدان مصطفى محمود أمام مقر المفوضية الدولية للاجئين ، فكانت النتيجة وفاة ما يزيد على 25 منهم على يد قوات الأمن المركزي . فأى حياة تحترمها قناة الحياة عندما تفتح الساحة واسعة لمن يريدون وقف عجلة الحياة الفكرية والعقلية عند القرون الهجرية الثلاث الأولى .
وهل سيستمر خيري رمضان في برنامجه : ممكن ، على قناة سي بي سي ، في الاحتفاء بالشيخ أسامة الأزهري والشيخ الحبيب الجفري باعتبارهما من الوجوه الأزهرية المستنيرة ، رغم أن كل منطقهما يتمثل في اللف والدوران حول النصوص التراثية البشرية وعدم الاعتراف بإمكانية فساد بعضها ، بل إعادة تأويلها بغير ألفاظها لإسباغ معاني عليها تتناقض صراحة مع مقاصدها أو دلالاتها . ومنطقهما في ذلك يشبه منطق الماركسيين المعاصرين الذين يجادلون بأن النظرية الماركسية لم تكن خاطئة ولكن الخطأ كان في التطبيق !! وبالتالي فإن الخطأ ليس في فتاوى القتل والتكفير المنصوص عليها في كتب التراث ، وإنما الخطأ فقط في التطبيق .. مسخرة .
وهل سيكون إسلام بحيري هو الرأس الطائر ، لإرهاب وترويع وتفزيع كل عقل مستنير في مصر  يتجرأ على استخدام أدوات المنهج العلمي والمنطق العقلي والفطرة الإلهية النقية لنقد كتب القرون الهجرية الأولى ، التي تمثل الأصول المرجعية لتيار الإسلام السياسي بأجنحته السياسية والعسكرية . وبالتالي تكون الرسالة الموجهة لكل المجتمع من ذئاب وثعالب وضباع وعقارب وخفافيش تيار الإسلام السياسي مفادها كالآتي : إذا كنتم أقصيتمونا عن مقاعد السلطة الزمنية ،  فلن تقصونا عن منابر السلطة الروحية . فأزهركم هو شكلاً أحد مؤسسات دولتكم الطاغوتية ، ولكنه جوهراً ومضموناً هو أحد مؤسسات دولتنا دولة الخلافة الإسلامية ، وهو الحافظ لمناهجنا وطرائقنا ومصادر نفوذنا . فنصوص أئمة التراث التي يحافظ عليها الأزهر هى دستورنا ، ومذاهبهم التي لا يتجاوزها الأزهر هى شرعنا ، الأزهر قد يبدو معكم ، ولكنه في الحقيقة لنا !!
.... كل هذه الأسئلة السابقة وإن كان بعضها موجهاً إلى من تم توجيهها إليهم . إلا أن الأسباب التي دعت إلى طرحها كلها تظل معلقة في رقبة الدولة التي يجلس على قمة هرمها السلطوي ، الرئيس عبدالفتاح السيسي .
لذلك نقول للرئيس الذي لا تكاد تخلو مناسبة من دعوته إلى ثورة دينية تؤدي الى تجديد الخطاب الديني ، وهى دعوة لم تمتلك حتى الآن - للأسف - أى أقدام على أرض الواقع لتمشي بها .
نقول للرئيس .. وهو لها : من سيحمي إسلام بحيري ؟؟؟
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com

12 مارس 2015

وزارة الداخلية .. ونظرية الطيران بجناح واحد ( حول جدلية الأمن الاجتماعي / الاقتصادي .. والأمن السياسي )

د. محمد محفوظ .. يكتب : وزارة الداخلية .. ونظرية الطيران بجناح واحد ( حول جدلية الأمن الاجتماعي / الاقتصادي .. والأمن السياسي )

صاحب بالين .. كذاب ( مثل شعبي )

تبدو التجربة المريرة لمكافحة التنظيمات الإرهابية النشطة بمثابة اختبار عسير لأى دولة ولأى جهاز للأمن . 
وقد يكون من الملائم أن يقود هذه المواجهة الكوادر القيادية التي تخصصت في هذا المجال ، وتمرست على أدواته وأساليبه وتكتيكاته .
ولهذا يمكن القول بأن وزير الداخلية الجديد بحكم خبرته الوظيفية الطويلة داخل جهاز أمن الدولة ( الأمن الوطني ) ، هو الرجل المناسب لمواجهة الخطر الداهم الذي تمثله الجماعات الإرهابية الداخلية بامتداداتها وارتباطاتها الإقليمية والدولية.
ولكن التجارب السابقة تثبت بأن قيادة وزارة الداخلية من خلال القيادات التي تمرست على مواجهة الارهاب ، قد تفضي إلى خلق حالة من عدم التوازن بين الجناحين المفترض توازنهما في أي منظومة للأمن بمفهومه الشامل ، وهذان الجناحان هما : جناح الأمن السياسي ، وجناح الأمن الاجتماعي / الاقتصادي .
ولا ينصرف مدلول الأمن السياسي إلى المعنى الضيق الذي يحصره في أمن النظام السياسي القائم ، وإنما يمتد ليشمل في نطاقه العام ما يسمى بالجريمة السياسية التى تتصاعد درجة خطورتها حتى تصل إلى ذروتها فيما يسمى بالأنشطة الإرهابية.
ولعل أبسط تعريف للجريمة السياسية يتمثل في أنها الجريمة التي يتم توظيف العنف فيها لتحقيق أغراض سياسية . وبينما يمثل التظاهر غير الشرعي أو قطع الطرق أو الاعتصام أبسط مظاهر الجريمة السياسية - باعتبارها تستهدف جميعاً إجبار السلطة القائمة على اتخاذ إجراء معين أو التراجع عنه أو انتهاج سياسة معينة أو التراجع عنها دون اللجوء للضوابط التي حددها القانون - فإن استخدام السلاح لمواجهة السلطة القائمة بغرض إنهاكها أو إسقاطها أو الانتقام منها ، يمثل ذروة مظاهر الجريمة السياسية بما يستدعي وصفها آنذاك بالإرهاب .
أما مدلول الأمن الاجتماعي / الاقتصادي ، فهو ينصرف في جانبه الاجتماعي إلى مواجهة جرائم التعدي على النفس والأعراض والأموال والممتلكات والبيئة المحيطة ، بينما ينصرف في جانبه الاقتصادي إلى مواجهة جرائم الفساد المالي والإداري والإنتاجي والترويجي واختراق النظام الاقتصادي للدولة أو الإضرار به .
ولا شك بأن ضمان التوازن بين الجناحين ، جناح الأمن السياسي وجناح الأمن الاجتماعي / الاقتصادي هو الذي يضمن لقطاع الأمن في المجتمع القيام بالدور المنوط به ، باعتبار أن عدم التوازن بين الجناحين من خلال تغليب الاهتمام بأحدهما على حساب الآخر سيؤدي إلى قصور يصيب معادلة الأمن في أحد طرفيها .
فإهمال الأمن السياسي لحساب تغليب اعتبارات الأمن الاجتماعي / الاقتصادي غالباً ما يؤدي إلى الفوضى أو الاحتراب الأهلي أو إضعاف السلطة القائمة . 
وإهمال الأمن الاجتماعي / الاقتصادي لحساب تغليب تحديات الأمن السياسي غالباً مايؤدي إلى تدني منظومة القيم في المجتمع وتراجع سيادة القانون ليحل محلها قانون الغابة التي يفتك فيها القوي بالضعيف .
ولكن نظراً لأن الجريمة السياسية في حدها الأدنى أو حدها الأقصى الذي يوصف بالإرهاب تمثل تعدياً واضحاً على هيبة النظام القائم باعتباره سلطة الحكم ، فإن قيام السلطة بحماية نفسها من خلال دعم جناح الأمن السياسي ؛ هو أمر تكون له دائماً  الأولوية والاعتبار قياساً بالأمن الاجتماعي / الاقتصادي الذي قد يحوز المرتبة الثانية من الاهتمام والدعم .
ولهذا تمثل درجة ثقل كفة جناح الأمن السياسي الاختبار الدقيق الذي يكشف مدى التغول على كفة جناح الأمن الاجتماعي / الاقتصادي أم التوازن معها .
وبالتالي ، ففي النظم الديمقراطية قد يقتصر فقط الميل الشديد نحو جناح الأمن السياسي على فترات زمنية محدودة تحتشد فيها الدولة لمحاربة الإرهاب .
بينما في الدول الاستبدادية قد يتعاظم هذا الميل ليأخذ شكل الهاجس المزمن الذي  يؤدي إلى الإفراط في توسيع دائرة الجريمة السياسية والتهديدات الإرهابية المحتملة بما قد يمتد بها إلى الأنشطة السياسية السلمية المعارضة .
ولهذا فإن حصن الأمان في أى مجتمع يتطلع للمضى قدماً في طريق التطور الديمقراطي يتمثل في ضرورة فض الاشتباك الذي قد يؤدي إلى إشكالية ترتيب الأولويات بين الأمن السياسي والأمن الاجتماعي / الاقتصادي . وبالطبع لن يتأتى هذا الفض إلا من خلال الاستقلال الإداري والتنطيمي لكل جناح من الجناحين عن الآخر ، بحيث يعمل كل منهما تحت قيادة مستقلة في مجال النشاط المنوط به بأقصى طاقة بشرية وفنية وتكنولجية ومعلوماتية ومالية متاحة ، ليصب المردود النهائي لنشاط كليهما في خدمة قطاع الأمن في المجتمع بمفهومه الشامل .
ومن ثم فإن فصل الجهاز المنوط بالأمن السياسي( جهاز الأمن الوطني ) عن وزارة الداخلية لتتفرغ للأمن الاجتماعي / الاقتصادي ، هو أمر يمثل حجر الزاوية لمنع استنزاف الموارد البشرية والفنية والمالية لخدمة الأمن السياسي على حساب الأمن الاجتماعي / الاقتصادي . 
ولعل تجارب الدول المتقدمة التي تمتلك قدرات عالية في مواجهة الإرهاب توضح امتلاكها لجهاز مستقل لمكافحة الإرهاب بعيدا عن البناء التنظيمي لوزارة الداخلية . جهاز FBI في الوﻻيات المتحدة الأمريكية ، وجهاز MI5 في بريطانيا ، وجهاز FSB في روسيا ، كل هذه الأجهزة التي تمثل كيانات قوية على مستوى العالم في مواجهة الإرهاب ، هي أجهزة مستقلة عن وزارات الداخلية وتمارس عملها في مجال الأمن السياسي بعيداً عن الوزارة المسئولة عن الأمن الاجتماعي / الاقتصادي .
وبالتالي ، فإن هذا هو النهج الأفضل للتعامل مع جناحي الأمن اللذين لا يمكن استخدامهما بكامل قدرتهما إلا لو تم فصل كل منهما عن الآخر ، بحيث تنطلق وزارة الداخلية بجناح واحد هو جناح الأمن الاجتماعي / الاقتصادي ، بينما ينطلق جهاز الأمن الوطني بجناح واحد أيضاً هو جناح الأمن السياسي .
ونظراً لأن الجناحين متكاملين تحت راية منظومة الأمن بمفهومه الشامل ، فإن نتاج جهودهما سيرتفع بطائر الأمن ليحلق في أجواء المجتمع فيتعزز الإحساس بين جموع الشعب بالأمان والاطمئنان والاستقرار  .
ومن هنا فإن استمرار تحميل وزارة الداخلية بعبء الأمن السياسي الذي يستنزف مواردها ويشتت جهودها ، هو أمر يضر بمنظومة الأمن فى المجتمع ككل ، ويصيب جهاز الشرطة بعدد من السلبيات التي تفسد علاقته بالشعب .
ومن هذه السلبيات ، أن مواجهة الجرائم الإرهابية تستدعي ضرورة الاستناد إلى تشريعات إستثنائية تتجاوز الضمانات المقررة فى قانون الإجراءات الجنائية لمواجهة الجرائم الجنائية ، ومن ثم فإن توريط وزارة الداخلية في الدائرة الملغومة لمكافحة الإرهاب يؤدي إلى تكريس الخلط ما بين أساليب المواجهة ، بما يطبع الأمن الاجتماعي / الاقتصادي بنفس طابع الأمن السياسي ، الأمر الذي يساهم في خلق فجوة ما بين وزارة الداخلية والشعب ، نتيجة ابتعادها عن المظهر النظامي المدني وبدء تعاطيها مع مظاهر نظامية عسكرية ﻻ يتقبلها المجتمع المدني ، وتتناقض مع الطبيعة المتعارف عليها للشرطة المدنية .
علاوة على ذلك ، فإن تحميل وزارة الداخلية بعبء الأمن السياسي يؤدي إلى تقصيرها لا محالة في مجال الأمن الاجتماعي / الاقتصادي ، ومن ثم ارتفاع معدﻻت الجرائم الجنائية وشيوع الرشوة والفساد والاعتداء على أملاك الدولة والمرافق العامة ؛ فى مقابل تدنى معدﻻت الضبط لمرتكبي تلك الجرائم . 
وإذا كانت مصر تشهد في هذه الأيام فاعليات المؤتمر الاقتصادي لدعم وتنمية الاقتصاد المصري ، فإن إهمال الأمن الاقتصادي لحساب الأمن السياسي يؤدي إلى تسميم مناخ الاستثمار في مصر ، من خلال تحمل المستثمر لتكاليف إضافية لتمويل جماعات الفاسدين والمرتشين المتحكمين في التراخيص والموافقات ، بما يؤدي إلى تحميل هذه التكاليف للمستهلك المصري الذي لن يجلب له الاستثمار الملوث بالفساد إلا سلع وخدمات باهظة السعر ومنخفضة الجودة . 
علاوة علي ذلك ، فإن شيوع مناخ الفساد نتيجة إهمال الأمن الاقتصادي يؤدي إلى اجتذاب نوعية فاسدة من المستثمرين ، تتعامل مع أى حقل اقتصادي بمنطق النهب والسلب والتجريف ، وبنظام اخطف واجري .
ولهذا ، فقد حان الوقت لمنح الاستقلال الإداري والتنظيمي لجهاز الأمن الوطني ، بحيث يتسنى له الانفصال عن وزارة الداخلية ويستقل بإدارة جناح الأمن السياسي ، بينما تتفرغ وزارة الداخلية لإدارة الأمن الاجتماعي / الاقتصادي ، مع فتح قنوات التنسيق والتعاون بين الجناحين لتحقيق الأمن في المجتمع بمفهومه الشامل .
وإذا كانت نظرية الطيران بجناح واحد لا تتناسب مطلقاً مع الأجسام الطائرة التي تسقط إذا انفصل أحد جناحيها ، فإنها تظل نظرية صالحة في مجالات أخرى ومنها الأمن ، للتأكيد على أهمية الفصل بين الكيانات التي قد تتقارب فيها الوسائل ، ولكن قد تتصادم وتتعارض فيها الأهداف ، أو يطغى أحدها على الآخر .
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com


27 فبراير 2015

د. محمد محفوظ يكتب : ميراث ميكافيللي .. أوساخ السياسة وسياسة الأوساخ

د. محمد محفوظ .. يكتب : ميراث ميكافيللي .. أوساخ السياسة وسياسة الأوساخ
تاريخ النشر : 26 فبراير 2015

في كافة أعمال البشر - وخاصة الأمراء - فإن الغاية تبرر الوسيلة ، وهذا حكم لا يمكن نقضه
ميكافيللي : كتاب الأمير

ربما لم يمت ميكافيللي ؛ وما فتأت روحه تنتقل من أمير لحاكم لسلطان لملك لرئيس ؛ لتظل افكار كتابه : الأمير ؛ حاضرة تسكن القصور ومقرات الحكم في هذا العالم ؛ بملكياته وسلطناته وإماراته وجمهورياته .

بالطبع ؛ لم يبدأ تاريخ الغدر والخيانة والانتهازية مع كتاب ميكافيللي ، وإنما بدأ مع بدء المسيرة البشرية ذاتها ، وظل مستمراً بإصرار واقتدار .

ولكن ما كان يرتكبه الحكام باعتباره نوازع ونواقص ومخازي بشرية ؛ تستدعي الامتعاض والاشمئزاز ، إذا به يتم تنظيره وتوثيقه بل وتوقيره مع ميكافيللي ليصبح نظرية معتبرة وسياسة مختبرة ؛ تمثل الدليل المختصر لممارسة الحكم والاحتفاظ به بكل الأساليب والأدوات ، ومهما كانت الخطايا والجرائم ، وكيفما كانت التكاليف والأضرار .

ونظراً لأن السياسة هي الأداة متعددة الأغراض التي يستخدمها الحكام لممارسة الحكم بمسئولياته المتشعبة والجسيمة ، فإن للسياسة أوساخها التى تجعل المسئول السياسي مضطراً في أغلب الأحوال للمفاضلة بين السيئ والأسوأ أو الوسخ والأوسخ .

ولعل ( أوساخ السياسة ) تشبه الوضع الذى يجد أى منا نفسه فيه ، عندما يضطر لوضع يده فى قعر التواليت لالتقاط خاتم ألقاه طفله فيه ، أو عندما يضع أحدنا يده فى البلاعة لإزالة أى شئ يعوق تصريفها للمياه.

ولكن إذا كانت هذه ( أوساخ السياسة ) التى تضطر السياسي للتعاطي مع الوساخة مجبراً ﻻ مختاراً .
فإنه بالمقابل هناك مدرسة فى السياسة تمارس ( سياسة الأوساخ ) ، بمعنى أن هذه المدرسة ترى السياسة كلها وساخة بحيث لا يستطيع الوفاء بمسئولياتها ولا الاضطلاع بمهامها إﻻ مجموعة من الأوساخ الذين يجيدون التعامل مع الأوساخ .

وهذا هو ميراث ميكافيللي ؛ فقد انتقلت السياسة على يده وبفعل كتابه من ( حظيرة أوساخ السياسة ) إلى ( مقلب زبالة سياسة الأوساخ ) .

تبدو ( أوساخ السياسة ) مثل حالة المحامي الذي يحاول استغلال ثغرات القانون لتبرئة موكله أو تخفيف الحكم عليه .

بينما تبدو ( سياسة الأوساخ ) مثل حالة المحامى الذي يلفق الأدلة ويصطنع الشهود لتبرئة موكله وإلصاق التهمة بشخص برئ .

وللأسف فإن مدرسة ( سياسة الأوساخ ) هي التى أصبحت تتبوأ المكانة العلية فى أروقة السياسة بعالمنا المعاصر. 

فالنزاعات المزمنة التى لا تنتهي فى بعض مناطق العالم ، أو الاضطرابات التى تنشب وتتعالى ألسنة نيرانها ، كلها تثبت بأن النيران إن كانت ﻻ تأكل نفسها لتنطفئ فإن هناك ﻻ محالة من يغذيها .

قد تبرر مدرسة ( أوساخ السياسة ) الدور الذى تلعبه الدول لبيع السلاح لكل الأطراف المتصارعة ، باعتبار أن السلاح سلعة ﻻ ينبغى حبسها عمن يريدها ، وبالتالى ﻻ حرج في أن تببع الدولة السلاح لطرف ما من الباب الأمامي وتبيع السلاح لعدوه من الباب الخلفي .

ولكن كيف يمكن لمدرسة ( سياسة الأوساخ ) أن تبرر اصطناعها للفتن وتأليبها للنزاعات من أجل بيع السلاح لكل الأطراف ومن ثم إضعاف كل الأطراف وإنهاكها .

قد يكون هناك تبرير فى عالم مدرسة ( أوساخ السياسة ) للاستفادة من صراع قائم ، ولكن ما هو المبرر فى عالم ( سياسة الأوساخ ) لاصطناع صراع ما للاستفادة من مآسيه ومخازيه وآلامه .

إن المراقب لمسار السياسة الدولية فى عالمنا المعاصر ؛ أو للسياسة الداخلية فى بعض دوله ، سيجد بأن أنصار مدرسة ( سياسة الأوساخ ) هم المتمترسين فى مقاعد السلطة وأجنحة قصورها .

وإذا كان تاريخ البشرية - تحت راية الدنيا أو الدين - يروج لمجموعة من قطاع الطرق باعتبارهم فاتحين مغاوير ؛ لنجاحهم فى التكويش على أكبر عدد من البلدان لاستنزاف شعوبها ونهب ثرواتها . 
فإن زمننا المعاصر يضم قاطعي طرق جدد ، بعض منهم تخصص في زرع الفتن وإشعال النزاعات للارتزاق من جريان نزيفها وتعالي لهيبها ، والبعض الآخر تخصص فى ترويض الضواري ( الجماعات الإرهابية والمافيا الدولية ) لاستخدامها فى ساحة السيرك السياسي الأسود العالمي .

أليس ما يحدث في المنطقة العربية الآن من احتراب أهلي بمثابة دليل .

أليست داعش بدمويتها ووحشيتها وجاهليتها بمثابة دليل .

وللأسف ؛ فثمة حقيقة مؤلمة تؤكد بأنه كلما اهتز الاقتصاد العالمي وتصدعت قواعده ، كلما برزت وصعدت مدرسة ( سياسة الاوساخ ) لتقود قاطرته وتحدد مسارها .

ولهذا فإن عالمنا المعاصر بقيمه النبيلة التي تمجد حقوق الإنسان ؛ واقتصاده المتقلقل الذى تسنده سياسة الأوساخ ، هذا العالم ستؤرقه آجلاً أم عاجلاً هذه التناقضات ، لأنه لم يعد ميراث ميكافيللي صالحاً لعالم أصبحت تربطه تكنولجيا الاتصالات والمواصلات ؛ بينما تمزقه أيدلوجيا المطامع والمؤامرات .....
*****
dr.mmahfouz64@gmail.com


26 فبراير 2015

الشرطة .. بين إزدواجية الانحياز للجماهير والتعصب للمؤسسة

د. محمد محفوظ .. يكتب : الشرطة .. بين إزدواجية الانحياز للجماهير والتعصب للمؤسسة
تاريخ النشر : 14 فبراير 2015
من الواضح أن البعض لا يفهم رسائل السماء أو ربما يتجاهلها .
ﻻ يفهمها فيتعامل معها باعتبارها جواز مرور للسير في نفس الطريق القديم .
أو يتجاهلها متغافلاً عنها استهتاراً ، أو متعالياً عليها كبرياءً .
ولقد كانت عودة جسور الثقة بين جماهير المصريين وجهاز الشرطة في 30 يونيو 2013 بمثابة هدية من السماء ، اختصرت كثيراً من الوقت والجهد ؛ لرأب الشرخ الذى تكون على مدى سنوات ﻻنحياز الشرطة للنظام على حساب الشعب ؛ ولإنهاء الخصومة الثأرية التى أفرزتها أحداث ثورة 25 يناير 2011 .
ولكن للأسف ؛ فإن قوانين الواقع تثبت بأن السياق الحاكم والمناخ القائم والقواعد الراسخة أقوى من التوجهات والميول غير الرسمية ؛ حتى وإن كانت محبذة لدى القاعدة العريضة فى أى مجتمع أو أى مؤسسة ؛ أو أى جهاز كجهاز الشرطة . لأنه بينما فهمت القاعدة العريضة من ضباط وأفراد ومجندي الشرطة رسالة السماء التى كانت بمثابة هدية تتيح لهم العودة مرة أخرى لأحضان الشعب ، إلا أن السياسات الأمنية والإجراءات الشرطية لم تتغير لتواكب العهد الجديد ، فكانت مثل الحاجز العالي الذى يمنع الخروج من الدائرة القديمة الكريهة رغم صدق النوايا وحسن المقاصد .
الأمر يشبه الحالة التى يعيشها مدخن قرر مخلصاً البدء فى الإقلاع عن التدخين ، ولكن السياق المجتمعى المحيط به يسمح بالتدخين فى كل مكان ، والدائرة الاجتماعية أو الوظيفية المحيطة به لا تستهجن التدخين ، وبالتالى فإن النتيجة المحتومة هى عودة هذا الشخص إلى التدخين ، فالواقع والسياق والقواعد أقوى من التوجهات والميول والنوايا الحسنة !!
وبنفس المنطق ؛ فإن الواقع يقرر بأن الشرطة انحازت بكل شرف للجماهير فى 30 يونيو 2013 وأدارت ظهرها لنظام الإخوان الإرهابي ؛ أى أنها بدات بالفعل أولى خطوات الإقلاع عن التدخين مثل صاحبنا المدخن سالف الذكر ، ولكن رغم ذلك الانحياز فإن السياق والمناخ والسياسات والإجراءات التى تعمل فى ظلها الشرطة مازالت كما هى لم تتغير ، وبالتالى يصبح استمرارها فى انتهاج نفس ممارساتها القديمة أمراً حتمياً ، تماماً مثل ذلك المدخن العائد .
فمازال الغياب الأمني عن معظم الشوارع المصرية مستمراً ، ولا يوجد بكافة محافظات مصر حتى الآن نظام متكامل لخدمات الطوارئ يوفر انتشاراً أمنياً من خﻻل دوريات مستمرة مربوطة لاسلكياً بغرف عمليات فى حالة استنفار دائم ، بما يضمن الانتقال السريع لأماكن البلاغات للتصدى لها وضبط مرتكبيها ، أو يحقق حالة من التواجد الأمني الرادع بما يقلص من ممارسات الخروج على القانون .
ومازال الإهمال الفادح مستمراً فى مجالى الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي ، وهما المجالان المرتبطان بأعمال الناس وأموالهم وأملاكهم وأنفسهم وأعراضهم ، فمعدﻻت جرائم التعدى على النفس والمال وشيوع الرشوة والفساد والاعتداء على أملاك الدولة والمرافق العامة ؛ كلها معدﻻت مرتفعة فى مقابل تدنى معدﻻت ضبط مرتكبيها .
ومازال هناك استمرار فى المعاملة غير الودية أو العنيفة أو المهينة للمتعاملين مع أقسام وجهات الشرطة .
ومازال هناك استمرار فى الإجراءات البيروقراطية العقيمة التى تسمم على الناس حياتهم وتضيع وقتهم ؛ داخل معظم الجهات الشرطية الخاصة باستخراج تراخيص المركبات وقيادتها واستخراج وثائق الأحوال المدنية وتصاريح العمل وجوازات السفر ورخص السلاح .
ومازال هناك تسيب وفساد يمنع اﻻرتفاع بمعدﻻت تنفيذ الأحكام وضبط المحكوم عليهم الهاربين ، نتيجة الإهمال أو شيوع الرشوة والتربح بين بعض رجال الشرطة .
ومازال هناك تدنى فى مستوى المعايير الإنسانية المطبقة فى أماكن الاحتجاز وفى السجون ، وفى الأساليب والإجراءات التى تتم من خﻻلها عمليات نقل المتهمين إلى مقرات النيابات والمحاكم .
ومازال هناك ضعف فى مستوى التدريب لقوات الأمن المركزى ، بما يؤدى إلى عدم قدرتها على استعمال أساليب إحترافية غير قاتلة عند التصدي لفض الشغب أو تفريق المظاهرات أو التجمعات غير القانونية .
إذن ؛ كل هذه الممارسات السلبية المستمرة تتناقض بزاوية قدرها 180 درجة مع الصورة المبهرة المشرفة لانحياز جهاز الشرطة للجماهير فى 30 يونيو 2013 .
ولذلك سيصعب على المواطن البسيط أن يتفهم بمرور الوقت هذه الإزدواجية التى عاد بموجبها جهاز الشرطة إلى أحضان الشعب ؛ ولكنه رغم ذلك مازال كسابق عهده يهمل أو يتجاوز فى حق هذا الشعب .
سيصعب على المواطن البسيط أن يتفهم هذه الإزدواجية التى تجعل العاملين بجهاز الشرطة يبذلون أرواحهم الغالية لحماية هذا الشعب من خطر الإرهاب ؛ بينما هم أنفسهم الذين يتورط بعضهم فى إزهاق أرواح بعض أبناء هذا الشعب نتيجة الإهمال أو الرعونة أو ضعف التدريب أو الاستعلاء أو عدم الالتزام بالقانون ؛ ويتورط البعض الآخر منهم فى الصمت المشين على تجاوزات زملائهم أو إخفاء الأدلة لدرء التهمة عن مرتكبيها وتسهيل إفلاتهم من العقاب .
بالطبع من حق البسطاء أن يتحيروا ويلتبس عليهم الأمر ؛ وبالتالى ﻻ يصلوا إلا إلى النتيجة البسيطة التى مفادها : أن جهاز الشرطة مازال على سابق عهده ؛ يكافح الإرهاب ؛ ولكنه ﻻ يستطيع أن يكافح آفة مزمنة وكريهة هى : آفة التعصب للمؤسسة .
نعم ؛ آفة التعصب للمؤسسة .. تلك الآفة التى تجعل جهاز الشرطة يعانى ؛ ويعانى معه المجتمع ؛ من إزدواجية الانحياز للجماهير والتعصب للمؤسسة .
وبالطبع هذه الإزدواجية متوطنة فى كافة المؤسسات المصرية مهما تباينت مجالات عملها سواء أكانت خدمية أم امنية أم عسكرية أم قضائية أم دينية .. الخ ...
ولذلك لا يفسر مصطلح ( الدولة العميقة ) بمفهومه البغيض التركى المنشأ ؛ حقيقة العلاقة التاريخية والمعاصرة بين الدولة المصرية ومؤسساتها ؛ فالمؤسسات كانت وﻻ زالت فى خدمة الدولة حقاً ؛ ولكن ولاءها كان دائماً لنفسها ؛ ورغم أنها كانت دائماً فى خدمة الحاكم ؛ إلا أنها كانت الأقوى بحكم البقاء ؛ فالحكام زائلون والمؤسسات باقية ؛ تبنى ثقافتها وتقاليدها ؛ ليستمر الولاء فقط لثقافة المؤسسة وتقاليدها .
مصطلح الدولة العميقة بمفهومه الإيجابى فقط ؛ هو الذى ينطبق على الدولة المصرية ومؤسساتها ؛ لأن رسوخ تلك الدولة من قديم الزمن ؛ منح مؤسساتها القدرة على مد وتشبيك وتعميق جذورها .
بينما مصطلح ( ثقافة المؤسسة ) وتقاليدها بمفهومه السلبى ؛ هو الذى يصلح لوصف ما تلاقيه أى محاولة للإصلاح فى مؤسسات مصر من معارضة وممانعة .
لذلك ستبقى ثقافة المؤسسة هى الفيروس الكامن داخل كل مؤسسات الدولة المصرية - بدون استثناء - الذي يضعف مناعتها ويجعلها تسقط في فخ التعصب للمؤسسة .
أليس الأزهر كمؤسسة مثالاً واضحاً للممانعة التى تلاقيها أى دعوة للتغيير تحت وطأة الانسياق لآفة التعصب للمؤسسة بثقافتها وتقاليدها ، بما يوفر الحماية ويضفي القدسية على مجموعة من النصوص البشرية المسيئة للدين والمتجرأة على القيم السامية والغايات النبيلة .
أستطيع أن أزعم إننى أعلم بحكم خلفيتى الوظيفية الشرطية المأزق الإنسانى والأخﻻقى الضاغط على القاعدة العريضة من ضباط وأفراد الشرطة ، فرغم أن التجاوزات التى يتعرض لها المواطنون تقوم بها فئة من ضمن هذه القاعدة العريضة ذاتها ، إﻻ أن المسئول الحقيقي عن استمرار تلك التجاوزات هى السياسات الأمنية المتكلسة والإجراءات الشرطية العقيمة التى يحافظ من بيدهم الأمر على استمرارها ؛ نظراً لاستسلامهم لممارسة دور الكهنة فى معبد التعصب للمؤسسة بثقافتها وتقاليدها .
وبالتالى ؛ ستظل القاعدة العريضة من ضباط وأفراد الشرطة مثل التروس فى جهاز خربان ﻻ تخرج منه إﻻ خدمة أمنية غير مطابقة للمواصفات ؛ رغم الدماء الشريفة التى سالت ومازالت تسيل من أجل الانحياز للشعب ومن أجل حماية كل المجتمع من الإرهاب ..
وهكذا تؤدى آفة التعصب للمؤسسة إلى عدم القدرة على استثمار الثقة التى اكتسبتها أجهزة الأمن نتيجة انحيازها للجماهير ؛ ومن ثم تفويت الفرصة على عملية إصلاح وتطوير الأجهزة الأمنية بأقل كلفة ممكنة . كما تؤدى إلى انغلاق المؤسسة الأمنية على ذاتها ؛ ومن ثم دفع المجتمع للتعامل معها - حتى رغم استمرارها فى دفع فاتورة الدم لاستئصال الإرهاب - باعتبارها طائفة أو إقطاعية مسكونة بآفة التعصب لثقافتها وتقاليدها وقياداتها وضباطها وأفرادها ؛ والطرمخة إن لزم الأمر على انتهاكاتهم وتجاوزاتهم بدلا من كشفها ومواجهتها .
قد تكون ( آفة حارتنا النسيان ) كما قال الراحل الملهم : نجيب محفوظ .
ولكن يبدو أن النسيان مجرد نتيجة لأسباب متعددة ، واحد منها اسمه : التعصب للمؤسسة .
 *****
dr.mmahfouz64@gmail.com

مذبحة شارلى إبدو .. القلم فى مواجهة البندقية ( البديهيات المفقودة في الثقافة الإسلامية المتحجرة )

‏دكتور محمد محفوظ ..‏ يكتب : ‏مذبحة شارلى إبدو .. القلم فى مواجهة البندقية ( البديهيات المفقودة في الثقافة الإسلامية المتحجرة )
تاريخ النشر : 10 يناير 2015
هذا موضوع قديم كتبت عنه لأكثر من مرة على فترات زمنية متفاوتة ، وكانت البداية فى عام 2008 إبان أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام ؛ ثم كررت كتابته عدة مرات مع أزمات متشابهة وقعت فى بعض دول أوربا أو أمريكا أو داخل مصر .
ونظراً لأنه لا يوجد أى جديد تحت الشمس فى الثقافة الإسلامية المتحجرة منذ ما يزيد عن عشرة قرون . لذلك ﻻ ضير من إعادة الكتابة مرة أخرى تعليقاً على مذبحة صحيفة شارلي إبدو التى راح ضحيتها 12 فرنسياً ؛ معظمهم من الصحفيين فى الصحيفة المشار إليها والتى اعتادت نشر رسوم مسيئة أو ساخرة من الرموز الدينية لكافة الديانات سواء أكانت المسيحية أم اليهودية أم الإسلام .
ولعل المبرر لإعادة الكتابة فى ذات الموضوع ؛ يتمثل فى إنه رغم الإدانة الواضحة للمذبحة الخسيسة ووصف مرتكبيها بالإرهابيين الخارجين عن صحيح الدين من معظم المثقفين أو رجال الدين المصريين أو العرب أو الفرنسيين المسلمين ؛ إﻻ أن هناك نوع من الاستدراك الذى يضيفه معظمهم عند إدانة الحادث يتمثل فى وصف جريدة شارلى إبدو بأنها مستفزة ومعادية للإسلام ومتجرئة على المقدسات ، وأن هذا النوع من الصحافة ينبغى أﻻ يتمتع بحرية التعبير التى ينبغى أن تتمتع بها وسائل الإعﻻم فى مجتمع ديموقراطى ؛ باعتبار أن الاساءة للأديان والرموز الدينية ﻻ تدخل تحت بند الحرية المكفولة للتعبير .
ولهذا يبدو الغضب في البلدان الإسلامية أو الثقافة اﻻسلامية إزاء بعض الممارسات الرمزية المتكررة للإساءة للأديان والرموز الدينية بصفة عامة ؛ أو للإسلام أو الرموز الإسلامية بصفة خاصة ، بمثابة نموذج مكرر سابق التجهيز يتصادم مع البديهيات التى باتت مستقرة فى الدول الديمقراطية ؛ ولكنها مازالت مفقودة في هذه المنطقة من العالم أو غائبة عن عقول أبنائها أينما استقروا فى أى من بقاع هذا العالم . الأمر الذى يؤدى إلى حتمية الصدام المتكرر سواء سلمياً أو باستخدام العنف مع الممارسات الغربية الاعتيادية في مجال البديهيات المقررة لاحترام حرية التعبير ؛ انطلاقا من ميراث الاستبداد الذي تربت عليه شعوب المنطقة ومنطق العنف الذى تفيض به كتب التراث المتحجر ، مما أهدر الكثير من القدرة على استيعاب وفهم تلك الممارسات في إطارها الصحيح ومعناها الحقيقي .
وتوجه مذبحة شارلى إبدو أنظارنا إلى أربعة تساؤلات .. ربما تؤدى الإجابة عليها إلى إزالة اللبس المطروح على الساحة ، ذلك اللبس الذى يسمح لمعظم المعتدلين بالقبول باستئصال شارلي إبدو وأمثالها من الساحة الإعلامية قانونياً ؛ بينما يدفع بعض المتطرفين الإرهابيين إلى المبادرة باستئصالها بصحفييها من الوجود دموياً .
وتتمثل هذه التساؤلات الأربعة فى الآتى :
السؤال الأول : هل حرية التعبير يتم منحها للتعبير الإنساني ذاته ، أم إلى الأفراد ؟
ويثور هذا التساؤل لأن مصطلح حرية التعبير يفتقر إلى الدقة الاصطلاحية ، نظراً لأن معناه المستقى من تركيبته اللغوية ، يجعل الذهن ينصرف إلى أن الحرية هنا تتعلق بالتعبير ذاته ، بينما هى تتعلق بالأفراد الذين يمارسون هذا التعبير . فالمادة التعبيرية تتكون من رموز تتشكل في صوت مسموع وصور مرئية أو مطبوعة ، إلى آخر الأشكال المتعددة لصياغة الرموز التعبيرية للإنسان . وبالتالي فهى مجرد رموز فاقدة للحياة ولا يمكن أن تتمتع بأي حرية ، وإنما تنصرف الحرية إلى الفرد ذاته الذي يتولى توليد هذه الرموز وصياغتها وتوصيلها للآخرين . وبالتالي يصبح التركيب اللغوي الصحيح للمصطلح هو : حرية الأفراد في التعبير . ونظراً لأن الأفراد مختلفين بحكم المنطق والواقع والضرورة ، فإن المجادلة بأن حريتهم في التعبير مصونة في كافة المجالات باستثناء الأمور الدينية ، هى مجادلة غير صحيحة . لأنها تتناسى بأن هناك أفراد غير مؤمنين بالأديان بصفة عامة أو ببعض الأديان بصفة خاصة ، وبالتالي سيتم الحجر على حقهم في الجهر بآرائهم اللادينية لو تم استثناء القضايا الدينية من دائرة حرية الأفراد في التعبير .
ولعل هذا يزيل اللبس ، ويوضح بأن الغرب عندما يسمح بالإساءة إلى الأديان أو إلى الرموز الدينية ، فإنه ينطلق في ذلك من مبدأ هام ؛ مفاده : أن كافة الأفراد متساوين أمام القانون والدستور ، ولا يجوز حرمان أية طائفة من حق ممنوح بالضرورة لباقي الطوائف الأخرى ، وبالتالي لا يمكن فتح الساحة للمؤمنين بمفردهم للتعبير عن توجهاتهم الدينية ، وإغلاقها أمام غير المؤمنين بالديانات عموماً أو بدين معين للتعبير عن توجهاتهم غير الدينية . و لعل هذه هى البديهية الأولى الغائبة عن الثقافة الإسلامية المتحجرة .
السؤال الثاني : هل حدود حرية الفرد في التعبير تتوقف عند حدود حرية الآخرين في التعبير ؟
يجادل الكثير من المتحدثين بمقولة سائدة تقرر بأن حرية كل فرد ينبغى أن تتوقف عند حدود حريات الآخرين . وللأسف فإن هذه المقولة ليست صحيحة على إطلاقها ؛ باعتبار أن الحرية المادية فقط التى تدخل فى نطاق الأفعال هى التى ينبغى أن تتوقف عند حدود الحريات المادية للآخرين ؛ بعكس حرية التعبير التى هى بطبيعتها حرية غير مادية ( حرية رمزية ) لأن مادتها الوحيدة تتمثل في الرموز . ومن ثم فإنه بينما يستحيل على الحرية المادية للفرد أن تتقاطع مع الحريات المادية للآخرين ، باعتبار أن هذا التقاطع سيؤدى بالضرورة إلى التصادم بحكم طبيعتها المادية ( فلا يمكن الانطلاق بالسيارة في شارع مكتظ بالمشاة لأن هذا يعنى بالضرورة الاصطدام بهم ) ، بينما على العكس تماماً فإن الحريات الرمزية يمكن أن تتقاطع ( حيث يمكن للفرد المجاهرة بآراء تتعارض تماماً مع آراء البشر جميعاً ، وهذه الآراء لن تتصادم بحيث يدفع بعضها الآخر ) . بما يوضح بأن النطاق الرمزي لحرية الأفراد في التعبير يجعل مجالات ممارسة هذه الحرية لا تتدافع أو تتصادم ، لأنها تتشكل في دوائر رمزية يمكنها أن تتداخل وتتقاطع مع بعضها البعض . وبالتالي لا يمكن الاحتجاج بأن حرية الفرد في التعبير تقف عند حدود حرية الآخرين في التعبير ، لأن نطاق هذه الحرية هو نطاق رمزي غير محدود .
ولهذا فإن الغرب عندما يسمح بالإساءة إلى الأديان أو إلى الرموز الدينية ، فهو ينطلق من مبدأ هام ؛ مفاده : أن الحريات الرمزية يمكنها أن تتقاطع وتتداخل ولا تتصادم مع بعضها البعض نظراً لطبيعتها الرمزية ، بخلاف الحريات المادية التي لا يمكنها أن تتقاطع أو تتداخل وإنما تتصادم بحكم طبيعتها المادية . ولعل هذه هى البديهية الثانية الغائبة عن الثقافة الإسلامية المتحجرة .
السؤال الثالث : هل من المشروع استخدام الفعل المادي للرد على التعبير الإنساني ؟
يقرر المنطق الفطري والقانوني بأن قيام فرد برش آخر بالماء ، لا يبرر للآخر الرد عليه بإطلاق الرصاص ، وذلك رغم وقوع الفعلين في دائرة الأفعال المادية . ولعل ذلك يتحدد وفقاً لقاعدة هامة ؛ مفادها : أن رد الفعل يجب أن يتناسب مع الفعل ، وإلا أصبحت المبالغة في رد الفعل خروجاً عن المألوف . ولكن ما بالنا لو كان رد الفعل المادي بمثابة رد على التعبير الرمزي . لاشك بأن عدم التناسب يصبح صارخاً ، نظراً لاختلاف المجال المادي لرد الفعل عن المجال الرمزي للتعبير الإنساني . ولنا في آيات القران أسوة حسنة ، إذ يقول سبحانه وتعالى في قرآن يُتلى على أسماعنا صباح مساء ( .. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم .. ) ( البقرة / 194 ) . بما يعنى أنه إذا كان العدوان رمزياً ولا يدخل في دائرة الأفعال المادية ، فإن الرد عليه ينبغي أن يظل محصوراً في دائرته الرمزية ، ولا يتطور إلى الأفعال المادية . وإلا أصبح هذا العدوان غير مبرر ولا يتناسب مع منطق الشرع والتوجيه الإلهي ، الذي وإن أباح الرد على العدوان بما يتناسب معه ( .. والعين بالعين.. ) ( المائدة / 45 ) ، إلا أنه وجه بالمثل إلى فضل العفو والغفران ( .. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) ( آل عمران / 134 ) ، ( .. وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم .. ) ( النور / 22 ) . وهكذا تتضح عدم مشروعية استخدام الفعل المادي للرد على التعبير الإنساني سواء من ناحية المنطق أو القانون أو الدين . ولعل هذه هى البديهية الثالثة التي يفهمها الغرب ، بما يجعله يطبق تعاليم ديننا أفضل منا .
السؤال الرابع : و هو سؤال أتصور أن يُطرح في ظل الذهنية المترتبة على ثوابت الثقافة الاسلامية المتحجرة .. و السؤال هو :
هل كاتب المقال يؤيد الإساءة للأديان والرموز الدينية ؟
والإجابة هى : إن كاتب المقال لا يؤيد الإساءة للأديان والرموز الدينية.
و لكن .. ما أهون الإساءة الرمزية التي يتم اتهام الغرب بها ، قياساً بالإساءة الفعلية والعملية التي يمارسها كل يوم أتباع الإسلام من المسلمين . ألا تتم الإساءة للإسلام بمظاهر الفوضى والإهمال والتسيب , ، ألا تتم الإساءة للإسلام بتدني أخلاقيات معاملات المسلمين مع بعضهم بعض التي يحكمها الجشع والطمع والاجتراء على الأموال والأعراض وانعدام الضمير ، ألا تتم الإساءة للإسلام بمظاهر الخنوع وانعدام الكرامة والسلبية وخشية بأس السلطة أكثر من خشية الله ، ألا تتم الإساءة للإسلام باحتقار العلم والإيمان بالخرافات ، ألا تتم الإساءة للإسلام بتأييد القتل وسفك دماء الأبرياء تحت راية ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) .. أليست داعش ربيبة القاعدة والممثل العسكرى لمشروع جماعة الإخوان الإرهابية ؛ أليست نموذجاً لإلحاق العار بكل ما هو إسلامى .
وبالتالي .. عندما يرى الغرب أن أتباع الإسلام هم أول من يسيئوا إليه ، ألن يغرى ذلك بعض المتطرفين أو غير المؤمنين بالإسلام كديانة أو غير المؤمنين بالديانات أساساً على الاستناد إلى مادة دسمة تغرى على السخرية والاستهزاء والإساءة لذلك الدين ورموزه .
لهذا .. على كل الغاضبين من الإساءة إلى الأديان والرموز الدينية بصفة عامة ، أو الإساءة للإسلام والرموز الإسلامية بصفة خاصة ، أن يوجهوا غضبهم المادي إلى الإساءة الحقيقية التى تتمثل فى الإساءة الفعلية والعملية وليس الإساءة الرمزية ، وأن يحاسبوا أنفسهم على ( أفعالهم ) المسيئة للإسلام قبل أن يحاسبوا الآخرين على ( أقوالهم ) . ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) ( البقرة - 44 ) ، ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ) ( الكهف - 103 / 104)
و أخيراً ؛ فإن الغرب عندما يسمح ( على مضض ) بالإساءة الرمزية إلى الأديان أو الرموز الدينية ، فإنه يسمح بها من أجل غاية سامية ، وهى حماية حرية الإنسان في التعبير ، تلك الحرية التي يؤدى ترسخها في أى مجتمع إلى تداول الأفكار وتربية الناس على احترام قيم الاختيار والحوار والنقاش ، ومن ثم تتقدم المجتمعات ويقوم الناس بدورهم في إصلاح الأرض وإعمارها .
أما الذين يمارسون الإساءة الفعلية والعملية إلى الأديان ، من خلال عدم الالتزام بجوهر تعاليمها ، فما هى الغاية السامية التي تقف وراء أفعالهم إلا غياب الإيمان ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم .. ) ( الحجرات - 14 ) .
وتأكيداً على ما سبق .. فإن كاتب المقال لا يؤيد الإساءة إلى الأديان ورموزها بصفة عامة أو الإسلام ورموزه بصفة خاصة ، ولكنه يجد نفسه مضطراً إلى التعايش معها على مضض ، في سبيل احترام حرية التعبير وحرية الاعتقاد التي نص عليها القرآن الكريم ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ( يونس - 99 ) . و هذا التعايش مع هذه الإساءة لا يمنع من الرد عليها بنفس أدواتها الرمزية ، بحيث يظل الرد في نطاقه الرمزي ولا يتطور إلى المجال المادي . وأحسب بأن المسلمين لو أرادوا الرد المادى ، فعليهم أن يشنوا الحرب الفكرية والعلمية على منظومة الثقافة الإسلامية المتحجرة والمتكلسة منذ مئات السنين داخل الكتب الصفراء التى للأسف مازالت هى العامود الفقرى لدراسة علوم الدين فى الأزهر الشريف ، كما أنها تمثل القاعدة الفقهية التى تعتمد عليها الجماعات المتطرفة باعتبارها المستودع الذى ﻻ ينضب للعنف والتشدد والتزمت واستحلال الدماء والأموال والأعراض ، والترويج لأيدلوجية إسلامية سياسية أممية تناصب كل العالم العداء من أجل إقامة دولة الخلافة الإسلامية المزعومة .
وربما يرى مقدسو الثقافة الإسلامية المتحجرة ، بأننى ككاتب لهذا المقال أناقض نفسى عندما أجادل بأن حرية التعبير تسمح بالإساءة للأديان ورموزها ، بينما أدعو فى ذات الوقت لشن حرب على ما أصفه بالثقافة الإسلامية المتحجرة ، بما يجعلنى مناهضاً لحق هذه الثقافة حتى لو كانت متحجرة فى اﻻستفادة من الحرية التى ينبغى أن تكون مكفولة للتعبير فى مجتمع ديمقراطى .
وردى على ذلك وبكل بساطة هو : إننى بكل تاكيد ﻻ أناقض نفسى ؛ لأن التعبير الإنسانى الرمزى يظل متمتعاً بمجال الحماية المقرر له لو ظل فقط فى نطاقه الرمزى ؛ ولكن فى حال ارتباطه بأى أفعال مادية ضارة بالأشخاص أو الممتلكات تكون بمثابة تطبيق عملى للأفكار التى يدعو إليها ؛ فإنه يفقد هذه الحماية باعتباره يصبح محرضاً أو مشاركاً فى تلك الأضرار .
وفى هذا الإطار يمكن تفسير سبب تجريم معاداة السامية أو الترويج لكراهيتها فى أوربا ؛ باعتبار أن هذه الدعوة أدت خلال الحرب العالمية الثانية إلى الإبادة العرقية لجماعات غفيرة من اليهود على يد النازيين الألمان بما نزع عن هذه الدعوة بكل منطلقاتها الفكرية أى حماية مقررة لحرية التعبير ﻻرتباطها بأفعال مادية دموية تسببت فى ارتكاب مذابح لطائفة دينية بعينها .
...........
كانت هذه بعض من البديهيات المفقودة في الثقافة الإسلامية المتحجرة ، التي مازالت تغذى شعوبها ليل نهار على ثقافة التعصب والكراهية والغل الأسود القابعة داخل كتب التراث الصفراء التى أصبحت تمثل ديناً موازياً يناصب الإسلام الصحيح العداء .
وبالتالى حان الوقت لتطهير الثقافة الإسلامية من ذلك الدنس الفكرى الذى أفرز تيار الإسلام السياسى الخارج عن صحيح الدين والحامل للواء الحرب الجهادية ضد كل العالم ، انطلاقاً من عاهات فقهية يمكن تصنيفها تحت بند العلوم الزائفة أو العلوم المنقرضة ، ورغم ذلك يتم الاحتفاء بها تحت وطأة العصبيات القومية والدينية من أجل الانتصار لكل موروث الحضارة العربية الإسلامية دون تمحيص أو تدقيق حتى لو كان سماً مدسوساً داخل المعانى والأفكار .
... لعله من المؤكد أنه عندما يواجه القلم الرصاصة .. فسوف تنتصر البندقية .
ولكن لو استطاع القلم المتجدد غير المتحجر فرض منطقه على الرصاصة .. فحتماً ستنهزم البندقية .
*****