07 أغسطس 2014

مازالت هناك فى طرة زنازين خالية

مازالت هناك فى طرة زنازين خالية

تاريخ النشر : 14 أكتوبر 2011

بقلم دكتور / محمد محفوظ


أرى رؤوساً أينعت وحان قطافها
[ الحجاج بن يوسف الثقفى ]

المشرحة مش ناقصة قـُـتـلة .. رغم أن هذا المثل الشعبى معلوم لكافة المصريين ؛ خصوصاً وأن دماء من قـُـتلوا غدراً وجبروتاً وظلماً طوال أيام الثورة لم تجف بعد ؛ ولم يصدر حتى الآن أى حكم قضائى على قاتليهم ؛ اللهم إلا أحكام غيابية بالإعدام على فرد شرطة أو فردين مازالا هاربين ؛ رغم هذا .. فإن بعض من يحكمونا ابتلاهم الشيطان ببطء الفهم أو ربما بعدم الفهم على الاطلاق .
فالمشرحة التى سبق وأن امتلأت بشباب تم اغتيالهم فى عمر الزهور ؛ لم تعد قادرة على أن تتقبل ذلك بعد اليوم . وكل مواطن شريف فى هذا البلد لم يعد قادراً على لجم الغضب والسخط والانفجار فى مواجهة هذا النوع المريع الشنيع من وجع القلب .
وتبدو المشاهد المروعة التى ملأت الشاشات يوم 9 أكتوبر الأسود خلال مجزرة ماسبيرو ؛ وأدت إلى قتل 25 وإصابة 329مصرياً دهساً بالمدرعات ورمياً بالرصاص ؛ تبدو إعادة متطابقة دموياً مع مشاهد يوم 28 يناير . مما يؤكد الاقتناع بأنه رغم أن اليومين يفصل بينهما 8 شهور ؛ إلا أن الإجرام واحد والاستهانة بأرواح الناس واحدة . وبالتالى ينبغى أن يكون القصاص هو الآخر واحداً . فكما تتم محاكمة مبارك والعادلى وقيادات الداخلية وقيادات الوطنى بجناية قتل المتظاهرين ؛ ينبغى محاكمة المسئولين عن مذبحة ماسبيرو بجناية قتل المتظاهرين. ولأن أبسط قواعد العدالة تنص على أن الخصم لا يمكن أن يكون هو الحكم ؛ فإن إضطلاع النيابة العسكرية بالتحقيق فى ملابسات الأحداث يمثل إهانة لدماء الشهداء والمصابين وأهاليهم ؛ لأن القيادات العسكرية العليا والوسطى والميدانية المسئولة عن تأمين مبنى ماسبيرو والمنطقة المحيطة به ؛ والمسئولة عن تحرك القوات العسكرية فى هذا اليوم ؛ والمسئولة عن إصدار الأوامر بالتصدى للمتظاهرين بالدهس أو إطلاق النار ؛ أو المسئولة عن عدم التدخل لمنع ذلك ؛ ينبغى أن يتم إحالتهم جميعاً إلى التحقيق أمام مدعى عام مستقل غير تابع للنائب العام وغير قابل للعزل طوال مراحل التحقيق . على أن يصدر قرار تعيين هذا المدعى العام المستقل بموجب مرسوم خاص ينص على جواز محاكمة العسكريين المتورطين فى تلك الجرائم أمام محاكم مدنية ؛ لأن أى حكم سيصدر من محكمة عسكرية فى هذه المجزرة لن يتم التعامل معه باعتباره عنوان الحقيقة ؛ الأمر الذى سيجعل النار المدفونة داخل الصدور تنتظر يوماً ما  ـ قريباً أو بعيداً ـ لكى تنفجر فيه .
المدعى العام المستقل سيمتلك السلطة القانونية لإجراء تحقيق مستقل ؛ بدلاً من لجنة تقصى الحقائق التى لا تمتلك أى سلطات فعلية ؛ وتحقيقاتها استشارية أمام جهة التحقيق الأصلية التى هى النيابة العسكرية . فضلاً عن أن المدعى العام المستقل سيمنع تداخل المصالح بين القضاء العسكرى والمتهمين من العسكريين قيادات كانوا أم ضباط ومجندين .
ويمكن لتحقيقات هذا المدعى المستقل أن تطال رؤوس كبيرة ؛ أينعت وحان وقت قطافها من على كراسيها التى تربعت عليها لسنوات وسنوات وسنوات .
والواقع أن المؤتمر الصحفى العالمى الذى عقدته بعض قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة ؛ يجعلنا لا نطمئن لنتائج التحقيقات التى ستجريها لجنة تقصى الحقائق أو النيابة العسكرية . لأن المجلس الأعلى الذى يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية قد نفى قيام قواته بإطلاق النار على المتظاهرين ؛ بدعوى أن القوات المكلفة بتأمين ماسبيرو غير مجهزة بذخيرة . والسؤال : هل يمكن لأى ساذج أن يتصور أن قوات عسكرية تتولى تأمين منشأة حيوية مستهدفة مثل مبنى ماسبيرو ؛ لا تحمل أى دخيرة ؛ بحيث إذا قامت أى جماعة مسلحة بمحاولة اقتحام المبنى واحتلاله لوقفت أمامها هذه القوات عاجزة ؛ مما يعنى أن هذه القوات مجرد منظر وديكور ؟!!!!  
كما حاول المجلس الأعلى للقوات المسلحة تبرير دهس بعض المتظاهرين بمشاعر الفزع التى تمكنت من الجنود خوفاً على حياتهم ؛ فدفعتهم للانطلاق بالمدرعات مما قد يكون تسبب عن طريق الخطأ فى الاصطدام بالضحايا الذين تم دهسهم . والسؤال المطروح هنا : أليست هذه المدرعات معلومة الأرقام ومعلوم من هم سائقيها ؛ ومن هم الضباط المسئولين عن توجيه الأمر لها بالتحرك ؛ ومن هو القائد المسئول عن كل هذه القوات . وبالتالى لماذا يستبق المجلس التحقيقات ليبرر جرائم قواته حتى لو كانت على سبيل الخطأ ؛ أليست التحقيقات هى المنوط بها ذلك ؛ وكان يجدر بالمجلس العسكرى فقط أن يقول بأن كافة الوقائع المتعلقة بأحداث ماسبيرو ستخضع للتحقيق ولن يفلت كل من ارتكب جريمة من العقاب ؟!!!
علاوة على ذلك ؛ فأن المجلس فى مؤتمره الصحفى لم ينف ولم يجزم بفكرة وجود طرف ثالث له يد فى الأحداث !!!!! نحن إذن أمام مجلس يتولى رئاسة السلطة التنفيذية وصلاحيات السلطة التشريعية ؛ وخلال مدة توليه لتلك السلطتين وقعت أحداث كنيسة صول بإطفيح ثم أحداث كنيستى إمبابة ثم أخيرا أحداث كنيسة أسوان ؛ ورغم ذلك لم يتحرك ذلك المجلس لإصدار قانون لتنظيم بناء دور العبادة أو لتنظيم حق الطلاق للمسيحيين . ثم يتحدث بعد ذلك عن نظرية المؤامرة . وكأن المؤامرة نبت شيطانى يقوم بها مجموعة من العفاريت المفارقة لحدود الزمان والمكان .
وبالتالى فإن السؤال الجدير بالطرح هنا هو : أليس ترك التربة خصبة بكل عوامل الاحتقان والاستقطاب والتوتر دون أى تدخل تشريعى أو سياسى أو حتى دون استنفار أمنى ؛ هو أمر يشبه عدم منع التدخين داخل محطة لوقود السيارات ؛ وعندما يشب حريق يؤدى إلى تفجير تلك المحطة يتم تفسير ذلك تحت عنوان المؤامرة . رغم أن التفسير الصحيح يندرج تحت عنوان الاهمال والتباطؤ وعدم الاكتراث واللامسئولية .. والغباء السياسى .
وفى تقديرى ؛ فإن مجزرة ماسبيرو ينبغى أن تفتح الباب للتفكير جدياً فى ضرورة تغيير كافة المسئولين عن إدارة الفترة الانتقالية ؛ بدءً من المجلس العسكرى بكامل هيئته مروراً بالحكومة ؛ وانتهاءً بالقيادات الدينية .
فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك وبعد مرور 8 شهور من الفترة الانتقالية ؛ أن كل هذه الأطراف لا يمكن لها أن تضطلع بحل أى مشكلة فى مصر ما بعد الثورة ؛ لأن كل هؤلاء جزء من المشكلة ؛ بل ويمثلون أحد أضلاع أى مشكلة حدثت أو تحدث أو ستحدث فى المستقبل .
لذلك ؛ ومن أجل مصر .. ينبغى تصعيد قيادات عسكرية جديدة فى مختلف مناصب المجلس الأعلى للقوات المسلحة ؛ قيادات تدين بمناصبها للثورة وليس للرئيس المخلوع .
ينبغى تشكيل حكومة جديدة من بين أسماء الذين أعلنوا ترشحهم لرئاسة الجمهورية ؛ حتى يصبح أداءهم الوزارى خلال الفترة الانتقالية أكبر اختبار لمدى جدارتهم بهذا المنصب الرفيع . فالأدب واللطافة والشياكة والظرافة والمعارضة كلها أمور ينبغى أن تخضع للاختبار الحقيقى ؛ فليس هناك من هو أكثر أدباً من عصام شرف أو أكثر لطفاً من منير فخرى عبد النور أو أكثر معارضة ـ فيما سبق ـ من جودة عبد الخالق أو أسامة هيكل ؛ ولكن كل هؤلاء بمجرد جلوسهم على كرسى السلطة تم اختبارهم وفشلوا فى الاختبار تلو الآخر . وكنا ننتظر منهم جميعاً أن يعلنوا استقالتهم الحاسمة غير القابلة للمراجعة عقب أحداث ماسبيرو ؛ لأنه حتى إذا تعلقت المسئولية الجنائية عن الدماء التى سالت برقاب غيرهم ؛ فإن المسئولية السياسية عن تلك الدماء هى بكل التأكيد ملفوفة حول رقابهم ؛ وستطاردهم الجثث المهروسة فى كوابيسهم ؛ لأن الله عزيز ذو انتقام .
وبنفس المنطق ؛ على القيادات الدينية أن تتحمل قسطاً من هذه الدماء ؛ لأنها بتخاذلها من أجل التشبث بمواقعها ؛ تراخت فى المطالبة بسن التشريعات التى تقطع الطريق على الفتن الطائفية ؛ كما تراخت فى تمهيد الطريق للفكر الدينى المستنير لكى يسير على الأقل جنباً إلى جنب بجانب الفكر المحافظ إن لم نقل المتشدد .
شيخ الأزهر يتحمل مسئولية استمرار عدم تنقية مناهج الأزهر من المرويات وكتب التفاسير ومذاهب الفقه المتشددة التى ارتفعت إلى مستوى النص المقدس والديانة الموازية ؛ مما يفتح الباب لاستمرار التربة الفكرية التى ترعى التطرف والتزمت . 
البابا شنودة أيضاً بخلطه بين السياسى والدينى بما يجعله يلعب دور رئيس جمهورية الأقباط فى مصر ؛ يعزز بذلك من عزل الأقباط داخل دائرة الأقلية ؛ وينمى من التيار المتشدد فى الفكر المسيحى الذى يرى أن الاقباط تحميهم الكنيسة وليس الدولة المصرية ؛ بما يعنى أن تظل الكنيسة محتفظة بكافة تقاليدها التى ـ حتى ـ تتصادم مع الواقع ؛ حتى لا ينفرط عقدها ومن ثم يفقد الأقباط مرجعيتهم .
نحن إذن أمام رجال دين تربوا فى ظل نظم حكم فاسدة ؛ فلونتهم بكل ممارساتها التى تستخدم الدين كأداة للتفرقة أو التغييب أو التواكل أو تطليق الدنيا انتظاراً للآخرة ؛ ونعلم جميعاً ما هى نوعية الخطاب التى كانت ستصدر عن هؤلاء لو فشلت الثورة .
وبالتالى ؛ ينبغى لكل هؤلاء .. فى المجلس العسكرى ؛ أو الوزارة ؛ أو المؤسسات الدينية ؛ أن يقبلوا بأن يرحلوا أو يُحاكموا .
وارحل بالعربى يعنى إمشى علشان أى حد ما بيفهمشى .
وأما يُحاكموا بالعربى ؛ فهى تعنى : أن فى طرة مازالت هناك زنازين خالية .
******
ـ فيديو مروع تم نشره بالبديل عن مشهد من مشاهد مذبحة ماسبيرو ؛ يمكنكم مشاهدته على صفحتى بالفيسبوك

دكتور/ محمد محفوظ
dr.mmahfouz64@gmail.com

             







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق