08 أغسطس 2014

قانون مكافحة الإرهاب .. خطوة صحيحة على طريق الحاضر والمستقبل

د. محمد محفوظ .. يكتب : قانون مكافحة الإرهاب .. خطوة صحيحة على طريق الحاضر والمستقبل

تاريخ النشر : 23 أكتوبر 2013

بتاريخ 3 سبتمبر 2013 نشرت مقالاً بموقع ( جريدة اللواء الدولية ) وموقع ( وسط البلد ) تحت عنوان : مكافحة الإرهاب فى ظل إلغاء المحكمة الدستورية لسلطة الاعتقال والقبض والتفتيش من قانون الطوارئ .
كما نشرت ذات المقال  بموقع ( أمواج سكندرية ) تحت عنوان : حان الوقت لإصدار قانون لمكافحة الإرهاب .
وبعد مرور شهر ونصف ؛ هاهو مجلس الوزراء يعلن فى تصريحات رسمية لرئيس الوزارء عن انتهاء الحكومة من وضع قانون لمكافحة الإرهاب ؛ جارى عرضه على الرأى العام قريباً لإخضاعه للحوار المجتمعى ؛ تمهيدا لإصداره قبل انتهاء حالة الطوارئ فى 14 نوفمبر 2013 .
 وبالتالى وجدت أنه من الضرورى أن أعيد تذكير القراء بالسبب الضرورى الكامن خلف أهمية إصدار قانون لمكافحة الإرهاب ؛ وخصوصاً فى ظل تصاعد إرهاب جماعة الاخوان المسلمين وجماعات العنف والتكفير المتحالفة معها .
والواقع أن أهمية إصدار هذا القانون فى هذا الوقت بالذات مبعثها أن الحكومة المصرية لم يعد لها أى سلطة فى القيام بأى إجراءات استباقية لمواجهة الجماعات الإرهابية منذ يوم 2 يونيو 2013 .
والسبب فى ذلك أن المحكمة الدستورية العليا أصدرت بتاريخ 2 يونيو 2013 ؛ حكمها فى الدعوى رقم  17 لسنة 15 قضائية " دستورية " ؛ وكان نص منطوق الحكم حرفياً كالآتى : ( عدم دستورية ما تضمنه البند 1 من المادة رقم 3 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ ؛ من تخويل رئيس الجمهورية الترخيص بالقبض والاعتقال، وبتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية ) .
وهذا يوضح بأن المحكمة العليا قد غلت يد الأجهزة الأمنية أثناء إعلان حالة الطوارئ عن القيام بالاعتقال مطلقاً ؛ أو القبض وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية ؛ باعتبار أن ذلك يتناقض مع أحكام الدستور .
وبالتالى فإن البند رقم 1 من المادة رقم 3 من قانون الطوارئ والذى كان ينص على الآتى :
( لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام وله على وجه الخصوص : وضع قيود على حرية الأشخاص فى الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور فى أماكن وأوقات معينة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم والترخيص فى تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية .. ) .
هذا البند من تلك المادة قد أصبح بعد حكم المحكمة الدستورية ؛ ينص على الآتى :
( لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام وله على وجه الخصوص : وضع قيود على حرية الأشخاص فى الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور فى أماكن وأوقات معينة .. دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية ) .
وبالتالى فإن سلطة الاعتقال ؛ وسلطة القبض والتفتيش بمعزل عن قانون الإجراءات الجنائية لم تعد قائمة فى قانون الطوارئ ؛ ولم يعد متاحاً للسلطة فى ظل إعلان حالة الطوارئ إلا وضع قيود على حرية الأشخاص فى الأمور الآتية فقط وهى على سبيل الحصر : وضع القيود على الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور فى أماكن وأوقات معينة ؛ وهو ما يعنى حظر التجول وفرض الإقامة الجبرية ومنع الاجتماعات. بالإضافة إلى القيود المنصوص عليها حصراً فى باقى بنود المادة 3 من قانون الطوارئ ؛ وهى البنود أرقام 2 و3 و4 و5 و6 ؛ والتى تتضمن مراقبة الرسائل ووسائل الاعلام ؛ وتحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها ؛ وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال ؛ والاستيلاء علي أي منقول أو عقار ، وسحب الترخيص بالأسلحة أو الذخائر ؛ وإخلاء بعض المناطق أو عزلها ؛ وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة .
والواقع أن إلغاء سلطة الاعتقال ؛ وإلغاء سلطة القبض والتفتيش غير المقيدة بضوابط قانون الإجراءات الجنائية أثناء إعلان حالة الطوارئ ؛ تعد نصراً كبيراً طالما ناضل من أجله كل النشطاء الحقوقيين والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان . فلقد كانت سلطة الاعتقال والقبض والتفتيش أثناء إعلان حالة الطوارئ بمثابة سيف مسلط فى يد النظام يتم استخدامه للزج بالمعارضين فى المعتقلات ؛ بموجب قرار من وزير الداخلية يتم تجديده كلما انتهت مدة الاعتقال أو أفرجت المحكمة عن المعتقل ؛ بحيث يظل المعتقل رهين حالة الاعتقال دون أى سقف زمنى محدد .
ولكن ؛ فى ظل كل المعطيات الأمنية المتفجرة على أرض الواقع السياسى المصرى الآن ؛ والتى تقرر بأن جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها من تيار الإسلام السياسى ؛ لن يقبلوا بالخروج بهدوء من الساحة السياسية فى مصر ؛ بل إن التاريخ الارهابى لتلك الجماعات على مستوى المنهج الفكرى أو الممارسة العملية ؛ يؤكد بأن مصر ستظل تشهد لمدى زمنى قد يمتد إلى سنوات ؛ انطلاق لعدد من العمليات الإرهابية لإفشال النظام القائم والحكومات المتتابعة ؛ من خلال هجمات تستهدف المناطق السياحية والتجارية والمؤسسات الأمنية والعسكرية والمرافق الحكومية ودور العبادة المسيحية بل وربما الإسلامية .
فى ظل تلك المعطيات ؛ فإن عدم القدرة على التصدى لتلك التنظيمات بإجراءات استباقية لمنع الجرائم الإرهابية قبل وقوعها ؛ نظراً لتناقض ذلك مع الضوابط القانونية المقررة بقانون الإجراءات الجنائية ؛ هو أمر يحد كثيراً من القدرة على منع الخطر الداهم والفادح للأنشطة الإرهابية التى تستهدف قتل المدنيين أو حتى الحكوميين دون تمييز ؛ واستهداف المرافق العامة والخاصة والبنية التحتية للدولة المصرية . 
وبالتالى ؛ ربما يكون حان الوقت للتعامل مع الارهاب دون الحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ ؛ مما يستلزم ضرورة إصدار قانون لمكافحة الإرهاب ؛ على أن يتم تحصين هذا القانون بظهير دستورى ؛ من خلال النص فى الدستور على إجراءات خاصة لمواجهة الجرائم الإرهابية .
وكان دستور 71 الملغى بعد تعديل عدد 34 مادة من مواده عام 2007 ؛ قد أصبح يتضمن فصلاً تحت عنوان : مكافحة الارهاب ؛ وتضمن هذا الفصل مادة واحدة هى المادة رقم 179 التى كانت تنص على الآتى : [ تعمل الدولة على حماية الأمن والنظام العام فـى مواجهة أخطار الإرهاب، وينظم القانون أحكاماً خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التى تقتضيها ضرورة مواجهة هذه الأخطار، وبحيث لا يحول الإجراء المنصوص عليه فـى كل من الفقرة الأولى من المادة 41 ( الخاصة بعدم جواز القبض او التفتيش أو الحبس أو المنع من التنقل الا بامر قضائى ) والمادة 44 ( الخاصة بعدم جواز دخول المساكن وتفتيشها إلا بأمر قضائى ) والفقـرة الثانية من المادة 45 من الدستور ( الخاصة بسرية المراسلات والمحادثات التليفونية وعدم جواز مراقبتها إلا بأمر قضائى ) .. لا يحول دون تلك المواجهة ، وذلك كله تحت رقابة القضاء. ولرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلى أية جهة قضاء منصوص عليها فـى الدستور أو القانون ] .
ولقد كانت تلك المادة إبان صدورها عام 2007 ؛ بمثابة كارثة دستورية لكل المنظمات والجهات المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان . ولكن بعيداً عن الانتقادات الموضوعية الموجهة فى ذلك الوقت لتلك المادة ؛ إلا أنها رغم كل ذلك كانت قد سدت ثغرة خطيرة فى القانون المصرى . فبينما تم تعريف الجريمة الإرهابية بقانون العقوبات المصرى فى مادته رقم 86 التى تم وضعها عام 1992 ؛ وتم تحديد العقوبات اللازمة لها ؛ إلا أن قانون الإجراءات الجنائية لم يواكب هذا الجانب الجديد فى قانون العقوبات المعني بالجريمة الإرهابية ؛ اعتماداً على المد الدورى المستمر لحالة إعلان الطوارئ ؛ التى يتم بموجبها استدعاء أحكام قانون الطوارئ التى تعطل الضمانات المقررة بقانون الإجراءات الجنائية .
ولكن فى ظل حكم المحكمة الدستورية بإلغاء سلطة الاعتقال والقبض والتفتيش من قانون الطوارئ ؛ فإن المادة رقم 86 من قانون العقوبات الخاصة بتعريف الجريمة الإرهابية وما يرتبط بها من مواد ؛ تكون قد أنشأت إطاراً عقابياً لجريمة خاصة ؛ لم تعد تقابله إجراءات استدلال وتحقيق تتناسب مع الطبيعة الخاصة لتلك الجريمة ؛ بما يجعل السياسة التى تحكم مواجهة الإرهاب تقوم على رد الفعل تجاه الجرائم التى تقع ؛ وليس المواجهة الاستباقية لمنع الجرائم الإرهابية قبل وقوعها .
وبالطبع ستبرز هنا الإشكالية التى تتمثل فى كيفية التوفيق بين قوانين مكافحة الإرهاب وبين احترام حقوق الإنسان ؛ أو بالأحرى كيفية التوفيق بين الإجراءات والعقوبات التى ينبغى أن تكون مقررة لمواجهة الإرهاب وبين الضمانات والقيم والمبادئ التى ينبغى أن تظل مفعلة لحماية حقوق الإنسان .
ولقد قرر المجلس الدستورى الفرنسى فى 3 سبتمبر سنة 1986 مبدأً هاما يتعلق بهذه الإشكالية ؛ مفاده : ( أن نصوص محاربة الإرهاب تجد تبريرها فى الطابع الخاص للإرهاب ) .
بما يعنى أن الطابع الخاص للجريمة الإرهابية يبرر إجراءات الاستدلال والتحقيق والعقوبات الخاصة التى تلزم لمواجهتها .
والواقع أن الطبيعة الاستثنائية لإجراءات الاستدلال والتحقيق التى ينبغى إقرارها للحد من الجرائم الإرهابية قبل وقوعها ؛ تجعلها أقرب إلى العقوبات الاستباقية منها إلى الإجراءات القضائية التى تسبق أو تتخلل المحاكمات ؛ بما يستوجب ضرورة التعامل مع تلك الإجراءات الاستثنائية بمعيار يحتم ضرورة التعويض العادل عن الأضرار الناشئة عنها فى حال ثبوت براءة ساحة المشمول بها ؛ الأمر الذى يجعل لانتهاك ضمانات حقوق الإنسان عواقب تظل حاضرة فى مشهد الإجراءات الاستثنائية لتضبط إيقاعه دون تعطيل مساره .
علاوة على ذلك ؛ فإن الطبيعة الاستثنائية للإجراءات التى ينبغى إقرارها للحد من الجرائم الإرهابية ؛ ينبغى الانطلاق فى فهمها من مبدأ هام مفاده : أن أعداء الديمقراطية لا يجب أن يستفيدوا من أدوات الديمقراطية وآلياتها لتدمير الديمقراطية . والواقع أن كل التنظيمات الإرهابية دون استثناء هى كيانات تنتمى لأيدلوجيات مناهضة للديمقراطية ومفعمة بثقافة التعصب والكراهية ؛ وبالتالى فإن التعامل مع تلك الكيانات غير الطبيعية بالأساليب الطبيعية هو أمر يدخل فى باب المثالية الديمقراطية التى تمهد الطريق لألد أعداء الديمقراطية لكى يقضوا عليها باستخدام أدوات الديمقراطية ذاتها .
لهذا ؛ حان الوقت فى مصر الثورة ؛ التى أصبحت بحكم الواقع فى مواجهة آنية ومستقبلية مع الإرهاب ؛ حان الوقت لإصدار قانون لمكافحة الإرهاب ؛ يحميه ظهير دستورى من خلال مادة واضحة فى الدستور لحمايته من الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا ؛ مع ضرورة أن لا يهمل هذا القانون التوازن المطلوب ما بين الضمانات العالمية المقررة لحقوق الإنسان ؛ والإجراءات والعقوبات الدولية المقررة لمكافحة الإرهاب .
حان الوقت ؛ وإلا فإن أى تأخير فى ذلك ؛ رغم إلغاء المحكمة الدستورية لسلطات الاعتقال والقبض والتفتيش من قانون الطوارئ ؛ سيؤدى إلى إعادة ضخ الدماء فى جسد الدولة الأمنية البوليسية ؛ من خلال توريط جهاز الشرطة فى عمليات ضبط بناء على تحريات ملفقة أو وقائع تلبس مفبركة ؛ وتوريط النيابة العامة فى إصدار أذون قبض وتفتيش لا تستند لتحريات جدية ؛ وتوريط القضاء فى تجديد مدد الحبس الاحتياطى دون مقتضى ؛ الأمر الذى يجعل الشرطة والنيابة أداة فى يد النظام ؛ ويجعل القضاء يستجيب للدواعى الأمنية دون سند من القانون .     
ينبغى فى مصر الثورة ؛ أن تمتلك الدولة الميزان الدقيق الذى يجعلها وهى تشيد البناء الديمقراطى الشامخ لحقوق الإنسان وسيادة القانون ؛ ألا تهمل الأدوات الأمنية والجزائية الرادعة للتصدى للتنظيمات المعادية للدولة وللهوية وللديمقراطية ؛ بل وللإنسانية . وإلا فإن ما قاله أحد وزراء خارجية بريطانيا سيكون صحيحاً ؛ عندما قال :
( إن الإرهابيين هم الأكثر قوة حيث تكون الدولة الأكثر ضعفاً ) .
*****
دكتور / محمد محفوظ
dr.mmahfouz64@gmail.com


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق