13 أغسطس 2014

تعالى على حِجر عمو

تعالى على حِجر عمو

تاريخ النشر : 3 يونيو 2012 

دكتور/  محمد محفوظ

الغباء هو أن تكرر عملاً فاشلاً بنفس الخطوات وتنتظر نتيجة مغايرة
( أينشتاين )

إذا كان " الفشل السياسى " هو العنوان الأبرز لكل ممارسات القوى السياسية الثورية فى مصر ؛ منذ 11 فبراير 2011م وحتى الآن . إلا أن " الغباء السياسى " ربما يكون هو التطور الطبيعى للحاجة الفاشلة ؛ مع الاعتذار لشويبس .
فسلسلة الفشل المتصاعدة لم تعد قاصرة فقط على تكبيل الاقدام ؛ بل بدأت تلتف حول العقول . وأصبح المنطق البسيط الذى قد يحتكم إليه رجل الشارع العادى ؛ هو المنطق المعتمد لدى طائفة كبيرة من القوى الثورية ؛ التى أعمتها كراهية النظام السابق عن تذكر سبب قيام الثورة أصلاً ؛ فتناست أن الثورة لم تقم فقط لإسقاط مبارك ؛ وإلا لو كان هذا هو سبب قيام الثورة ؛ فقد سقط مبارك وخلاص باى باى . كما أن الثورة لم تقم فقط لإسقاط نظام مبارك ؛ وإلا فإن حلول أى نظام آخر مهما كان أسوأ من النظام السابق يعنى انتصار الثورة .
الثورة ـ يا إخوتى الثوار ـ قامت من أجل بناء نظام ديموقراطى ؛ لذلك ينبغى ألا تعمينا كراهية النظام السابق عن تذكر هذه الحقيقة . وبالطبع لن يمكننا وضع طوبة واحدة فى هذا البناء الديموقراطى لو تم تركيز السلطة فى يد تيار واحد أو فصيل واحد ؛ حتى لو كان يتحدث باسم الدين ؛ لأن حقائق التاريخ تثبت أن أى سلطة ترتكب أخطاء أثناء ممارستها لعملها ؛ وعدم وجود فصيل آخر منافس لها فى أحد أبنية السلطة سيؤدى إلى الطرمخة والتستر على هذه الأخطاء ؛ وكلما تراكمت هذه الأخطاء دون محاسبة أو عقاب أو مراجعة ؛ كلما ارتفعت وأصبحت حاجزاً بين الناس والقائمين على السلطة ؛ وحينئذ يبدأ النظام فى الانفصال عن الشعب .
وهذا هو بالضبط ما حدث مع النظام السابق ؛ الذى لم يكن رموزه ورجاله من الشياطين بالوراثة ؛ وإنما صاروا شياطيناً بالممارسة لغياب الشفافية وانعدام المحاسبة .
وربما يجادل البعض ؛ بأن الكثير من الدول الديموقراطية يتولى مقاليد كل السلطات فيها ـ من حين إلى آخر ـ فصيل سياسى واحد أو حزب واحد ؛ ولا ينتقص هذا من ديموقراطيتها شيئاً .
ونرد على ذلك بأنها دول ديموقراطية أصلاً ؛ ترسخت فيها أسس وقواعد الديموقراطية وحكم المؤسسات واحترام حقوق الأقليات والفصل بين السلطات وسيادة القانون والتدول السلمى للسلطة ؛ ولذلك لم يعد من الخطورة بمكان أن يتولى الحكم فيها تياراً واحداً . ولكن فى حالتنا المصرية فنحن مازلنا لم نضع طوبة واحدة فى بناء الديموقراطية ؛ والتمكين لفصيل واحد لكى يحتكر كل السلطات سيؤدى بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد والدكتاتورية مرة أخرى .
لذلك ؛ فإن حصن الأمان يتمثل فى الاتجاه نحو الطريق الذى يتيح لنا تقسيم السلطة ؛ وتوزيعها بين فصيلين ؛ حتى وإن كان كل منهما أسوأ من الآخر .
وبالتالى ؛ ينبغى علينا طالما تم وضعنا فى خانة اليك ؛ أن نعلم بأن الاختيار الأصوب يتمثل فى قطع الطريق على أى فرصة لإعادة احتكار السلطة فى مصر فى يد فصيل واحد ؛ حتى لا يتم اعادة إنتاج نظام البطش والاستبداد .
وعلينا أيضاً أن نعلم بأن نظام البطش أو الاستبداد لا يحتاج من أجل إقامته لأفراد أو أشخاص أو رموز بعينهاً ؛ وإنما هو " حالة " تقوم فى أساسها على احتكار كل السلطات فى يد واحدة ؛ بما يمنع من أى محاسبة أو مراقبة ؛ فتتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى خطايا ؛ ثم يحدث السقوط المريع أو الانفجار المروع ؛ ويدفع الجميع الثمن فادحاً .
الصورة واضحة بالنسبة لى تماماً ؛ وليست ملتبسة ؛ وتستمد هذا الوضوح من عدم تسممها بنوازع الكراهية التى تشوه الإدراك السليم ؛ وتجعل الرؤية عاطفية أكثر منها عقلانية .
يرى البعض من الثوار ؛ أن ثوريتهم تمنعهم من التفكير ـ مجرد التفكير ـ فى التصويت لأحمد شفيق ؛ لأن كراهية النظام السابق ودماء الشهداء تجعل بينهم وبينه ثأراً مطلوبا ودماً مهدوراً . وبالتالى يهديهم تفكيرهم ؛ من أجل الانتقام للدماء التى سالت ومن أجل قطع الطريق على أى عودة للنظام السابق ؛ إلى الجلوس بكل ارتياح على حِجر " عمو : مرسى " .
بينما يضيف البعض الآخر ـ إلى ما سبق ـ المخازى التى ارتكبها " الإخوان " فى حق الثورة ؛ من أجل رغبتهم الشبقية المريضة فى الوصول للسلطة إلى حد التواطؤ مع المجلس العسكرى ؛ ومن ثم يجد هؤلاء أنه من المحرم عليهم ثورياً الجلوس على حِجر " عمو : مرسى " .. أو حِجر " عمو : شفيق " .
والواقع ؛ أن الثوار لتناسيهم للسبب الذى قامت من أجله الثورة ؛ فقد راحوا يبحثون عن الحِجر الذى يجلسون عليه ؛ بينما استذكار السبب الذى قامت من أجله الثورة ؛ هو الذى يجعل حِجرهم هم فقط هو المؤهل لكى يجلس الآخرين عليه .
لذلك ؛ أشعر بالأسى عندما أرى البعض يلهث لإعداد وثائق وضمانات وتعهدات ومبادرات لطرحها على مرسى أو شفيق ؛ تمهيداً للتصويت لمن يتعهد بأكبر قدرٍ منها . وكأن هؤلاء نسوا أن كلا المرشحين لا عهد لهما ؛ فمن قامت الثورة ضد فساد نظامه لا عهد له ؛ ومن أدار ظهره إلى الثورة لانتهازيته لا عهد له أيضاً . فعن أى شئ تتعاهدون إذا كان المتعهد لا عهد له .
ولعل أكثر ما أدهشنى ؛ مبادرة الإخوان لتشكيل حكومة ائتلافية بقيادة الدكتور البرادعى ؛ ياسلام .. البرادعى أصله بيرضع من البزازة ؛ عشان يقبل يتم تعيينه رئيس حكومة ائتلافية فى ظل رئيس إخوانى وبرلمان إسلامى ؛ وبعد شهر ولا اتنين يتم فبركة أزمة تؤدى لإقالة الحكومة ؛ وأهلاً وسهلا بالحكومة غير الائتلافية الإخوانية والهيمنة الكاملة على كل السلطات ؛ وباى باى الحكومة الائتلافية ؛ لأن المُحَلل فى الغالب بيبقى مجرد  كوبرى يتعدى عليه ؛ ويتقال له باى باى بعد استنفاذ الغرض منه .
كفاية بقى هرتلة وتهييس وكلام خايب مدهون بالزبدة اللى حتسيح مع أول طلعة شمس .
الأمر واضح بالنسبة لى ؛ فليس الأمر قائماً على البرامج أو التعهدات أو مدى الابتعاد أو الاقتراب من النظام السابق أو حتى من الثورة ؛ الأمر بالنسبة لى يشبه المثال التالى :
تم أسر شخص والحكم عليه بأن يتم حبسه داخل قفص للحيوانات المفترسة ؛ ولكنهم خيروه بين أن يوضع معه فى القفص حيوان مفترس واحد أو حيوانان مفترسان . فإن اختار هذا الشخص الحيوان المفترس الواحد فهو مأكول لا محالة ؛ أما إذا تأنى وأدار الأمر داخل رأسه ؛ فإنه سيكتشف أن وجوده مع حيوانين مفترسين داخل القفص قد يوفر له فرصة للنجاة ؛ لأن هناك احتمال كبير بأن يحاول كل حيوان القضاء على الآخر حتى يستأثر بمفرده بالفريسة ؛ وهذا الصراع بينهما قد يؤدى إلى إضعاف كليهما ؛ أو يؤدى إلى خروج أحدهما من الصراع واهن القوى بعد قضائه على الآخر فيسهل القضاء عليه ؛ أو أن ينتهى الصراع بموت كليهما .
هكذا أرى الأمر ـ لا سحر ولا شعوذة ـ ولكنه حسابات وموازين قوى ؛ لأنه طالما تم وضع الثورة بين خصمين ـ خصمين لبعضهما البعض وخصمين للثورة ـ فمن الأفضل أن نختار الطريق الذى يسمح بصراعهما ؛ وليس الطريق الذى يسمح بتمكين وهيمنة أحدهما دون الآخر .
وفى تقديرى ؛ أن تقسيم السلطة فى مصر بين خصمين ؛ هو الذى سيعطى الفرصة للثورة لكى تجد مساحة زمنية تمارس فيها فرصة بناء " الكيان السياسى " الجامع للقوى الثورية ؛ وفرصة صياغة " البرنامج السياسى " المترجم لأهداف الثورة ؛ بما يسمح للتيار الثورى بأن يتعامل مع فترة الـ 4 سنوات القادمة باعتبارها الفترة الانتقالية الحقيقية . لأنه وإن كان البعض يعتقد بأن الفترة الانتقالية ستنتهى يوم 30 / 6 / 2012م ؛ إلا أن الواقع سيقرر لو تم تقسيم السلطة فى مصر بين تيارين ـ أحدهما فى الرئاسة والآخر فى الحكومة والبرلمان ـ بأن الفترة الانتقالية الحقيقية ستبدأ يوم 1 / 7 / 2012م .
إذن ؛ ينبغى علينا أن نختار تقسيم السلطة فى مصر ما بعد الثورة ؛ لأن الوقائع والحقائق على الأرض تؤكد بأن الثورة المصرية فقدت جزءً كبيراً من قوة دفعها الهادرة التى بدأت بها ؛ ومن ثم أصبح واضحاً أنه لن يمكنها تحقيق نتائج سريعة وفورية . فحقائق الحاضر تؤكد بأن الثورة المصرية ـ بقوة دفعها الواهنة الحالية ـ لن تحقق نتائجها إلا على المدى الزمنى الطويل وليس القصير ؛ ولكن بشرط أن تتوفر المساحة الزمنية لاستعادة قوة الدفع الثورية ؛ وكل هذا لن يمكن تحقيقه لو هيمن تيار واحد على السلطة فى مصر .
الأمر إذن واضح ؛ لن نجلس على حِجر " عمو : مرسى " ؛ فنعطى السلطة لتيار واحد ليبنى نظاماً أسوأ من النظام السابق . ولن نجلس على حِجر " عمو : شفيق " أو نتفاوض معه أو نحصل منه على التعهدات ؛ لأن دماء الشهداء وأموال المصريين وصحتهم وكرامتهم بيننا وبينه . ولكننا سنقول لكليهما : تعالى على حِجر عمو يا بوز الإخص ؛ فنفتح الطريق لتقاسم السلطة بينهما .
الأمر واضح بالنسبة لى ؛ سأستبعد " مرسى " ؛ لفتح الطريق نحو ما يؤدى إلى تقسيم السلطة لأول مرة فى مصر .
أما من سيقبلون دعوة " مرسى " ويجلسوا على حِجر عمووو ؛ فعليهم أن يتعظوا من كل أخطاءهم السابقة ؛ والا فإنها فى هذه المرة ستتحول إلى خطايا .
فأول أخطاءهم كانت عندما قبلوا الجلوس على حِجر المجلس العسكرى وبدأوا فى ترديد المقولة البائسة : الجيش والشعب إيد واحدة ؛ وعندما بدأ البعض منا يشكك فى نوايا المجلس العسكرى ؛ كالوا لنا الاتهامات بأننا نريد هدم المؤسسة العسكرية .
وهاهم الآن يشرعون فى السير فى طريق آخر أخطاءهم ؛ عندما يروجون للجلوس فى حِجر الإخوان وبدأوا يهتفون : الإخوان والثورة إيد واحدة .
يا إخوانا ؛ اتعلموا من أخطائكم ؛ لأن الغباء كما قال أينشتاين : أن تكرروا نفس العمل الفاشل بنفس الخطوات وتنتظروا نتيجة مغايرة .
وبالتالى ؛ إحنا اللى ناخد الاتنين على حِجرنا ؛ ونخليهم يتخانقوا مع بعض ؛ أو يتفقوا مع بعض فيكتشف الشعب إن ما فيش فرق بينهم ؛ أو يخلّص واحد منهم على التانى ونستفرد باللى فاضل وهو دايخ ونخلّص عليه . أو هما الاتنين يخلّصوا على بعض وربنا يريحنا منهم شيلة واحدة .
حِجر عمووو يا إخوانا سواء كان بدقن أو ببندقية ؛ ما يتقعدش عليه لأن به شئ مدبب ؛ وغير صالح إلا لحاجة واحدة !!!
لذلك .. أفيقوا من نوبة الغباء السياسى ؛ واحشدوا الناس لاستبعاد المرشح الذى سيؤدى استبعاده إلى تقسيم السلطة فى مصر ؛ وعدم هيمنة فصيل واحد عليها .

*****
دكتور/  محمد محفوظ
dr.mmahfouz64@gmail.com

   
 


    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق