08 أغسطس 2014

أصحاب العقول الممسوحة والدجل البرلمانى والشعوذة السياسية

د. محمد محفوظ .. يكتب : أصحاب العقول الممسوحة والدجل البرلمانى والشعوذة السياسية

تاريخ النشر : 11 يونيو 2013

فاصبر صبراً جميلاً * إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريباً
سورة المعارج / الآيات 5 ـ 7

لم أستطع منع نفسى من الاشمئزاز والشعور بالقرف أثناء مشاهدتى لجلسة لجنة الشئون التشريعية بمجلس الشورى التى تم عقدها بتاريخ 9 / 6 / 2013م ؛ لمناقشة قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن عدم دستورية منع ضباط وأفراد الجيش والشرطة من التصويت فى الانتخابات ؛ وانتهاء اللجنة إلى تفصيل مادة تنص على إرجاء تصويت الشرطة والجيش حتى عام 2020م ؛ نظراً لاعتبارات تتعلق بالأمن القومى .. شوف إزاى ؛ وبالذات 2020م  بعد نهاية الفترة الثانية لمحمد مرسى .. هههههههه !!!!
لم أستطع منع نفسى من الاشمئزاز والشعور بالقرف لأن مستوى السطحية والضحالة فى التفكير والوعى السياسى ـ لدى فئة من المفترض أنها تتولى سلطة التشريع ـ كان يبعث على الإحساس بالخزى والعار ؛ بل والغضب القابل للانفجار . كما أن كم الأكاذيب والأباطيل التى تم تسويقها بدم بارد وبجاحة سافرة لتبرير منع الشرطة والجيش من التصويت فى الانتخابات فى المرحلة الراهنة ؛ تؤكد بأن حفلات الزار التى يترنح فيها المربوطين والممسوسين والملبوسين ؛ ما هى إلا نقطة صغيرة فى بحر الدجل البرلمانى والشعوذة السياسية التى تعيشها مصر عقب ثورة شعبية .
 لم يقدم أى جهبذ من جهابذة الفقه الدستورى أى رأى دستورى محترم ؛ بل ومن أقر منهم بضرورة الالتزام بمقتضى قرار المحكمة الدستورية العليا لم يعترض على فضيحة إرجاء التصويت حتى عام 2020م لاعتبارات الأمن القومى المزعومة .
وسأعرض للقراء المبررات الأربعة التى يقدمها تيار الإسلام السياسى أو من يواليه من المنافقين أو السذج من التيار المدنى لمنع تصويت الجيش والشرطة ؛ حيث تتمثل هذه المبرررات فى الآتى :
ـ أن الحفاظ على الأمن القومى يقتضى منع الجيش والشرطة من التصويت باعتباره عملاً سياسياً ؛ وينبغى عدم تورط العسكريين فى الشأن السياسى طبقا لنص البند رقم 8 من ديباجة الدستور .
ـ أن منع الجيش والشرطة من التصويت فى الانتخابات يهدف إلى ضمان عدم تأثيرهما على العملية الانتخابية ؛ ومنع أى تعارض بين مسئولية الجيش والشرطة عن تأمين الانتخابات وبين حقهما فى التصويت .
ـ أن حماية وحدة الصف داخل مؤسستى الجيش والشرطة تقتضى إبعاد المؤسستين عن التحزبات والتنافسات السياسية التى قد تنتقل إلى صفوفهما فتؤدى إلى التفكك والانهيار .
ـ أن الطبيعة الانضباطية العسكرية أو النظامية التى يتسم بها العمل داخل كل من الجيش والشرطة تجعل الضباط والأفراد أكثر ميلاً اتنفيذ التعليمات وبالتالى يسهل توجيههم للتصويت لفصيل معين . 
وفيما يلى من سطور ؛ سأقدم البراهين التى تثبت مدى تفاهة هذه المبررات ومخالفتها لحقائق الواقع  بل ولأبسط قواعد العقل والمنطق .  
1ـ أول المبررات المقرفة التى تم الترويج لها داخل تلك الجلسة العبثية ؛ هو أن حماية الأمن القومى من المخاطر تقتضى إبعاد المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية عن الشأن السياسى ؛ وكان البعض يبرر كلامه السطحى بالبند الثامن من ديباجة الدستور الذى ينص على الآتى : ( الدفاع عن الوطن شرف وواجب؛ وقواتنا المسلحة مؤسسة وطنية محترفة محايدة لا تتدخل فى الشأن السياسى، وهى درع البلاد الواقى ) .
ونرد على أصحاب كل العقول السطحية التى هى أقرب إلى المهلبية ؛ بأن حماية الأمن القومى من المخاطر كانت تقتضى أن يكون أول المبعدين عن الشأن السياسى هم أشباه السياسيين الذين تورطوا فى إذاعة الحوار حول أزمة السد الأثيوبى على الهواء ؛ فأضروا بالأمن القومى بحماقتهم ؛ وزادوا من المخاطر التى قد يتعرض لها هذا الأمن القومى نتيجة تحويل الدول الأفريقية الصديقة إلى دول معادية نتيجة النبرة العنصرية الصفيقة التى تحدثوا بها عن شعوب تلك الدول ومؤسساتها .
ولكن حتى إذا ناقشنا حجتهم المأفونة المتعلقة بالبند الثامن من ديباجة الدستور التى كان أول من روج لها المحامى المعجزة عصام سلطان ؛ فإننا نكتشف أننا أمام حجة كرتونية هزلية ؛ لأن السؤال الأول الذى يتبادر إلى الذهن عندما يتحدث أمثال هؤلاء عن إبعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسى هو كالتالى : وماذا كان يفعل اللواء ممدوح شاهين بزيه العسكرى داخل مجلس الشورى ؛ هل كان يناقش الخطط العسكرية والسياسات التدريبة للقوات المسلحة أم كان يناقش شأناً سياسياً ؟!! أما السؤال الثانى فهو : وماذا يفعل الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة بزيه العسكرى داخل جلسات مجلس الوزراء ؛ ألا يناقش مع باقى الوزراء السياسات التعليمية والصحية والضريبية والدبلوماسية إلخ ؛ ويصوت عليها باعتباره عضوا فى المجلس ؛ فهل يعتبر هذا تدخلاً فى الشأن السياسى !!!
والرد بكل بساطة على كل مأفون يحمل فوق رأسه سلطانية مهلبية ؛ يتمثل فى الآتى : إن عدم تدخل القوات المسلحة فى الشأن السياسى يعنى عدم استخدام الجيش لقوته العسكرية للتأثير على القرار السياسى بالسلب أو الإيجاب . ولذلك فإن وجود اللواء ممدوح شاهين بزيه العسكرى داخل مجلس الشورى أو وجود الفريق أول عبد الفتاح السيسى داخل مجلس الوزراء ؛ لا يعتبر تدخلاً فى الشأن السياسى ؛ لأن المشاركة فى الشأن السياسى شئ ؛ والتدخل فى هذا الشأن شئ آخر ؛ فالتدخل  العسكرى فى الشأن السياسى يعنى استخدام القوة العسكرية العلنية أو المستترة للتأثير على القرار السياسى بالسلب أو الايجاب ؛ وهو بالطبع أمر مرفوض فى كل دول العالم الديمقراطية التى تعترف بحق الجيش والشرطة فى التصويت .
أيضاً ؛ لم أسمع من أى عبقرى بنكهة المهلبية ؛ أى تحديد أو تفصيل أو مثال واحد عن ماهية ونوعية الأخطار المزعومة الجسيمة الفادحة الساحقة الماحقة التى سيتعرض لها الأمن القومى للخطر عندما يقوم ضابط أو صف ضابط أو أمين شرطة أو مجند بوضع ورقة من خلف ساتر داخل صندوق !!!
أما الهطل الذى يتم الترويج له حول أن وضع أسماء ضباط وأفراد الجيش والشرطة داخل قاعدة بيانات الناخبين هو أمر يضر بالأمن القومى ضرراً فادحاً ؛ فإن الرد على ذلك لا يقتضى من أى شخص يردده إلا أن يدخل على المواقع الإلكترونية على الإنترنت للموسوعات العسكرية وموقع المخابرات المركزية الأمريكية ؛ ويطالع الدوريات المتخصصة فى الشئون العسكرية ؛ ليعرف بأن عدد قوات الجيوش وقدراتها التسليحية من دبابات وطائرات وصواريخ وقنابل نووية وكيميائية وبيولوجية هو أمر معلن وغير سرى بالمرة ؛ وبالتالى من لا يزال يعتقد بأن هذه الأمور مازالت سرية فعليه أن يسلم نفسه لأقرب مصحة عقلية !!!!!
وبالتالى نقول للمرعوبين زوراً وبهتاناً على الأمن القومى .. شوفوا لكم حجة تانية ؛ ولو ألغينا عقولنا وسلمنا جدلاً بحجتكم الواهية التافهة بأن الجيش بموجب ديباجة الدستور ينبغى ألا يتدخل فى الشأن السياسى ؛ فإن هذا لا ينطبق على الشرطة لأن ديباجتكم الدستورية العبقرية عندما تحدثت عن جهاز الأمن فى البند التاسع لم تشر بحرف واحد إلى منع تدخله فى الشأن السياسى ؛ وبالتالى جهاز الشرطة وفقا لتلك الديباجة له حق التصويت !!!
ولكننا نعود ونؤكد لحملة سلطانية المهلبية ؛ بأن إبداء الرأى فى الانتخابات والاستفتاءات رغم أنه يتعلق بالشأن السياسى إلا أنه لا يُعد عملاً سياسياً, ولا تحتاج ممارسته إلى اعتناق أية أيدلوجية سياسية، بل إن مبعثه الوحيد هو حق المواطنة، وحق كل مواطن فى الاختيار والترجيح بين حزمة من البرامج المجتمعية التى تطرحها الأحزاب أو يطرحها المرشحون للتنافس على أصوات الناخبين ؛ وتتضمن تلك الحزمة برامج اجتماعية واقتصادية وتعليمية وصحية وضريبية ؛ وبرامج أخرى تتعلق بكافة جوانب الحياة . وبالتالى فإن منع ضباط وأفراد الجيش والشرطة من التصويت, يؤدى إلى منعهم من المشاركة في حاضر ومستقبل المجتمع الذى يعيشون فيه, ويمنعهم من اختيار الأفضل لمستقبلهم ومستقبل أسرهم, من خلال سلبهم الحق فى اختيار من يطرحون هذه البرامج ليحكمونهم أو ليمثلونهم فى البرلمان .
ولكن إذا لم يكن التصويت عملاً سياسياً فما هو إذن العمل السياسى ؟ وبكل بساطة نقول بأن العمل السياسى يتمثل فى الترشح فى الانتخابات أو الانتماء للأحزاب ؛ ولذلك يمنع القانون فى كل دول العالم ضباط وأفراد الجيش والشرطة من الترشح أو الانتماء للاحزاب إلا بعد تقديم استقالاتهم ؛ وبالطبع يستند هذا المنع إلى نظرية فى علم القانون تسمى : نظرية طبيعة الحق ومتطلبات ممارسته ؛ وهى نظرية نقدمها لأولئك المحسوبين على قائمة أساتذة القانون العام أو الدستورى فى الجامعات المصرية ؛ والذين هم سبب رئيسى فى كل ما تعانيه مصر من كوارث منذ قيام الثورة وحتى الآن ؛ نتيجة محدودية فهمهم الدستورى ؛ أو توظيفهم لعلمهم الدستورى المتدنى من أجل خدمة السلطة ولو على حساب الشعب .
وببساطة فإن النظرية المشار إليها تنص على أن كل حق له طبيعة معينة هى التى تحدد متطلبات ممارسته .
فحق التصويت الانتخابى له طبيعة تقوم على الاختيار والترجيح والمفاضلة بين برامج مجتمعية متنافسة ؛ وبالتالى فإن متطلبات ممارسته تتمثل فى ضرورة امتلاك القدرة على التمييز والإدراك ؛ ومن ثم فإن منع الأطفال أو المصابين بعاهة عقلية من حق التصويت لا يتصادم مع حق كل المواطنين فى التصويت طالما يفتقر هؤلاء للقدرة على التمييز أو الإدراك . ونظراً لأن ضباط وأفراد الجيش والشرطة يمتلكون القدرة على الإدراك والتمييز فإنهم بذلك يدخلون ضمن فئات المواطنين المتاح لهم حق التصويت .
أما حق الترشح فإن طبيعته تقوم على المنافسة والرغبة فى الفوز والانتصار على المنافس ؛ وبالتالى فإن متطلبات ممارسته تتمثل فى ضرورة التحرر من أى ارتباطات قد تثير شبهة الاستقواء وعدم تكافؤ الفرص ؛ وبالتالى فإن التحرر من أى ارتباطات بالسلطة التنفيذية أو القضائية لعدم نقل الانطباع للمتنافسين الآخرين بالاستقواء بهما ؛ يرتب نتيجة هامة تتمثل فى عدم امتلاك ضباط وأفراد الجيش والشرطة والقضاة والدبلوماسيين لمتطلبات ممارسة الحق فى الترشح للانتخابات ؛ إلا بعد انفصالهم عن جهات عملهم .
بينما حق الانتماء للأحزاب تقوم طبيعته على الانحياز والميل لأيدلوجية وعقيدة سياسية معينة ؛ وبالتالى فإن متطلبات ممارسته تقتضى عدم التقيد بأى التزامات مهنية تفترض الاستقلال والحياد ؛ الأمر الذى يجعل أيضا القضاة وضباط وأفراد الجيش والشرطة والدبلوماسيين لا يمتلكون متطلبات ممارسة الحق فى الانتماء للأحزاب إلا بعد تحررهم من مسئوليات وظائفهم التى تفرض عليهم ضرورة الاستقلال والحياد .
إذن ؛ إلى كل أستاذ قانون عام يحمل داخل رأسه سلطانية مهلبية أو فدان بطيخ أو يعتقد بأن جبريل عليه السلام يتنزل عليه ؛ إلى كل هؤلاء نقول : أنتم عار على الفقه الدستورى وتعاملكم مع القانون باعتباره فهلوة وتطريز وتفصيل على مقاس السلطان هو أمر يثير الغثيان ؛ لأن القانون علم ونظريات ؛ ولكن من أين لعقولكم المهلبية أن تدرك ذلك أو تتخيله ولو حتى فى الأحلام .        
2ـ أما ثانى المبررات الذى يتمثل فى أن منع الجيش والشرطة من التصويت فى الانتخابات يهدف إلى ضمان عدم تاثير الشرطة على العملية الانتخابية ؛ ومنع أى تعارض بين مسئولية الجيش والشرطة عن تأمين الانتخابات وبين حقهما فى التصويت ؛ فهو مبرر يثير الغثيان لشدة تهافته . والغريب أن اللواء ممدوح شاهين فاجأ الجميع بهذا المبرر المذهل الذى تمثل فى سؤاله عن الكيفية التى سيتم بها تأمين الانتخابات لو أن القوات المسلحة انشغلت بالتصويت فيها . وأقول لسيادة اللواء الذى نحترم فقط صفته العسكرية ولكن لا نحترم المهازل التى ارتكبها مجلسه العسكرى ضد الثورة المصرية ؛ نقول لسيادته : أن الجيش العراقى قام بالتصويت فى شهر إبريل الماضى وفقاً لنظام التصويت المبكر ؛ حيث قام ضباط وأفراد الشرطة والجيش بالتصويت فى الانتخابات العراقية الأخيرة قبل تصويت المواطنيين فيها بأسبوع واحد ؛ وبالتالى يمكننا أن نأخذ بهذا الاختراع العبقرى الذى لا تعلم عنه مؤسستنا العسكرية شيئاً ؛ وهو اختراع يتم استخدامه منذ عشرات السنوات فى الدول الديمقراطية ؛ يضاف إليه نظام التصويت الذى يستخدمه الجيش الأمريكى تحت اسم : تصويت الغائبين ؛ بحيث يتيح للضباط والأفراد العسكريين العاملين فى عرض المحيطات على حاملات الطائرات التصويت من خلال البريد أو شبكة الإنترنت .
والأغرب من ذلك أن الأستاذ محمد طوسون رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشورى ؛ اعترف أثناء الجلسة الهزلية أن وزارة الخارجية أرسلت للمجلس قائمة بالدول التى تكفل للجيش والشرطة حق التصويت الانتخابى ؛ وتبين أن 90% تقريباً من دول العالم تكفل هذا الحق . وبالتالى نقول للواء شاهين والأستاذ طوسون ؛ اللى ما يعرفش يسأل .. اسألوا الـ 90 % من دول العالم إزاى الجيش والشرطة بيصوتوا فى الانتخابات بحيث لا يتعارض ذلك مع تأمين العملية الانتخابية أو تأمين حدود الدولة .. مش اختراع يعنى !!!!!
أما مسألة أن منع الشرطة والجيش من التصويت فى الانتخابات يهدف إلى ضمان عدم تاثيرهم على العملية الانتخابية أثناء تأمينها . فإن الرد الجلى الواضح على هذا المنطق الأعوج يتمثل فى أن قانون مباشرة الحقوق السياسية لم يمنع كل من : رؤساء اللجان الانتخابية العامة والفرعية ـ وأعضاء اللجنة العليا للانتخابات ـ وأعضاء لجنة انتخابات الرئاسة ؛ وأعضاء لجان الفرز ؛ وجميع هؤلاء من رجال القضاء , لم يمنعهم القانون من التصويت الانتخابى, رغم مسئوليتهم الأصيلة والمباشرة عن مجريات العملية الانتخابية, بما فيها الإشراف الكامل على العملية الانتخابية ؛ وفرز الأصوات والتوقيع على محاضر الفرز ؛ بل وإعلان النتائج . ولعل الواقع يثبت بأن حق التصويت الممنوح لهذه الفئات لم يؤد إلى أى مؤثرات على العملية الانتخابية. فما المبرر إذن من حرمان الشرطة والجيش من ذات الحق الممنوح لهذه الفئات !!!!! شوفوا حجة تانية !!!!
3ـ أما مبرر ضرورة إبعاد مؤسستى الجيش والشرطة عن التحزبات والتنافسات السياسية التى قد تنتقل إلى صفوفهما فتضر بوحدة الصف داخل المؤسستين .
فإن هذا مردود عليه؛ بأن الواقع المعاش فى الدول الديمقراطية يثبت عدم صحة هذا المبرر , لأن مسألة تصويت الجيش والشرطة فى تلك الدول لم تؤثر بأى حال على وحدة أجهزة الأمن بها .
كما أن هذا المبرر لو كان صحيحاً ـ وهو غير صحيح ـ فإنه كان من الأولى أن ينصرف إلى بنية الأسرة المصرية , التى نص الدستور فى مادته رقم (10) على أنها " أساس المجتمع " . حيث أنه من بديهيات الأمور اختلاف الطباع والانتماءات والاختيارات بين أفراد الأسرة الواحدة، ولو كانت التنافسات الانتخابية تثير الانقسام بين أعضاء أى تجمع بشرى، فإنها كانت بالأحرى ستثير الانقسام والتقاتل بين أفراد الأسرة الواحدة, وهو ما لا يحدث فى واقع الحال. ولعل الواقع المعاش فى الدول الديمقراطية, يقرر بأن جوهر الديمقراطية يبتعد تماماً عن التنافس الهدام، نظراً لأنه يفرض أن تحترم الأقلية رأى الأغلبية, ليس عن ضعف أو نتيجة قهر، وإنما لأن الديمقراطية الحقيقية تتيح للأقلية حق التعبير الدائم وغير المحدود عن رأيها، بما يوفر لها فى المستقبل إمكانية تبوأ مقعد الأغلبية.
ومن هنا, فإن التنافسات الانتخابية ما هى إلا مظهر من مظاهر التعدد والاختلاف والتنوع الخلاّق فى كافة المجتمعات، وما هى إلا تعبير عن فطرة الله -  سبحانه وتعالى -  فى الأرض، مصداقاً لقوله تعالى: ( ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) .
وبالتالى فإن التنافسات الانتخابية لا يمكن أن تؤدى إلى الانقسام والتقاتل لأنها تنافسات خلاقة ، وبالتالى لا يمكن لهذه التنافسات أن تضر بوحدة الصف داخل المؤسسة العسكرية أو الأمنية . وإنما الذى يؤدى إلى التنافسات الهدامة هو الاستبداد والاستئثار بمقاعد الحكم والسلطة, وإعاقة الوصول إليها من خلال التداول السلمى لها، مما يورث القهر والغل فى النفوس، ويؤدى إلى التناحر والخلاف.
ويمكن تقديم الجيش والشرطة فى لبنان كمثال يوضح بأنه رغم منع الجيش والشرطة هناك من حق التصويت الانتخابى إلا أن الانقسام الطائفى داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية أو مؤسساتها الأمنية هو الذى يحكم العمل داخل تلك المؤسسات ؛ الأمر الذى يوضج أن وحدة الصف أو انفراطه لا علاقة لها بالحق فى التصويت الانتخابى فى الجيش أوالشرطة . 
4ـ أما المبرر الرابع الذى يدعى بأن الطبيعة الانضباطية العسكرية التى يتسم بها الجيش أو الطبيعة الانضباطية النظامية التى تتسم بها الشرطة ؛ تجعل الضباط والأفراد أكثر ميلاً اتنفيذ التعليمات وبالتالى يسهل توجيههم للتصويت لفصيل معين .
فإن هذا المبرر مردود عليه بأن الطبيعة النظامية لأجهزة الشرطة والطبيعة العسكرية للقوات المسلحة لا يمكن اعتبارهما سبباً لتنفيذ التعليمات المخالفة للدستور وللقانون. وذلك لأن أجهزة الشرطة والجيش فى كل النظم الديمقراطية لها نفس الطبيعة ؛ ولكنها لا تلتزم إلا بالتعليمات التى تتفق مع الدستور والقانون. وبالتالى فإن الالتزام بالتعليمات حتى لو كانت مخالفة للقانون ينبع من سبب آخر ؛  يتمثل فى منع هذه الأجهزة ـ فى الدول غير الديمقراطية ـ من التصويت فى الانتخابات, مما أدى إلى أن يصبح ولاء هذه الأجهزة للسلطة وليس للدستور والقانون. وذلك لأن سلب جهاز الأمن والجيش لحقهما فى التصويت يؤدى إلى أن يصبح الضباط والأفراد أطوع للتواطؤ مع السلطة أو الانقلاب عليها طالما لا يمكنهم من خلال الصندوق الانتخابى تغييرها. وتثبت الدراسات السلوكية والسيكولوجية أن أي فئة من فئات المجتمع في حال تهميشها, فإنها إما تتواطأ مع السلطة أو تنقلب عليها .
ويقدم لنا التاريخ المصرى القريب الدليل على ذلك ؛ فلقد كانت القوات المسلحة ممنوعة من التصويت الانتخابى عام 1952 وما قبله من عقود بموجب المرسوم بقانون رقم 148 لسنة 1935 الخاص بالانتخاب ؛ ولكن هذا لم يمنع التنظيمات السياسية آنذاك من اختراق الجيش ؛ كما لم يمنع الجيش من الانقلاب على النظام الملكى.
أيضاً فإن الشرطة كانت ممنوعة طوال نظام حكم مبارك من التصويت الانتخابى ولكن ذلك لم يمنعها من تزوير الانتخابات لصالح الحزب الوطنى .
وبالتالى فإن قدرة القوات المسلحة أو الشرطة على التغيير السلمى للسلطة ـ من خلال السماح لهما بالتصويت فى الصندوق الانتخابى ـ هى التى تمنع الجيش من الانقلاب على نظام الحكم ؛ وتمنع الشرطة من التواطؤ مع الجالسين على مقاعد السلطة . وبالتالى فإن الطبيعة الانضباطية العسكرية أو النظامية ليست هى المسئولة عن إطاعة التعليمات حتى لو كانت مخالفة للدستور والقانون ؛ وإنما المسئول عن ذلك هو منع ضباط وأفراد الشرطة والجيش من التصويت الانتخابى ؛ بما يؤدى إلى النيل من انتماءهم إلى المجتمع الذى يعيشون فيه ويجعلهم منعزلين عن باقى فئات الشعب ؛ ويضعهم فى معية السلطة ؛ ويجعل المواطنون ينظرون إليهم باعتبارهم أداة فى يد الجالسين على مقاعد الحكم لقمع الشعب .
وبالتالى فإن الهاجس الأمنى الذى تتسم به كل أنظمة الحكم غير الديموقراطية، هو الحافز لدى نظام الإخوان لعرقلة حق الجيش والشرطة فى التصويت الانتخابى ؛ لأن أى نظام مستبد يحتقر الديموقراطية ويؤمن بمشروعية تزوير الانتخابات وقمع أى معارضة ضد سياساته ، يريد دائماً إقصاء كل من يحمل السلاح من ضباط وأفراد الجيش والشرطة عن الشأن السياسى ، بحيث يصبح حاملى السلاح فى صف الدولة ضد الشعب وليس العكس .
وبالتالى يخشى نظام الإخوان من تصويت الشرطة والجيش فى الانتخابات ؛ لأن هذا معناه ؛ خروج الجيش والشرطة من تحت جناح السلطة لكى ينضويا تحت جناح المجتمع والدستور والقانون .
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
وكما هو واضح ؛ فإن كل المبررات التى يتم تقديمها لمنع تصويت الشرطة والجيش فى الانتخابات ؛ هى مبررات تنتمى إلى العقليات الممسوحة والدجل البرلمانى والشعوذة السياسية . وقد يندهش القراء عندما يعلمون بأن معظم  تلك المبررات مذكورة حرفياً فى الدعوى القضائية المنظورة أمام المحكمة الدستورية العليا منذ تاريخ 3 نوفمبر 2009م ؛ والتى قمت أنا وشقيقى الأستاذ حسام محفوظ المحامى بالنقض برفعها للمطالبة بتصويت الشرطة فى الانتخابات . وكانت النتيجة المباشرة لتلك الدعوى هى فصلى بتاريخ 22 ديسمبر 2009م من وزارة الداخلية ؛ ومراقبتى منذ ذلك الحين وحتى قيام الثورة أنا وشقيقى فى كل تحركاتنا وفى كل محادثاتنا الهاتفية ؛ من قبل جهاز مباحث أمن الدولة .
ولكن يبدو أن الثورة التى قامت وقفز على ظهرها الإخوان وحلفائهم لم تغير شيئاً فى مصر حتى الآن ؛ ونفس المبررات التى كان يقدمها رجال النظام السابق لمنع الشرطة والجيش من التصويت الانتخابى ؛ هاهو نظام الإخوان يقدمها طبق الأصل ؛ بما يؤكد بأنه لا فرق بين مرسى وبين مبارك ؛ وبين رجال الإخوان ورجال الحزب الوطنى ؛ فالأسامى مختلفة ولكن الجوهر المتعفن واحد . فالعقول الممسوحة والدجل البرلمانى والشعوذة السياسية هى أدوات الأوباش لترسيخ حكم القهر والاستبداد فى كل زمان ؛ ولو باسم الدين .. ولكن أى دين ؛ ربما يكون دين الشيطان الرجيم ؛ لأنه قطعاً ليس دين الله سبحانه وتعالى رب العالمين .
*****
ـ لينك الدعوى الدستورية رقم 235 لسنة 31 قضائية دستورية المرفوعة منذ 3 نوفمبر 2009م والمنظورة أمام المحكمة الدستورية العليا بشأن عدم دستورية منع ضباط الشرطة من التصويت فى الانتخابات
*****
دكتور / محمد محفوظ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق