08 أغسطس 2014

الرئيس والقصور الرئاسية

د. محمد محفوظ .. يكتب : الرئيس والقصور الرئاسية

تاريخ النشر : 7 يونيو 2014

وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال
سورة إبراهيم ـ الآية 45

على الرئيس عبد الفتاح السيسى أن يبادر إلى سرعة فتح ملف القصور والاستراحات الرئاسية .
ففى بلد يعانى من ضائقة اقتصادية ؛ ومن ضعف  الثقة فى المؤسسات الرسمية ؛ يجب على مؤسسة الرئاسة أن تضرب المثل والقدوة ؛ فتتخفف من أحمالها وتقترب من شعبها .
وفى تقديرى فإن ملف القصور والاستراحات الرئاسية ؛ ينبغى معالجته من خلال 3 محاور ؛ تتمثل فى : الجدوى .. والفجوة .. والتوثيق .
أولاً ـ الجدوى :
فينبغى أن يتم تعظيم الجدوى الاقتصادية والتاريخية والثقافية لسلسلة القصور والاستراحات التابعة لمؤسسة الرئاسة ؛ لأن استمرار تلك القصور والاستراحات بوضعها الحالى الذى يجعل معظمها مغلقة على مقتنايتها ؛ يمثل بالوعة لإهدار المال العام ؛ وإغراء للتعامل مع المال السايب بمنطق النهب والسرقة ؛ كما يشكل نوع من الحجر على حق الشعب فى التعرف على جزء مهم من تاريخه .
ولنا أن نتخيل كم الأموال المهدرة للصرف على أعمال الصيانة والنظافة ؛ للأثاثات والحوائط والأرضيات ووصلات السباكة والكهرباء والاتصالات ؛ والعناية بالحدائق ؛ بالإضافة إلى فواتير المياه والكهرباء والتليفونات ؛ وأجور العمالة ؛ والخدمات الأمنية على مدار الساعة من ضباط وأفراد الحرس الجمهورى والادارة العامة لشرطة رئاسة الجمهورية ؛ بتسليحهم ووسائل انتقالهم ومخصصاتهم ... الخ .
وبالتالى فقد حان الوقت ؛ لوقف هذا النزيف المالى المستمر ؛ من خلال التعامل مع تلك القصور والاستراحات بمنطق الجدوى الاقتصادية والتاريخية والثقافية النابعة من قيمتها الحضارية الكبرى .
وفى تقديرى فإن هذا المنطق ينطلق من بديهية عالمية تعتنقها معظم الدول المتحضرة ؛ وتتمثل فى تخصيص مقر دائم لرئاسة الجمهورية سواء كان قصرا أم فيلا بمواصفات خاصة ؛ ونقل تبعية باقى القصور والاستراحات إلى وزارة الآثار ووزارة الثقافة وفقا للغرض الذى سيتم من خلاله التعامل مع تلك القصور أو الاستراحات .
فبعض تلك القصور هى متاحف عالمية بامتياز نتيجة طرازاتها المعمارية الخلابة ومقتنياتها الحصرية الفريدة وقيمتها التاريخية والأثرية ؛ ولا تحتاج إلا إلى تزويدها ببعض التجهيزات المتحفية لكى تنضم إلى خريطة المتاحف المصرية وخريطة السياحة الداخلية والأجنبية .
وبعضها الآخر ؛ الذى يقل فى مرتبة القيمة التاريخية أو الأثرية ؛ فيمكن تحويله إلى فنادق عالمية ذات طابع خاص مثل فندق قصر السلاملك فى الإسكندرية بحدائق قصر المنتزه ؛ بحيث يتوجه إليها النزلاء المصريين والأجانب ؛ الراغبين فى الإقامة فى أجواء تاريخية وبأسعار تزيد عن أسعار الفنادق الاعتيادية .
بينما يمكن عرض بعضها الآخر ـ الذى لا يصلح للإقامة الفندقية ـ للبيع فى مزادات ؛ بعد جرد مقتنياتها الفريدة وضمها للمتاحف المتخصصة ؛ أو تحويلها إلى مراكز فنية وثقافية عامة . 
.. وبالتالى فان تعظيم الجدوى الاقتصادية والتاريخية والثقافية من القصور والاستراحات الرئاسية المغلقة ؛ لتحويلها إلى متاحف أو فنادق أو مراكز ثقافية وفنية أو التصرف فيها بالبيع ؛ هو أمر لازم لكى يتم سد حنفيات إهدار واستنزاف المال العام . كما إنه أمر حاسم لنقل الانطباع لجموع الشعب المصرى ؛ بأن مؤسسة الرئاسة عندما تبادر وتنحو منحى الإدارة الرشيدة لأصولها التى هى أصول الشعب ؛ بعيداً عن منطق التكويش والإهدار ؛ فإن ذلك بلا أدنى شك ؛ سيرسم الطريق لكى يكون هذا هو منهجهها فى إدارة باقى أصول الدولة ومواردها ؛ وفى تقليص نفقاتها وتضييق دائرة مخصصاتها .
ثانياً ـ الفجوة :
تمثل القصور الرئاسية بخلفيتها التاريخية الملكية ؛ ومظاهر البذخ والهيلمان والفخامة المتوطنة فيها ؛ أحد أهم التقاليد التى كان ينبنى عليها نظام الحكم الملكى ؛ الذى كان يقوم على ضرورة أن توجد فجوة مادية ومعنوية بين الأسرة الملكية الحاكمة وبين الشعب ؛ باعتبار أن ذلك أمر لازم لخلق هالة من الجلال والتوقير والمهابة والعلو التى تحوط الذات الملكية ؛ فتغرس فى نفوس المحكومين نوع من الثقة العمياء والرضى والقبول بتوجهات مؤسسة الحكم ؛ بما يؤدى إلى كبح نوازع النقد أو المحاسبة والمراجعة أوالرغبة فى التغيير التى تتناقض مع طبيعة الحكم الوراثى وقواعد استمراريته .
ورغم أن النظم الملكية أو الإمبراطورية الحاكمة مازالت قائمة فى بعض الديمقراطيات الغربية وفى اليابان ؛ إلا أن القاعدة الدستورية الضامنة لوضعية الملك أو الإمبراطور الذى يملك ولا يحكم ؛ قد جعلت الفجوة المادية أو المعنوية التى تفصل الأسر الحاكمة عن الشعب ؛ غير ذات أثر على طبيعة نظام الحكم الذى يخضع للانتخاب من الشعب والرقابة والمحاسبة من ممثليه .
ولكن ؛ يبدو بأن وراثة نظم الحكم الجمهورية لقصور الأسر الملكية ؛ قد نقل العدوى إلى الرؤساء الذين لا يجرى فى عروقهم الدم الملكى الأزرق ؛ فاقتبسوا مظاهر الجلال والتوقير والمهابة والعلو ؛ بما حافظ على استمرار الفجوة المادية والمعنوية بين مؤسسة الرئاسة والشعب ؛ فأصبحت كل القصور الرئاسية ( الملكية سابقاً ) بأسوارها الشاهقة ؛ بمثابة عوازل مادية ومعنوية تعزل الرئيس عن الجماهير ؛ وسرعان ما تتحول إلى دوائر للنفوذ يحافظ عليها الانتهازيون والمنتفعون ؛ ويدافعوا عن استمرارها لكى ينفردوا بالرئيس ويضمنوا دوام استمراره ومن ثم استمرارهم معه فى دائرة الحكم والسلطة .
ومن ثم فإن الضامن الأكبر لعدم حدوث فجوة بين الرئيس وبين الشعب ؛ لا يتوقف فقط على الشعبية الكبيرة والاختيار الحر من الجماهير ؛ وإنما لابد لذلك من إجراءات على الأرض تمنع نمو تلك الفجوة ؛ ومن أهمها تحديد مقر رئاسى واحد للرئيس ؛ يكون متاحاً للجماهير وفقا لترتيبات أمنية زيارته والتجول ببعض أجنحته ؛ ويكون غير محاط بالأسوار العالية التى تحجبه عن الناس ؛ بالإضافة إلى عدم الاحتفاظ بأى قصور أو استراحات أو مقرات مغلقة فى حوزة مؤسسة الرئاسة ؛ لأن استنزاف المال العام هو العامل الأكبر الذى يؤدى إلى تحويل الـ ( فجوة ) بين الرئيس والشعب إلى ( جفوة ) .
ثالثاً : التوثيق :
لا تكتسب مؤسسة الرئاسة احترامها لدى الشعب من مجرد سهرها فقط على حماية حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية وحماية حدود الوطن وسواحله وأجوائه ؛ وإنما لابد من أن يترافق مع ذلك القدرة على توثيق التسلسل التاريخى لحكام هذا الشعب وتلك الدولة ؛ بما يساهم فى تقديم صورة مجسمة لتداول الحكم عبر العصور والتطور السياسى للنظم الحاكمة ؛ ويغرس فى نفوس المواطنين قيمة الارتباط بالماضى البعيد والقريب اللذين لا غنى عنهما للانتماء للحاضر المقيم والاستعداد للمستقبل المنشود .
وربما يبدو هذا الحديث للبعض بمثابة فذلكة وتلاعب نظرى بالكلمات والعبارات ؛ إلا أنه فى الواقع يمثل حجر الزاوية لتقديم مؤسسة الحكم باعتبارها مؤسسة لها تاريخ وجذور ؛ يمنحانها العراقة والخبرة ويعكسان منها العبرة والعظة .
ولذلك أقترح على الرئيس عبد الفتاح السيسى ؛ أن يخصص جناحاً فى القصر أو المقر الرئاسى ؛ لتحويله إلى : ( بانوراما حكام مصر ) . بحيث تضم تلك البانوراما بين جنباتها توثيقاً تاريخياً متسلسلاً لأسماء وصور حكام مصر عبر العصور ومنذ فجر التاريخ ؛ من الفراعين والأباطرة والقياصرة والخلفاء والولاة والخديوية والسلاطين والملوك والرؤساء .
وذلك وفقاً للترتيب التالى :
1ـ حكام الدولة الفرعونية التي حكمت مصر لمدة تزيد عن 3000سنة , من الأسرة الأولى وحتى الأسرة الثلاثين .
2ـ حكام دولة البطالمة .
3ـ حكام الدولة الرومانية .
4ـ حكام الدولة البيزنطية .
5ـ حكام دولة الخلافة الإسلامية العربية ( الراشدة ) .
6ـ حكام الدولة الأموية .
7ـ حكام الدولة العباسية .
8ـ حكام الدولة الطولونية .
9ـ حكام الدولة الإخشيدية
10ـ حكام الدولة الفاطمية .
11ـ حكام الدولة الأيوبية .
12ـ حكام دولة المماليك ( البحرية , والبرجية ) .
13ـ حكام الدولة العثمانية .
14ـ حكام الدولة العلوية ( أسرة محمد على ) .
15ـ حكام الدولة الجمهورية .
.. وفى تقديرى فإن وجود بانوراما حكام مصر داخل مقر الرئاسة ؛ كمتحف توثيقى لتاريخ حكام مصر ؛ هو أمر يربط مؤسسة الرئاسة بالشعب الذى سيتردد كباره وصغاره على البانوراما للتعرف على تاريخ الحكم فى مصر . كما إنه سيوثق للتنوع الذى استندت إليه الحضارة المصرية فى تفاعلها رضاءً أم قسراً مع الحضارات الأخرى خلال كل مراحل نموها ؛ وهو الأمر الذى سيوطد من دعائم الترابط بين مصر والمترددين عليها من السائحين والزوار المنتمين لتلك الحضارات الأخرى التى تواجدت على أرض مصر عبر التاريخ .
....................
ومن هنا .. فإن التعامل مع القصور الرئاسية ( الملكية سابقاً ) بمنطق ؛ تعظيم الجدوى الاقتصادية والتاريخية والثقافية ؛ وردم الفجوة المادية والمعنوية ؛ وتوثيق التسلسل التاريخى لحكام مصر ؛ هو أمر يضع أقدامنا على طريق الدولة التى هى ملك لشعبها بقصورها وأكواخها ؛ ومغرم لا مغنم لحكامها بسلطاتها ومسئولياتها .
قال تعالى : فكأين من قرية أهلكناها وهى ظالمة فهى خاوية على عروشها وبئرٍ معطلة وقصرٍ مشيد
سورة الحج ـ الآية 45
*****

dr.mmahfouz64@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق